بقلم محمد الكرمي
بقلم محمد الكرمي

مقالات مشابهة

حقوق وحريات

الأرجنتين توسّع أمنها الخوارزمي.. حين تسبق أدوات المراقبة قواعد الرقابة

بقلم محمد الكرمي
بقلم محمد الكرمي

لم تعد مراقبة المواطن تحتاج بالضرورة إلى ضابط يتتبع شخصاً بعينه أو أمراً بفتح ملف أمني باسمه. ففي نموذج أمني آخذ في التوسع عالمياً، تستطيع البرمجيات جمع منشورات عامة وربطها بقواعد بيانات أخرى، وتحليل العلاقات بين الأشخاص، فيما تتولى الكاميرات والخوارزميات والطائرات المسيّرة إنتاج طبقة ثانية من المعلومات عن الحركة والهوية والسلوك.

هذه هي القضية التي يفتحها تقرير جديد لمنظمة العفو الدولية عن الأرجنتين: ليس إثبات أن حكومة خافيير ميلي تستخدم الذكاء الاصطناعي لملاحقة كل معارض، وهو استنتاج لا توفر الأدلة الحالية أساساً كافياً له، بل السؤال عما يحدث عندما تكتسب الدولة قدرة تقنية على المراقبة أسرع من تطور الضوابط التي تحدد من يراقب، ولماذا، ووفق أي معيار، ومن يراجع الخوارزمية بعد ذلك.

وثّقت المنظمة أنه بين العامين 2024 و2025، اشترت وزارة الأمن الأرجنتينية تقنيات مراقبة بأكثر من 1.2 مليون دولار، شملت منصة للتحقيق في المصادر المفتوحة، وبرمجية للتعرف على الوجوه، وطائرات مسيّرة ومحطات تشغيل أرضية، إلى جانب خدمة معلومات مالية وتجارية. واستند التقرير إلى وثائق مشتريات رسمية وطلبات للحصول على المعلومات ومقابلات مع 21 صحافياً وناشطاً ومتقاعداً وشاباً ومدافعاً عن حقوق الإنسان.

من المراقبة إلى توقع الجريمة

البنية القانونية سبقت جانباً من المشتريات. في يوليو/تموز 2024، أنشأت وزارة الأمن وحدة الذكاء الاصطناعي المطبق على الأمن، ومنحتها قائمة واسعة من الوظائف: مراقبة المصادر المفتوحة ومواقع الإنترنت، تحليل صور كاميرات المراقبة في الوقت الحقيقي، استخدام التعرف على الوجوه لتحديد المطلوبين، تحليل بيانات الجرائم السابقة بخوارزميات التعلم الآلي، تشغيل الطائرات المسيّرة، ومعالجة كميات كبيرة من البيانات لبناء ملفات للمشتبه بهم وربط القضايا المختلفة.

وبعد عام، منح مرسوم إصلاح الشرطة الفيدرالية قواتها صلاحية تنفيذ أعمال وقائية في “الفضاءات العامة الرقمية”، ومنها شبكات التواصل والمواقع والمصادر المفتوحة، من دون اشتراط إذن قضائي مسبق لهذه المهام. كما أتاح الوصول المبرر إلى قواعد بيانات عامة وطلب الوصول إلى قواعد خاصة، مع إخضاع ذلك لقواعد حماية البيانات.

لكن النصوص نفسها تتضمن قيوداً أيضاً. فبروتوكول “الدوريات السيبرانية” يحظر جمع معلومات عن شخص لمجرد رأيه السياسي أو دينه أو عرقه أو حياته الخاصة، وينص على ألا تتعارض المراقبة الرقمية مع حرية التعبير، وأن تخضع أدوات الذكاء الاصطناعي لإشراف وزارة الأمن. كما يكرر إصلاح نظام الاستخبارات حظر إنتاج معلومات استخباراتية عن الأشخاص لمجرد نشاطهم السياسي أو الاجتماعي المشروع.

وهنا تحديداً تظهر المشكلة الأكثر تعقيداً: وجود قاعدة تمنع إساءة الاستخدام لا يجيب تلقائياً عن كيفية التحقق من الالتزام بها.

