بقلم شيرزاد اليزيدي
بقلم شيرزاد اليزيدي

مقالات مشابهة

تحليل سياسي

الإخوان المسلمون في سوريا: حضور بطعم الغياب!

بقلم شيرزاد اليزيدي
بقلم شيرزاد اليزيدي

في لحظة سوريّة تُعيد فيها البلاد ترتيب بيتها الداخلي ونفض غبار الصراع، تبدو جماعة الإخوان المسلمين كظلٍّ يتوارى خلف المشهد.. حاضرةٌ في الخطاب، غائبةٌ في الفعل. الميدان تجاوزها، والشارع لم يعد يرى فيها سوى صدىً باهتاً لماض مُؤدلج.

تبدو جماعة الإخوان المسلمين في سوريا اليوم عالقة بين ماض مُثقل بالعنف، وحاضر لا يمنحها فرصة للعودة. فالسياق الإقليمي تغيّر، والدولة السورية الجديدة تتشكّل على قاعدة براغماتية ترفض الأيديولوجيات المغلقة.

ومع انكماش الحواضن الخارجية، وتراجع جاذبية الإسلام السياسي بعد تجربة “الربيع العربي”، لم يعد أمام الجماعة سوى خيارين صعبين: إما مراجعة فكرية تفصل النهج “الدعوي” عن “السياسي”، أو الذوبان في الهامش كمكوّن رمزي فاقد التأثير.

وبين هذين الخيارين، يبدو أن التنظيم يسير نحو حضور رمزي بطعم الغياب؛ ما يزال مادة للنقاش أكثر منه فاعلاً في الواقع. وبينما تتهيأ سوريا لإعادة هندسة دولتها، فإن مشروع الإخوان القائم على الهيمنة الأيديولوجية يواجه نهاية تاريخية هادئة — لا بفعل القمع كما في الماضي، بل بفعل تآكل الفكرة نفسها أمام تحولات المجتمع والدولة.

تحولات دراماتيكية

مع التحوّلات الدراماتيكية التي شهدتها سوريا والمنطقة بأسرها أواخر العام الماضي، عقِب انهيار نظام بشار الأسد، بعد 14 عاماً من انتفاضة شعبية تحوّلت إلى حرب أهلية مُدمّرة، تدخل البلاد اليوم مرحلة انتقالية شديدة الحساسية، تتداخل فيها رهانات الداخل بتجاذبات الإقليم، وتُفتح فيها جميع الاحتمالات حول شكل الدولة المقبلة وموقعها في خريطة الشرق الأوسط المُتحوّلة.

وفي قلب هذا المشهد المليء بالتحولات والتقاطعات، تعود إلى الواجهة تساؤلات حول موقع القوى السياسية التقليدية، وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين، التي لا تزال رغم غيابها التنظيمي أحد أكثر العناوين جدلاً في التاريخ السياسي السوري الحديث.

في خضمّ هذه المرحلة، تبرز تساؤلات جوهرية حول موقع بعض القوى السياسية التقليدية في المشهد السوري الجديد، ومنها جماعة الإخوان المسلمين. فالتاريخ التنظيمي للجماعة، وخطابها الأيديولوجي المغلق، وسلوكها العنيف في محطات عدّة، يثير مخاوف مشروعة من محاولتها توظيف انهيار النظام السابق لإحياء طموحاتها القديمة بالهيمنة على الدولة، وتحويل سوريا إلى قاعدة إقليمية لتصدير نموذجها الأصولي.

منذ تأسيسها في سوريا في أربعينيات القرن الماضي، تبنّت الجماعة مشروعاً انقلابياً ذا طابع شمولي، يقوم على احتكار التمثيل الديني والسياسي، ما جعلها على الدوام في مواجهة مع بنية الدولة الوطنية الحديثة. وقد بلغت تلك المواجهة ذروتها في الثمانينيات حين خاضت صراعاً مسلّحاً مع نظام حافظ الأسد، انتهى بمجزرة حماة 1982، التي شكّلت لحظة مفصلية أنهت وجودها العلني داخل البلاد، ورسّخت صورتها كتنظيم يقدّم العنف وسيلةً لتحقيق غاياته السياسية.

محاولة العودة بعد 2011

مع اندلاع الحراك الشعبي ضد نظام الأسد عام 2011، حاولت الجماعة استثمار المناخ الثوري لإعادة إدماج نفسها في المشهد السياسي السوري بعد ثلاثة عقود من المنفى. فعملت على تفعيل نشاطها التنظيمي من الخارج، مُعتمدة على دعم تركي مباشر، وتمويل سياسي من بعض الدوائر الإقليمية، وسعت إلى تقديم نفسها كقوة مركزية داخل المعارضة.

غير أن هذه العودة بقيت شكلية ومحدودة التأثير؛ إذ لم تنجح الجماعة في بناء قاعدة اجتماعية حقيقية داخل البلاد، وظل نفوذها مرهوناً بشبكة تحالفاتها الخارجية وقدرتها على إدارة المال السياسي داخل مؤسسات المعارضة، مثل المجلس الوطني السوري، والائتلاف الوطني. ومع مرور الوقت، تكرّس انطباع عام داخل الأوساط السورية بأن الجماعة تُمارس نوعاً من “الاستئثار المؤسسي” على حساب التنوع السياسي الذي يفترض أن يعكسه جسم المعارضة.

كما أن مُحاولاتها الترويج لمفهوم “الدولة المدنية ذات المرجعية الإسلامية” لم تُقنع كثيرين داخل المعارضة العلمانية أو في الشارع السوري، إذ اعتُبرت تلك الصيغة تلاعباً لغوياً أكثر منها مشروعاً سياسياً واضح المعالم. هذه الفكرة، بحسب مُنتقديها، تسعى إلى تمرير مرجعية دينية في قالب مدني ظاهري، بما يُتيح للجماعة إعادة “أسلمة” المجال العام وإعادة إنتاج نموذجها التقليدي بوسائل جديدة.

