بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

مقالات مشابهة

تحليل جيوسياسي

الغاز تحت ضغط الحرب: صفقة مصر وإسرائيل بين أمن الطاقة وحسابات النفوذ في شرق المتوسط

بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

تتجاوز صفقة توريد الغاز الطبيعي من إسرائيل إلى مصر، الممتدة حتى عام 2040، بقيمة تقديرية تبلغ نحو 35 مليار دولار، كونها اتفاقاً اقتصادياً طويل الأمد، لتغدو مسألة ذات أبعاد استراتيجية متشابكة مع التطورات الأمنية والسياسية في شرق المتوسط، ولا سيما في ظل تداعيات الحرب الجارية في قطاع غزة.

تُظهر هذه الصفقة كيف يمكن لمُورّد طاقة حيوي أن يتحول إلى عنصر مؤثر في معادلات الاستقرار الإقليمي، وكيف تؤدي النزاعات المسلحة إلى إعادة ترتيب أولويات الدول في ملفات الاقتصاد، وأمن الطاقة، والسيادة الاستراتيجية.

مصر: من الاكتفاء النسبي إلى الاعتماد الخارجي

شهد قطاع الطاقة المصري خلال السنوات الأخيرة تحوّلاً بنيوياً، انتقلت إثره البلاد من مرحلة الاكتفاء النسبي بالغاز الطبيعي إلى الاعتماد الجزئي على الاستيراد، نتيجة تراجع الإنتاج المحلي وارتفاع الطلب الداخلي بفعل النمو السكاني والتوسع الصناعي. هذا التحول أعاد ملف الطاقة إلى صدارة التحديات الوطنية، وربط بشكل مباشر بين استقرار الإمدادات وقدرة الدولة على ضمان استمرارية الكهرباء والإنتاج الصناعي.

في هذا السياق، مثّل الغاز الإسرائيلي خياراً عملياً من حيث سرعة التنفيذ وتكلفة النقل، خاصة في ظل وجود بنية تحتية قائمة تسمح بتدفق الغاز عبر خطوط مباشرة، ما جعله أقل كلفة مقارنة بالاعتماد على الغاز المسال من الأسواق العالمية.

غير أن هذا الاعتماد يعيد طرح استنتاجات أعمق حول مفهوم أمن الطاقة. لأن الحصول على الغاز لم يعد مسألة اقتصادية بحتة، بل أصبح مرتبطاً بشكل وثيق بالاستقرار السياسي والأمني في الإقليم. وأي توتر دبلوماسي أو اضطراب أمني قد ينعكس مباشرة على تدفقات الغاز، ما يجعل قطاع الطاقة أحد مفاصل السياسة الوطنية والإقليمية في آن واحد.

إسرائيل: الغاز كرافعة نفوذ إقليمي 

 بالنسبة لإسرائيل، تتيح الصفقة مكاسب متعددة. فهي تضمن سوقاً مستقرة وطويلة الأجل لتصريف إنتاجها من الغاز، وفي الوقت ذاته تستفيد من البنية التحتية المصرية لتسييل الغاز وإعادة تصديره، ما يعزز موقعها كلاعب رئيسي في معادلة الطاقة بشرق المتوسط.

هذا التداخل يخلق نمطاً من الاعتماد المتبادل، يحمل في طياته بُعداً سياسياً، إذ يمكن لمُورّد الطاقة أن يتحول، في أوقات التوتر،  إلى أداة ضغط غير مباشرة، سواء عبر التحكم في الإمدادات أو عبر توظيفه في حسابات التفاوض الإقليمي.

مع اندلاع الحرب في غزة، بات الترابط بين أمن الطاقة والاستقرار الإقليمي أكثر وضوحاً. فقد أعادت الحرب ترتيب أولويات الدول، وكشفت هشاشة البنى التحتية الحيوية أمام الاضطرابات الأمنية. وعلى الرغم من الطابع التجاري للصفقة، فإن استمرار تدفق الغاز يظل رهناً بغياب التصعيد العسكري وحماية المنشآت وخطوط النقل.

وأي انقطاع محتمل في الإمدادات قد يترجم سريعاً إلى ضغوط داخلية، سواء على قطاع الكهرباء أو الصناعة، ما يفرض على الدولة البحث عن بدائل سريعة وأكثر كلفة، ويزيد من حساسية القرار الاقتصادي تجاه التطورات السياسية.

 الغاز بين المصالح والسيادة

 تُبرز الصفقة تحدياً مزدوجاً أمام مصر: تحقيق المكاسب الاقتصادية المرتبطة بدورها كمركز إقليمي لتسييل الغاز، وتجنّب تحوّل الاعتماد الخارجي إلى قيد سياسي أو مصدر ضغط في ملفات إقليمية حساسة.

وأثارت العقود طويلة الأمد حتى عام 2040 تساؤلات مشروعة حول هامش المناورة الاستراتيجية، خاصة في ظل تقلبات أسعار الطاقة العالمية وتسارع التحول نحو مصادر الطاقة المتجددة. كما أنها استدعت إعادة تقييم الاستثمار في الإنتاج المحلي، لضمان تقليص فجوات الاعتماد وتعزيز الاستدامة على المدى البعيد.

هشاشة أمن الطاقة في شرق المتوسط

 أعادت الحرب في غزة تسليط الضوء على هشاشة أمن الطاقة في شرق المتوسط ككل. فالتوترات العسكرية ترفع كلفة الاستثمار وتزيد من مخاطر المشاريع الكبرى، فيما تؤدي المنافسات الإقليمية بين عدة أطراف إلى تعقيد أي اتفاقات طويلة الأمد.

كما يمتد تأثير عدم الاستقرار إلى قدرة المنطقة على جذب رؤوس الأموال، إذ بات الاستقرار السياسي شرطاً أساسياً لاستدامة الاستثمارات في قطاع الغاز. وفي هذا السياق، يبرز ملف موارد الغاز في المناطق الفلسطينية المحتلة بوصفه أحد أكثر الملفات حساسية، حيث يمكن أن يشكل، في حال إدارته ضمن إطار قانوني وتنموي، عاملاً للتنمية، أو يتحول إلى عنصر إضافي في دوامة الصراع.

بين الاقتصاد والسياسة: توازن دقيق

تكشف صفقة الغاز بين مصر وإسرائيل، في ظل الحرب وأمن شرق المتوسط، عن نموذج معقّد لتداخل الاقتصاد بالسياسة والأمن. فهي، إضافة إلى كونها اتفاقاً تجارياً، مثال حي على كيفية تحوّل الموارد الحيوية إلى أوراق استراتيجية في أوقات الأزمات.

وأظهرت التطورات الأخيرة أن الحفاظ على تدفق الطاقة بات أولوية تتجاوز الحسابات المالية، وأن إدارة هذا الملف تتطلب توازناً دقيقاً بين المصالح الاقتصادية، والاستقلال السياسي، وحماية الأمن الوطني، في منطقة تتسم بتقلبات حادة وعدم يقين مستمر.