المشكلة في الربط  

بالنظر إلى كل عملية شراء منفصلة، تبدو الوظائف مألوفة في عمل أجهزة الأمن الحديثة. فقد اشترت الوزارة 69 طائرة مسيّرة لاستخدامها في مكافحة الجريمة المنظمة ومراقبة الحدود والتحقيقات والإنقاذ. وتضم الأجهزة كاميرات حرارية وقدرات تقريب دقيقة ونقل الصور في الوقت الحقيقي.

واشترت أيضاً ترخيصاً لمنصة Maltego بنحو 239 ألف دولار. وتوضح المواصفات التي حللها تقرير منظمة العفو أن المطلوب كان منصة تستطيع جمع وربط وتصوير بيانات من أكثر من مئة مصدر، تشمل شبكات التواصل والويب المظلم وبيانات الاتصال والعملات الرقمية، مع تحليل العلاقات وبناء الملفات والمراقبة المدعومة بالذكاء الاصطناعي.

كما تضمنت المشتريات ترخيصاً بقيمة 33.5 ألف دولار لبرمجية التعرف على الوجوه Clearview AI. لكن هذه النقطة تحتاج قيداً أساسياً: منظمة العفو نفسها تقول إنها لا تملك دليلاً يحدد كيف أو في أي إطار تستخدم السلطات المحلية هذه الرخصة. فيما تؤكد الوزارة أن التعرف على الوجوه الذي تستخدمه الشرطة يعمل بأثر رجعي داخل تحقيقات قضائية قائمة، وليس منظومة حية تراقب الشوارع باستمرار، وأن نتيجة البرمجية مجرد عنصر يستعين به الخبير وليست أساساً آلياً للاعتقال.

لذلك فإن مصدر القلق الأكبر ليس إثبات إساءة استخدام كل تقنية على حدة، بل قابلية دمج الأدوات: منصة تجمع البيانات الرقمية، وقواعد بيانات حكومية، وبرمجيات تحدد الوجوه، وطائرات وكاميرات تنتج صوراً، ثم مؤسسات تستطيع تبادل المعلومات وتحليلها بسرعة لم تكن متاحة سابقاً.

عندما تصبح المراقبة مرئية

تزداد أهمية هذا السؤال في الشارع، فالحكومة قدمت الطائرات المسيّرة باعتبارها أداة للأمن والتحقيق ومكافحة الجريمة. لكن تقرير العفو وثق استخدام طائرات من الطرز التي اشترتها السلطات خلال احتجاج أمام الكونغرس في مارس/آذار 2025، كما استند إلى تسجيل رسمي للشرطة الفيدرالية يشرح استخدامها خلال المظاهرات، وتوفير الصور لمراكز القيادة ومعالجتها لاحقاً.

وهنا لا يلزم أن تثبت الدولة هوية كل متظاهر لكي تنتج المراقبة أثراً سياسياً.

إن المقابلات الـ21 التي أجرتها المنظمة في بوينس آيرس أظهرت أن بعض المشاركين أصبحوا أكثر حذراً في شبكات التواصل أو قللوا مشاركتهم في الاحتجاجات أو غيروا طرق التواصل والتخطيط خوفاً من التعرف عليهم. هذه عيّنة نوعية صغيرة ولا تثبت انتشار السلوك بين الأرجنتينيين عموماً، لكنها توضح الآلية التي يسميها الباحثون “الأثر المثبط”، أي إدراك الفرد أنه قابل للرصد قد يغير سلوكه حتى من دون أن يعرف إن كان مستهدفاً بالفعل.

الرقابة موجودة.. لكن هل توازي القدرة التقنية؟

لن يكون دقيقاً القول إن الأرجنتين تعمل في فراغ قانوني كامل. هناك قانون لحماية البيانات، وقيود منصوص عليها على نشاط الشرطة والاستخبارات، ورقابة قضائية في مجالات محددة، ولجنة برلمانية مختصة بأجهزة الاستخبارات. كما ينص إصلاح 2025 على تقديم تقرير سنوي عن أنشطة الاستخبارات إلى اللجنة الثنائية في الكونغرس.

لكن ما لا يظهر بالوضوح نفسه هو وجود تدقيق مستقل ومنتظم لكل نظام خوارزمي عالي الخطورة، أو تقييم معلن لأثره على الخصوصية والتمييز، أو كشف كافