في تحدٍّ صريح لقرار مركز التحكيم الدولي (ICSID) وتصعيد جيوسياسي غير مسبوق، أعلن المجلس العسكري الحاكم في النيجر، الأحد 30 نوفمبر 2025، طرح كامل مخزون اليورانيوم المتراكم في منجم “سومير” (SOMAÏR) البالغ حوالي 1500 طن من «الكعكة الصفراء» تقدر قيمتها بأكثر من 270 مليون دولار للبيع الفوري في السوق الدولية، وهو ما يمثل نهاية فعلية لخمسة عقود من الهيمنة الفرنسية على استخراج اليورانيوم في هذا البلد الأفريقي الحبيس.
من نيامي إلى باريس، مروراً بموسكو وبكين، لم يعد اليورانيوم النيجري مجرد سلعة للطاقة؛ بل تحول إلى سلاح جيوسياسي جديد في قلب الساحل المشتعل.
الجنرال يضغط على الزناد
في كلمة مقتضبة بثها التلفزيون الرسمي “تيلي ساحل” (Tele Sahel) مساء الأحد، وقف الجنرال عبد الرحمن تشياني، رئيس المجلس الوطني لحماية الوطن (CNSP)ليلقي جملة واحدة كانت كفيلة بإرباك أسواق الطاقة النووية: “ثروات النيجر ملك للنيجريين، وسنبيعها لمن نشاء، متى نشاء، وبالسعر الذي نراه عادلاً.. باستقلالية تامة”.
لم يكن تشياني يتحدث في العموميات؛ كان يُشير بوضوح إلى مخزون «سومير» الاستراتيجي القابع في الصحراء منذ توقف الإنتاج، وهي كمية ضخمة تكفي لتشغيل مفاعلات فرنسا النووية لفترة زمنية مؤثرة.
منجم أرليت وقرار المحكمة الدولية
في صحراء أرليت، على بعد 1200 كيلومتر شمال نيامي، تبدو معالم القطيعة واضحة. فمنذ تأميم شركة “سومير” في يونيو 2025 وسحب تراخيص التشغيل من شركة “أورانو” (Orano) الفرنسية، تحولت المنطقة إلى نقطة نزاع دولي.
وفي 23 سبتمبر 2025، أصدرت هيئة تحكيم تابعة للمركز الدولي لتسوية منازعات الاستثمار (ICSID) قراراً مؤقتاً يأمر النيجر بـ”عدم بيع أو نقل” أي كمية من اليورانيوم. ورغم التحذيرات القانونية، رصدت تقارير استخباراتية تحرك قافلة ضخمة تضم حوالي 30 شاحنة ثقيلة تغادر أرليت ليل الخميس الماضي، متجهة جنوباً يُعتقد أنها تسلك طريقاً نحو ميناء لومي في توغو.
سيناريو مالي 2.0: الكابوس الأمني
في أروقة الوكالة الدولية للطاقة الذرية في فيينا، تتصاعد المخاوف مما يُوصف بـ”سيناريو مالي 2.0″. فالمنطقة المحيطة بمنجمي سومير وإيمورارين باتت منطقة رمادية أمنياً. ومع الانسحاب الجزئي للجيش النيجري وانشغاله بتأمين النظام في العاصمة، وعدم وصول قوات “فيلق أفريقيا” الروسي بالكامل لتغطية الشمال الصحراوي، تزداد مخاطر الطريق. حسب ما صرح مصدر مقرب من الاستخبارات الفرنسية لصحيفة “لوموند”، قائلاً:
“إذا انشغل الجيش بتأمين صفقة البيع السريع، فإن أي ثغرة قد تسمح للجماعات المسلحة بالاستيلاء على الشحنات. 1500 طن من الكعكة الصفراء في يد جماعة جهادية ليس مجرد خطر بيئي، بل كابوس أمني عالمي”.
المخاوف ليست نظرية؛ في عام 2024، اعترضت جماعة نصرة الإسلام والمسلمين (JNIM) قوافل تعدين في مالي واستولت على كميات ضخمة من الذهب ومعدات التعدين في منطقة كايس. وحسب مركز ACLED الأمني الآن، يخشى المراقبون من تكرار السيناريو مع مواد مشعة.
وقود “فوضى الساحل”
لا يمكن قراءة هذا التحرك بمعزل عن الحالة التي تضرب المنطقة. وبحسب تحليل الموقف، فإن بيع اليورانيوم بهذه الطريقة يمثل فصلاً جديداً من “فوضى الساحل” المستمرة، مدفوعاً بثلاثة عوامل رئيسية:
– اقتصاديات البقاء: يشير تقرير لـ “مجموعة الأزمات الدولية” (International Crisis Group) إلى أن الأنظمة العسكرية في تحالف دول الساحل (AES) تواجه ضغوطاً مالية خانقة. بيع اليورانيوم نقداً هو محاولة يائسة لضخ السيولة ودفع رواتب الجيش لضمان الولاء الداخلي، مما يعزز نموذج “دولة البقاء” بدلاً من المؤسسات.
– حرب باردة جديدة: وفقاً لـ “مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية” (CSIS)، فإن كسر النيجر للاحتكار الغربي ودعوة قوى مثل روسيا وإيران للدخول في القطاع يحول الساحل من منطقة نفوذ تقليدية إلى ساحة صراع دولي مفتوح، مما يغذي الاستقطاب الداخلي.
– تسليح “المناطق الرمادية”: يحذر “مركز صوفان” (The Soufan Center) من أن نقل مواد حساسة عبر طرق تسيطر عليها جماعات مسلحة يشرعن فعلياً سلطة هذه الميليشيات. إذا اضطرت الدولة لدفع “إتاوات مرور” لتأمين القوافل (كما حدث مع الذهب)، فإن اليورانيوم سيتحول لتمويل مباشر للإرهاب، دامجاً الاقتصاد الرسمي باقتصاد الظل.
موسكو وأوروبا: ترقب وحذر
على الأرض، تداولت أوساط دبلوماسية أن وفداً من شركة “روساتوم” الروسية أبدى اهتماماً بشراء جزء من المخزون، مع وعود بتوفير حماية عبر المتعاقدين الأمنيين الروس حسب Ecofin Agency.
في المقابل، ورغم أن فرنسا تملك مخزوناً استراتيجياً، إلا أن نجاح النيجر في تسييل هذا المخزون رغم العقوبات سيشكل سابقة خطيرة قد تتبعها دول أخرى، مما يجبر أوروبا على إعادة رسم خريطة طاقتها النووية والاعتماد على موردين جدد مثل كازاخستان وأستراليا.
في الصحراء، لا يزال الغبار يتصاعد خلف الشاحنات التي قد تحمل مستقبل الطاقة النووية الأوروبية.. أو بداية فصل جديد من الفوضى لا يستطيع أحد التنبؤ بنهايته.















