بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

مقالات مشابهة

تقرير إخباري

الكبتاغون في الشرق الأوسط: من دواء ألماني إلى تمويل إرهاب ونفوذ سياسي

بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

ظهر الكبتاغون للمرة الأولى في ألمانيا عام 1961 كدواء طبي يُستخدم لعلاج فرط النشاط والاكتئاب واضطرابات النوم، وكان يُصرف بوصفة طبية تحت إشراف الأطباء ويُعدّ آمناً نسبياً. غير أن العقار الذي وُلد في بيئة طبية صارمة تحوّل مع الزمن إلى سلعة حرب قاتلة تُغذّي شبكات التهريب وتموّل النزاعات المسلحة في الشرق الأوسط.

من دواء علاجي إلى أداة نفوذ سياسي واقتصادي، أصبحت حبوب الكبتاغون مرآةً لواقع إقليمي مُتشابك تُستخدم فيه المخدرات لبناء السلطة حين تسقط الدولة، وتمويل الحرب حين تنقطع الموارد الشرعية.

بحلول السبعينيات والثمانينيات، وصل الكبتاغون إلى المنطقة العربية، واستقر بشكل خاص في سوريا، التي أصبحت أكبر مركز لإنتاجه وتصديره. وباتت المعامل غير الرسمية، والمخابر السريّة في المحافظات السورية، تنتج كميات ضخمة من الحبوب المخدّرة، تُهرّب إلى لبنان والعراق واليمن وغيرها من الدول العربية، وكذلك الأوروبية.

ومع اتساع شبكة التوزيع، لم يعد الكبتاغون مجرّد تجارة غير مشروعة، بل أصبح أداة اقتصادية وسياسية تعزز النفوذ في مناطق النزاع، خصوصاً حيث تتواجد الميليشيات والجماعات المسلحة غير الشرعية، المستفيدة من ضعف الدولة والفوضى الأمنية لحماية خطوط الإنتاج والتهريب.

الجماعات الإرهابية وتمويل النزاعات

تشير تقارير أمنية ودولية إلى أن الجماعات المسلحة، بمختلف انتماءاتها، لعبت دوراً محورياً في توسيع تجارة الكبتاغون. الحبوب المنشطة تُستخدم لزيادة القدرة القتالية للمقاتلين، كما تُدرّ أرباحاً ضخمة تُوجَّه لشراء الأسلحة وتمويل العمليات العسكرية.

في سوريا، تتورط فصائل مختلفة – سواء تلك القريبة من النظام أو المعارضة – في هذه التجارة، من بينها قوات سورية الديمقراطية (قسد)، والجيش الوطني السوري، إلى جانب جماعات مدعومة من إيران، مثل حركة النجباء، وكتائب سيد الشهداء. وكل فصيل يستثمر الكبتاغون بطريقته، سواء كتمويل أو وسيلة نفوذ على السكان المحليين.

بهذا المعنى، لم يعد المخدر مُجرّد سلعة مُحرّمة، بل أصبح عنصراً استراتيجياً يعيد توزيع القوّة داخل خريطة النزاعات الإقليمية.

تورّط حزب الله

في لبنان، تتقاطع خطوط الإنتاج والتهريب بين منطقة البقاع والحدود السورية. في هذا الصدد تشير تقارير أمنية عربية وغربية مختلفة، من ضمنها تحقيقات سعودية وأوروبية، إلى تورط عناصر من حزب الله في تسهيل عمليات التهريب عبر شبكات منظمة تعمل تحت غطاء التجارة الشرعية.

في سبتمبر/أيلول 2025، ضبطت السلطات أكثر من 64 مليون حبة كبتاغون في عملية واحدة على الحدود اللبنانية–السورية، تلتها شحنات أخرى، في أكتوبر/تشرين الأول، متجهة نحو الأسواق الخليجية. وعلى الرغم من النفي الرسمي من الحزب، فإن الحوادث المتكررة تُظهر تداخلاً معقّداً بين العمل العسكري والسياسي والاقتصادي في منظومة النفوذ الإقليمي.

مجتمع تحت التأثير

على المستوى المدني، انتشر الكبتاغون بين الشباب في دول عربية عدّة بوصفه “منشّطاً” يعزّز الطاقة والتركيز، فيما تحوّل إلى وسيلة للهروب في مجتمعات أنهكتها الحروب والبطالة.

يُعدّ السوق المحلي في سوريا ولبنان والعراق الأكثر نشاطاً، سواء للاستهلاك المباشر أو لإعادة التصدير. ونتيجة ضعف الرقابة وتواطؤ بعض الأجهزة الأمنية، أصبح الكبتاغون جزءاً من اقتصاد الظل، يُغذّي الفساد ويُقوّض مؤسسات الدولة.

تجارة الكبتاغون لم تعد شأناً محلياً. فقد أعلنت السلطات الأردنية والعراقية مراراً ضبط شحنات ضخمة قادمة من سوريا ولبنان، بعضها مموّه داخل شحنات فاكهة أو مواد بناء.

يهدد هذا الامتداد عبر الحدود الأمن الإقليمي للمنطقة ككل، إذ يربط بين شبكات التهريب والمجموعات المسلحة عبر منظومة واحدة من “اقتصاد الفوضى”. كما أنّ أرباح تجارة الكبتاغون تُستخدم في تمويل الإرهاب والجريمة المنظمة، ما يجعل هذه الآفة جزءاً من معركة أكبر، تتجاوز مكافحة المخدرات إلى صراع مفتوح مع منظومة النفوذ السياسي والاقتصادي التي تغذّيها.

الكبتاغون بعد سقوط الأسد

بعد سقوط الأسد، وانهيار نظامه المُتمترس لأكثر من 60 عاماً، تحوّل إنتاج الكبتاغون من معامل منظمة إلى ورش عشوائية يديرها ضباط سابقون وتجار مخدرات، غالباً تحت حماية ميليشيات محلية. الأمر الذي أدّى إلى زيادة فتك الحبوب وانتشارها في الأسواق، وتراجع الإنتاج المنظّم للمصانع، مع ارتفاع الأسعار بعد أن كانت زهيدة. ما دفع المدمنين على الانخراط في سرقات وتهريب وطرق شتّى للحصول على الجرعات، وبالتالي ارتفاع معدلات الإدمان والوفيات في بيئة شبه خالية من مراكز العلاج أو برامج التأهيل النفسي والاجتماعي، في وقت دمرت فيه الحرب أكثر من 70% من المنشآت الصحية.

قصة الكبتاغون تكشف بوضوح تداخُل السياسة والأمن والاقتصاد غير الرسمي في الشرق الأوسط. فبينما تحوّل الدواء الألماني إلى رافعة مالية تُغذّي الجماعات المسلحة وتُعزز نفوذ القوى الإقليمية، تتعامل الحكومات بسياسات احتواء محدودة أو صمت استراتيجي للحفاظ على توازن هش.

وعليه، نسجت تجارة الكبتاغون شبكة مصالح تتقاطع فيها الأجهزة والمليشيات والأسواق، وأعادت تعريف مفهوم السيادة في زمن الحروب الطويلة. فهل يستطيع العالم العربي صياغة سياسة إقليمية موحّدة لمواجهة اقتصاد الحرب، أم أن الكبتاغون سيبقى الوجه غير المعلن لتوازنات القوة في المنطقة؟