بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

مقالات مشابهة

تقرير سياسي

الوجه الخفي للإرهاب: نساء يتحوّلن إلى محركات للتجنيد والعمليات الانتحارية في أخطر التنظيمات المتطرفة

بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

لطالما ارتبطت الصورة النمطية للإرهاب بالرجال المسلحين، إلا أن العقدين الأخيرين أظهرا تحولاً واضحاً في الدور الذي تلعبه النساء داخل التنظيمات الإرهابية حول العالم. النساء لم يعدن مجرّد ضحايا أو زوجات للمقاتلين، بل أصبح لهن حضور فاعل في التخطيط والتنفيذ والتجنيد والتمويل، وأحياناً تنفيذ العمليات الانتحارية.

تشير الدراسات الحديثة إلى أن نسبة النساء في التنظيمات الإرهابية تتراوح بين 10% و 30%، مع اختلاف الأدوار باختلاف الجماعة والموقع الجغرافي، وهو ما يعكس أنهن عناصر أساسية في البنية التنظيمية لهذه الجماعات.

دوافع النساء للانخراط في الإرهاب

تتعدد دوافع النساء للانخراط في الإرهاب، بدءاً من الأيديولوجية والدافع الديني، حيث يغري التنظيم النساء بمفهوم “الجهاد” أو الواجب الديني، ويقدّم لهن دوراً يُنظر إليه على أنه “مقدس”، كما كان الحال في تنظيم داعش الذي وظّف النساء في الحراسة وتعليم الأطفال داخل المخيمات، واعتبر ذلك واجباً دينياً. في أوروبا، انضمت فتيات مثل شميمة بيغوم من شرق لندن إلى داعش، حيث تلقين تدريبات، وشاركن في تعليم الأطفال وتجنيد فتيات أخريات عبر الإنترنت.

قد يكون الدافع الانتقامي أو نتيجة صدمة نفسية، فالكثير من النساء في مناطق النزاع وجدن في الانخراط بالإرهاب وسيلة للتنفيس عن الغضب وتحقيق العدالة الذاتية. ومن أبرز الأمثلة، فتيات نيجيريا المختطفات من قبل “بوكو حرام” في مدينة تشيبوك العام 2014، واللواتي جُنّدن لاحقاً للقيام بعمليات انتحارية ضد المدارس والمساجد، وتوثقت هذه الحالات عبر وسائل الإعلام المحلية والدولية. في العراق وسوريا، انخرطت نساء أوروبيات وعربيات ضمن داعش في أدوار قتالية مباشرة بعد انهيار مناطق السيطرة، وأصبحن معلمات للأطفال أو منفذات لهجمات عنيفة.

العوامل الاجتماعية والاقتصادية

تلعب العوامل الاجتماعية والاقتصادية أيضاً دوراً حاسماً، فالفقر والبطالة والتمييز الاجتماعي يمكن أن يدفع النساء نحو التنظيمات الإرهابية بحثاً عن موارد أو مكانة اجتماعية. كما يظهر أحياناً الضغط الاجتماعي أو الزواج القسري داخل التنظيمات، حيث يتم توجيه النساء نحو مهام إرهابية تحت تأثير الرجل أو قيادة الجماعة.

في مصر رصدت حالات مماثلة، حيث تورطت نساء في تنظيم أنصار بيت المقدس (ولاية سيناء لاحقاً) في التجنيد ونقل الأسلحة وتمويل العمليات. وفي اليمن، انخرطت نساء في أنشطة القاعدة في جزيرة العرب، من خلال الدعم اللوجستي ونقل المواد والمتفجرات.

الدعم اللوجستي والتجنيد

أما الأدوار التي تشغلها النساء داخل الجماعات الإرهابية، فهي متنوعة ومتعددة المستويات. فالكثير منهن يقمن بالدعم اللوجستي من خلال إعداد الطعام ونقل الأسلحة وتوفير المأوى للمقاتلين. كما يبرز دورهن في التجنيد والدعاية عبر وسائل التواصل الاجتماعي، حيث أسهمت حسابات نسائية في استقطاب فتيات من أوروبا للانضمام إلى “الخلافة”.

كما انخرطن في التمويل وجمع التبرعات وإدارة الحسابات، وأحياناً في أنشطة تجارية لدعم التنظيم. ومع تصاعد الصراعات، أصبحت بعض النساء تنفذ العمليات الانتحارية، وهو ما رصد في نيجيريا وأفغانستان، حيث استخدمت طالبان وبوكو حرام النساء لتنفيذ هجمات مباشرة على المدنيين والمؤسسات الحكومية.

أبرز العمليات الإرهابية النسائية

في السنوات الأخيرة، سُجلت عدة حوادث عالمية بارزة، حيث لعبت النساء أدواراً تنفيذية مباشرة في الهجمات الإرهابية:

  • هجمات باريس 2015 (فرنسا): شاركت نساء في الدعم اللوجستي ونقل المقاتلين والأسلحة، كما كانت بعضهن جزءاً من شبكات التجنيد والدعاية المرتبطة بتنظيم داعش في أوروبا.
  • هجمات مطار ومحطات بروكسل 2016 (بلجيكا): أسهمت نساء في إخفاء المقاتلين وتسهيل تنفيذ العمليات، وقد وثقت الأجهزة الأمنية تورطهن في تسهيل الهجمات العابرة للحدود.
  • اختطاف تشيبوك 2014 (نيجيريا): اختطف تنظيم بوكو حرام أكثر من 200 فتاة، بعضهن جُنّدن لاحقاً لتنفيذ هجمات انتحارية ضد المدارس والمساجد، وتم توثيق مشاركتهن في وسائل الإعلام العالمية.
  • هجمات انتحارية في العراق وسوريا (داعش): نفذت نساء من أوروبا والشرق الأوسط عمليات انتحارية، خصوصاً في مناطق الرقة والموصل بعد سقوط مناطق سيطرة التنظيم، حيث أُرسلن كجزء من استراتيجية التنظيم للضغط على المدنيين والقوات الأمنية.
  • الهجوم الانتحاري في تكساس 2017 (الولايات المتحدة): حاولت امرأة تنفيذ هجوم بسيارتها ضد مركز للشرطة، وكانت تحت تأثير الأيديولوجيا المتطرفة، ما يبرز أن النساء لم يقتصر دورهن على مناطق النزاع بل امتد إلى الغرب أيضاً.
  • أنشطة القاعدة في جزيرة العرب (اليمن): انخرطت نساء في الدعم اللوجستي ونقل المواد والمتفجرات، وكان بعضهن جزءاً من مخططات تفجيرات استهدفت منشآت حكومية ومواقع عسكرية.

البعد النفسي واستغلال الهوية 

من منظور نفسي واجتماعي، يرى الخبراء أن كثيراً من النساء يشعرن بانعدام الهوية أو الحرمان الاجتماعي، ما يدفعهن للبحث عن الانتماء والقوة في الجماعات المتطرفة. كما أن القيود المجتمعية الصارمة على النساء تعزز الرغبة في البحث عن “حرية” مزيفة ضمن التنظيمات الإرهابية، حيث تستغل الجماعات هذه العوامل لاستقطابهن عبر استراتيجيات غسل الدماغ والخداع العاطفي، ما يزيد من صعوبة مواجهتهن على المستوى الأمني.

تشكل النساء تحدياً أمنياً خاصاً، فغالباً ما يُنظر إليهن على أنهن لا يشكلن خطراً أو تهديداً، ما يقلل من اليقظة الأمنية، ويصبح التجنيد عبر الإنترنت أداة فعالة لاستقطابهن. أما إعادة الإدماج، فهي تمثل تحدياً نفسياً واجتماعياً كبيراً، خصوصاً مع النساء العائدات من مناطق النزاع أو اللواتي أُدنّ بالإرهاب.

توضح الوقائع أن الدافع الديني غالباً ليس ديناً تقليدياً بقدر ما هو أيديولوجيا متطرفة تستخدم الدين كغطاء شرعي للأهداف النفسية والاجتماعية، مثل الهوية والانتماء والانتقام والتمكين. فالدين يُستغل لإشعال مشاعر القداسة والانتماء، ولتبرير العنف والعمليات الانتحارية، وهو ما أكدت عليه حالات النساء الأوروبيات اللواتي سافرن للانضمام إلى داعش في مناطق الخلافة، أو الفتيات المخطوفات من تشيبوك اللواتي جُنّدن تحت تبريرات دينية زائفة.

البعد الديني في استقطاب النساء

يشير الطب النفسي إلى أن انخراط النساء في الإرهاب ناتج عن تفاعل معقد بين الصدمات النفسية، والضغوط الاجتماعية، والرغبة في الانتماء، والأيديولوجيا المتطرفة، مع ظهور سمات مثل الانفعالية الشديدة، والشعور بالظلم، والاعتماد على الجماعة، والقدرة على تبرير العنف أخلاقياً.

من هنا، تؤكد الدراسات أن أي استراتيجية لمواجهة التجنيد النسائي يجب أن تراعي معالجة الجانب الديني المزيف، عبر التوعية الدينية المعتدلة، والفهم النقدي للنصوص، وربط الدين بالقيم الإنسانية الحقيقية بعيداً عن العنف، مع تعزيز الهوية الإيجابية والاندماج الاجتماعي، وتقديم دعم نفسي للنساء العائدات من مناطق النزاع، ومشاركة الأسرة والمجتمع في إعادة تأهيلهن لضمان عدم العودة إلى دائرة التطرف.

تؤكد الوقائع والدراسات أن النساء لسن مجرد عناصر ثانوية في الإرهاب، بل هن فاعلات رئيسيات في دعم البنية التنظيمية، سواء عبر الأدوار اللوجستية أو التنفيذية، وأن فهم دوافعهن النفسية والاجتماعية والدينية، مع الاستناد إلى الوقائع الحيّة، يمثل مفتاحاً لتطوير استراتيجيات أمنية واجتماعية فعالة لمكافحة الإرهاب ومنع استغلال النساء في هذا السياق.