لم تعد الولايات المتحدة الأمريكية، منذ مطلع القرن الحادي والعشرين، تواجه تهديداً إرهابياً تقليدياً يمكن حصره في تنظيمات خارجية عابرة للحدود، بل وجدت نفسها أمام مشهد أمني أكثر تعقيداً وتداخلاً، يجمع بين الإرهاب الدولي والإرهاب المحلي، ويتقاطع فيه التطرف الديني مع النزعات القومية واليمينية واليسارية.
أعاد التحول البنيوي في المجتمع الأمريكي صياغة مفهوم الخطر. وحوّل الإرهاب من ظاهرة خارجية إلى تهديد داخلي متعدد المصادر. ونتيجة لذلك، باتت مكافحة الإرهاب مسألة مركّبة لا يمكن فصلها عن السياقات الاجتماعية والسياسية والتكنولوجية التي تنشط ضمنها الجماعات المتطرفة داخل الولايات المتحدة الأمريكية.
11 سبتمبر.. نقطة تحوّل أمنية
شكّلت هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001، التي نفذها تنظيم القاعدة مستهدفاً مركز التجارة العالمي في نيويورك ومبنى البنتاغون، اللحظة المفصلية الأبرز في تاريخ الإرهاب المعاصر داخل الولايات المتحدة.
لم تكن هذه الهجمات مجرًد عملية إرهابية واسعة النطاق أودت بحياة نحو ثلاثة آلاف شخص، بل مثّلت صدمة استراتيجية أعادت صياغة مفهوم الأمن القومي الأمريكي. فقد دفعت واشنطن إلى إطلاق “الحرب العالمية على الإرهاب”، وتبنّي تشريعات استثنائية، وتعزيز صلاحيات أجهزة الاستخبارات، مع ما رافق ذلك من تداعيات على الحريات المدنية داخل البيئة الليبرالية الأمريكية.
تراجع التنظيمات المركزية وصعود العنف اللامركزي
على الرغم من الضربات القاسية التي تلقاها تنظيم القاعدة وبناه التنظيمية في أفغانستان وخارجها، لم يؤدِّ ذلك إلى اختفاء التهديد، بل إلى تحوّله. فقد شهدت الولايات المتحدة منذ أواخر العقد الأول من الألفية الجديدة تصاعداً في العمليات التي نفذها أفراد أو خلايا صغيرة، متأثرون أيديولوجياً بالتنظيمات الجهادية من دون ارتباط تنظيمي مباشر.
يُعد هجوم قاعدة فورت هود العسكرية العام 2009، الذي نفذه نضال حسن، مثالاً مبكراً على هذا التحوّل، حيث كشف عن خطورة التطرف الفردي المستند إلى التحريض الفكري والرقمي.
ماراثون بوسطن ونموذج “الذئاب المنفردة”
جاء تفجير ماراثون بوسطن العام 2013 ليؤكد هذا المسار الجديد، إذ استخدم شقيقان متطرفان وسائل بدائية نسبياً في تنفيذ الهجوم.، ما أدى إلى مقتل ثلاثة أشخاص وإصابة المئات. مثّلت هذه العملية نموذجاً واضحاً لما يُعرف بـ”الذئاب المنفردة” أو الخلايا العائلية الصغيرة، التي يصعب على الأجهزة الأمنية رصدها مسبقاً، لغياب المؤشرات التنظيمية التقليدية المرتبطة بالإرهاب الكلاسيكي.
داعش والاستقطاب الرقمي العابر للحدود
مع صعود تنظيم “داعش” بين العامين 2014 و2017، دخل الإرهاب في الولايات المتحدة مرحلة جديدة من التعبئة الرقمية. فقد اعتمد التنظيم على وسائل التواصل الاجتماعي ومنصات الفيديو والرسائل المشفرة لبناء خطاب عاطفي موجّه إلى الأفراد داخل الدول الغربية، مستفيداً من قضايا الهوية والاغتراب والسياسة الخارجية الأمريكية.
وقد تُرجمت هذه الاستراتيجية إلى هجمات دامية، أبرزها إطلاق النار في ملهى “بالس” الليلي في أورلاندو 2016، عن طريق شخص بايع التنظيم أيديولوجيا، ما أسفر عن مقتل 49 شخصاً، ليصبح أحد أعنف الهجمات الإرهابية في تاريخ الولايات المتحدة بعد 11 سبتمبر.
