بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

مقالات مشابهة

تقرير إخباري

المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية 2026: “الميكانيزم” من أداة ضبط ميداني إلى ساحة صراع سياسي وأمني

بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

تدخل المفاوضات اللبنانية-الإسرائيلية في عام 2026 طوراً جديداً يتجاوز “الطابع التقني” الذي وُضعت ضمنه آلية مراقبة وقف إطلاق النار (الميكانيزم). فالمسار الذي بدأ لضبط خطوط التماس تحوّل تدريجياً إلى ساحة اختبار لمعادلات أمنية وسياسية أكثر اتساعاً، حيث تتقاطع الحسابات الإقليمية بالانقسامات اللبنانية الداخلية، وتضغط مجموعة من الفاعلين الدوليين لضمان عدم انزلاق الجنوب إلى دورة عنف جديدة.

رغم حرص الأطراف على التأكيد بأن المحادثات ذات طبيعة ميدانية بحتة، إلا أن واقع القوى المتداخلة – المحلية والإقليمية والدولية – يجعل من كل خطوة تفاوضية جزءاً من إدارة أوسع للهشاشة الأمنية عند الحدود الجنوبية، في لحظة تتأرجح بين فرص تثبيت التهدئة ومخاطر إعادة إنتاج الصراع.

ضبط الحدود الجنوبية 

يشكّل الجنوب اللبناني خط التماس الأكثر هشاشة، حيث تتوزع السيطرة بين الجيش اللبناني، ووجود مسلّح لحزب الله، وقوات الاحتلال الإسرائيلي، إلى جانب دور مباشر لـ”اليونيفيل”. وفي هذا السياق، يبدو تعيين السفير السابق في واشنطن، سيمون كرم، رئيساً للوفد اللبناني في لجنة “الميكانيزم” محاولة لصوغ مرجعية رسمية واضحة تُعيد تموضع الدولة على خط المفاوضات، وتحدّ من تصوّر أن إدارة الحدود تُركت بالكامل لمعادلات قوة الأمر الواقع.

هذه الخطوة لا تحسم التوازنات بقدر ما تعبّر عن محاولة لإعادة هندستها: تعزيز دور الجيش اللبناني، مع إبقاء الإشراف الدولي قائماً، والتمييز بين دور الدولة وموقع القوى المسلحة غير الحكومية ضمن معادلة الردع القائمة. وأي خلل في هذا التوازن – سواء نتيجة تصعيد ميداني أو ضغط سياسي – قد يعيد الجنوب إلى مربع الاستخدام الإقليمي كساحة تنازع بالوكالة.

الضغوط الأمريكية–الأوروبية 

تتبنّى واشنطن مقاربة واضحة تنادي بمنع التصعيد، ودعم الجيش اللبناني، وفصل مسار التهدئة عن أي نقاش يتعلق بسلاح حزب الله.
هذه المقاربة تحاول عزل المفاوضات التقنية عن سجالات الداخل، وتفادي تحويل آلية وقف النار إلى منصة لفرض تغييرات سياسية أحادية. 

بالنسبة للولايات المتحدة، يمثل الطابع المدني لرئاسة الوفد اللبناني خطوة تُحصّن الطابع المؤسساتي للمسار. أما أوروبا، فتعمل عبر قنوات دبلوماسية وإنسانية لضمان احترام قواعد الاشتباك، وتثبيت حقوق المدنيين، والضغط على إسرائيل للالتزام بالقرارات الدولية. والهدف الأوروبي هو ترسيخ استقرار طويل الأمد يمنع الانفجار، من دون الانخراط في النقاشات المتصلة ببنية القوة داخل لبنان.

الموقف العربي والداخل اللبناني

تشكل مواقف الدول العربية، لا سيما مصر والأردن، عامل ضغط إيجابي نحو الحفاظ على وقف إطلاق النار، مع التشديد على احترام القرار 1701 ومنع أي تصعيد قد يجرّ المنطقة إلى مواجهة واسعة.

هذا الضغط العربي ليس ضمن معادلة نفوذ، بل يأتي في سياق حماية الأمن الإقليمي وتجنّب ارتداد أي توتر نحو الساحات العربية الأكثر هشاشة، بما فيها لبنان وسوريا وفلسطين.

لبنان، يدخل هذا المسار وسط معاناة من انقسام واضح حول حدود التفويض السياسي للوفد المفاوض. فيما يُشكل الثنائي الشيعي – حركة أمل وحزب الله – الطرف الأكثر تأثيراً في المعادلة.

حركة أمل تضع ثقلها في اتجاه تثبيت القرار 1701 ومنع أي تفاوض تحت الضغط العسكري. في حين يتعامل حزب الله بحذر: يقبل القناة التقنية، لكنه يرفض أن تتحول إلى مسار يلامس بنيته العسكرية أو يفرض عليه ترتيبات جديدة تحدّ من دوره في معادلة الردع.

وفي خلفية ذلك كله، يظل النفوذ الإيراني حاضراً، باعتبار طهران الطرف الأكثر تأثيراً على “محور المقاومة”. إلا أن المقاربة الإيرانية تبدو مركّزة على إدارة التهدئة لا على إنتاج تسوية، مع الحفاظ على سقف استراتيجي يمنع المسار من الانزلاق إلى تغييرات جوهرية في ميزان القوى.

براغماتية مقيّدة بالذاكرة 

يستقبل اللبنانيون هذه المعطيات بقدر من البراغماتية، فهناك حاجة واسعة لوقف النار وتخفيف الكلفة على السكان، خصوصاً في الجنوب، الذي دفع أثماناً باهظة في جولات العنف السابقة.

في المقابل، ثمة حساسية كبيرة تجاه أي خطوة قد تُفهم كتمهيد لاتفاق سياسي مع إسرائيل، في ظل ذاكرة اتفاق 17 أيار 1983 الذي سقط بسبب الانقسام الداخلي.

الأفق الاستراتيجي لعام 2026

يبدو أن 2026 سيكون عاماً لإدارة أزمة على حافة التسوية أو الانفجار، حيث تتقاطع عناصر الأمن والسياسة والضغط الدولي. والسيناريو الأكثر ترجيحاً يشمل تثبيت التهدئة عبر “الميكانيزم” مع دور موسع لـ”اليونيفيل” ودعم أميركي–أوروبي–عربي لضمان التزام إسرائيل والجيش اللبناني. إلى جانب ذلك، يستمر الداخل اللبناني في اختبار قدراته على ضبط الحدود، مع مراقبة الثنائي الشيعي وسقف المفاوضات الذي لا يتيح أي تجاوز لمبدأ الدفاع الوطني.

إن أي تقدم أو تعثر سيكون مرتبطاً مباشرة بقدرة الدولة اللبنانية على إدارة التوازن بين الضغوط الدولية والانقسامات الداخلية وحسابات القوى الإقليمية. السياسة الأمريكية–الأوروبية–العربية تشكل مظلة خارجية لضبط المسار، لكنها غير قادرة على فرض تسوية شاملة من دون توافق داخلي. وبالتالي، يبدو أن الوضع في الجنوب اللبناني سيستمر على نمط “التسوية المعلّقة”، وإدارة الأزمة بالأدوات التقنية والأمنية، مع ضمان عدم انزلاق الأمور نحو الهاوية.

اختبار إدارة الدولة 

تُظهر المفاوضات اللبنانية–الإسرائيلية في 2026 أنها ليست مجرد جلسات تقنية، بل اختبار لإدارة الدولة اللبنانية للملف الأكثر حساسية. والتوازن بين الأمن الهش، والسقف السياسي المحدود، والمزاج الشعبي الحذر، إلى جانب النفوذ الأمريكي والأوروبي والعربي والإقليمي، يجعل من “الميكانيزم” أداة لإدارة الأزمة أكثر من كونه مساراً لتسوية نهائية. وهنا، يواجه لبنان تحدياً مزدوجاً: الحفاظ على التهدئة ومنع تكرار تجربة “17 أيار”، مع عدم الانزلاق نحو حرب لا يريدها أحد من جهة، وضمان أن يبقى أي تفاهم ضمن الأطر التقنية والأمنية بعيداً عن أي تنازلات سياسية موسعة قد تُفقد الدولة السيطرة على حدودها من جهة ثانية.

الفترة القادمة ستكون حاسمة لتحديد مستوى التهدئة واستقرار الجنوب، مع بقاء التوازن دقيقاً بين التدخل الدولي، والضغوط الإقليمية، والمواقف العربية، وتماسك الداخل اللبناني، حيث تصبح القدرة على إدارة هذه المعادلات شرطاً لبقاء الدولة اللبنانية محافظة على دورها وسيادتها في مواجهة أي تصعيد محتمل.