مدنيّة ذات مرجعية إسلامية

إن تبنّي الجماعة لشعار «الدولة المدنية ذات المرجعية الإسلامية» عُدّ، في نظر المراقبين، مُحاولة لتخفيف حدّة خطابها العقائدي وإعادة تسويق نفسها كفاعل سياسي “مُعتدل”. لكن القراءة المُتأنية لهذا الشعار تكشف أنه لم يكن أكثر من تجميل لغوي هدفه طمأنة الخارج أكثر من الداخل، والإبقاء على جوهر المشروع الإخواني القائم على جعل الدين المصدر الوحيد للتشريع والهوية، مع استبدال الوسائل القديمة بوسائل سياسية ناعمة.

لقد أثبتت تجارب الربيع العربي في مصر وتونس، التي تجمع بين المدنية والمرجعية الدينية، هشاشتها. ففي مصر، دخلت الجماعة في صدام مع مؤسسات الجيش والقضاء وانتهى حكمها عام 2013، وفي تونس لم تصمد تجربة حركة النهضة أمام ضغوط المجتمع المدني والمؤسسات. لتشكل تجارب البلدين جرس إنذار مُبكر للبيئة السورية التي تمتلك مؤسسات أكثر صلابة وتقاليد وطنية أعمق، تجعل من تكرار السيناريو الإخواني أمراً مستبعداً.

وفي هذا السياق، أصدرت الجماعة مؤخراً «وثيقة مبادئ العيش المُشترك» مُحاولةً الظهور بمظهر الفاعل الديمقراطي المُنفتح. غير أن تحليل مضمون الوثيقة يُظهر استمرار النهج الإخواني في استخدام اللغة المطمئنة لإخفاء المحتوى الإقصائي.
تزخر هذه الوثيقة بعبارات عمومية عن “الحريات” و”المواطنة”، دون أن تتضمن أي خلفية فكرية لمرجعية التشريع الديني، أو موقع المرأة والأقليات. لذا بدت أقرب إلى إعلان نوايا اتصالي هدفه تحسين الصورة، لا تغيير المضمون.

إعلان مسافة رمزية

تزامن إصدار الوثيقة مع سعي السلطة المؤقتة في دمشق إلى ترسيخ هويتها السياسية بعيداً عن أي اصطفاف أيديولوجي. ففي خطاب رسمي، أكّد الرئيس السوري أحمد الشرع أنه “ليس امتداداً لأي تنظيم إسلامي”، في ما عُدّ إعلان مسافة رمزية عن جماعة الإخوان. لاحقاً، دعا مستشاره الإعلامي أحمد موفق زيدان الجماعة — بطريقة غير مباشرة — إلى “حلّ نفسها طوعاً” والانخراط في الحياة السياسية كأفراد لا كتنظيم.

هذه المواقف، وفق مُحللين، تُعبّر عن تحوّل في أولويات السلطة الجديدة في دمشق، التي تسعى إلى كسب شرعية داخلية وخارجية في آن واحد، وتجنّب أي التباس قد يربطها بالإسلام السياسي. فهي من جهة تريد طمأنة العواصم العربية والغربية بأنها تمثّل مشروع دولة وطنية، ومن جهة أخرى تسعى إلى تجنّب فتح جبهة أيديولوجية جديدة مع الجماعة في وقت مبكر من المرحلة الانتقالية.

رغم ما يبدو من تصعيد مُتبادل، إلا أن التباعد بين الجماعة والحكومة السورية الحالية لا يبدو قطيعة نهائية بقدر ما هو تباين تكتيكي يهدف إلى إعادة توزيع الأدوار في المشهد الجديد. فكلا الطرفين ينتميان إلى خلفية فكرية ودينية متقاربة، ويُدركان أن الاستقطاب العلني لا يخدم استقرار المرحلة.

من هنا، يُرجَّح أن تكون هذه “القطيعة” نوعاً من إعادة التموضع لامتصاص الضغوط الإقليمية، خصوصاً من القاهرة والرياض وعمّان، حيث لا يزال الإسلام السياسي يُعدّ تهديداً للأمن الإقليمي. في المقابل، تراهن الجماعة على المناورة الناعمة، مُفضّلة التكيّف المرحلي على المواجهة المباشرة، على أمل العودة لاحقاً عبر بوابة المصالحة أو العمل الأهلي.

تحييد الإسلام السياسي

لا يُمكن فصل موقع الجماعة في سوريا عن السياق الإقليمي العام. فبعض الدول العربية الفاعلة اليوم، مثل مصر والأردن ومجلس التعاون الخليجي، تعتمد نهجاً يقوم على تحييد الحركات العقائدية لصالح استقرار الدولة الوطنية. وهذا ما يُفسّر تعامل هذه العواصم بحذر مع السلطة المؤقتة، خشية أن تتسلل الجماعة مُجدداً إلى مراكز القرار.

في هذا الإطار، يقول الباحث سربست جوهر، في حديثه لـ “غلوبال ووتش عربية”: “رهان الإخوان على تَصدّر المشهد بعد سقوط الأسد تبخّر، إذ فضّلت التفاهمات الدولية والإقليمية التعامل مع فاعلين ميدانيين أكثر قابلية للضبط، كهيئة تحرير الشام”. ويضيف: “أي انتعاش للتنظيم في سوريا سيضع البلاد مُجدداً في عُزلة، ويثير حساسية مصرية وخليجية معروفة تجاه الإخوان”.