العنف الجماعي وحدود تعريف الإرهاب
في المقابل، شهدت الولايات المتحدة أعمال عنف جماعي واسعة النطاق لا تنتمي بالضرورة إلى أطر أيديولوجية واضحة، ومثال ذلك العام 2017، عندما أطلق شخص النار من غرفته الفندقية في لاس فيغاس على عشرات الأشخاص، وأوقعهم بين قتيل وجريح.
وعلى الرغم من عدم ثبوت دافع إرهابي منظم، فإن هذا الحدث فتح نقاشاً واسعاً داخل الأوساط السياسية والأمنية الأمريكية حول حدود تعريف الإرهاب، والتداخل بين التطرف، والعنف المسلح، والهشاشة النفسية، في مجتمع يتميز بانتشار واسع للسلاح.
العمليات العالمية وتأثيرها على الأمن الأمريكي
على الرغم من أن تفجيرات ماريوت في جاكرتا العام 2002، وتفجيرات مدريد 2004، وتفجيرات قطارات لندن 2005 لم تقع داخل الولايات المتحدة، فإنها شكّلت جزءاً أساسياً من السياق العالمي الذي أعاد تعريف التهديد الإرهابي.
هذه العمليات، المرتبطة بشبكات القاعدة أو المتأثرين بها، عززت الإدراك الأمريكي بأن الإرهاب ظاهرة عابرة للحدود، وأن الأمن الداخلي الأمريكي بات مرتبطاً بشكل وثيق بالتطورات الدولية والتحالفات الأمنية العالمية.
لعبت التكنولوجيا الرقمية دوراً حاسماً في تعزيز قدرة الحركات الإسلامية الأصولية على الانتشار داخل الولايات المتحدة. فالخوارزميات، ومنصات المحتوى المغلق، والذكاء الاصطناعي، أتاحت توجيه رسائل متطرفة مصممة خصيصاً لفئات بعينها، ما يزيد من احتمالية تحوّل الأفراد إلى التطرّف الأيديولوجي. هذا الواقع فرض تحديات جديدة على أجهزة الاستخبارات، التي باتت تواجه تهديدات غير مرئية تنمو داخل الفضاء الرقمي قبل أن تتحول إلى عنف مادي.
تهديدات مستجدة.. الكارتلات والإرهاب اليميني
في السنوات الأخيرة، برزت تهديدات جديدة أعادت توسيع مفهوم الإرهاب في النقاش الأمريكي. فقد تصاعدت الدعوات إلى تصنيف بعض كارتلات المخدرات المكسيكية، مثل “خاليسكو الجيل الجديد” (CJNG)، كمنظمات إرهابية، خصوصاً بعد مقتل مواطنين أمريكيين في عمليات مرتبطة بها. وعلى الرغم من الطابع الإجرامي الأساسي لهذه الكارتلات، فإن مستوى العنف المنظم الذي تمارسه، وقدرتها على تهديد الأمن القومي، جعلاها جزءاً من معادلة التهديدات غير التقليدية.
بالتوازي، يشكّل الإرهاب اليميني المتطرف تهديداً داخلياً متزايداً، إذ تشير تقارير أمنية إلى ارتفاع عدد الهجمات التي ينفذها أفراد متأثرون بأيديولوجيات تفوق العرق الأبيض والقومية المتطرفة، ما يضع الإرهاب الإسلاموي الأصولي ضمن مشهد أوسع من العنف الأيديولوجي الداخلي.
تحوّل جذري في طبيعة التهديد
تكشف أبرز العمليات الإرهابية منذ العام 2000 عن تحوّل عميق في طبيعة التهديد الذي تواجهه الولايات المتحدة: من هجمات كبرى منظمة عابرة للحدود، إلى عنف لامركزي متنوع المصادر، يشمل ذئاباً منفردة، وخلايا صغيرة، وتهديدات غير تقليدية.
وفي هذا السياق، تظل الحركات الإسلامية المتطرفة عنصراً فاعلاً في معادلة الإرهاب المحلي، ليس بسبب قوتها التنظيمية، بل لقدرتها على التكيّف مع البيئة الليبرالية المفتوحة، واستغلال التكنولوجيا، والانقسامات الاجتماعية، والتطورات الجيوسياسية، ما يجعل مكافحة الإرهاب تحدياً طويل الأمد يتطلب مقاربة شاملة تتجاوز الحلول الأمنية التقليدية.















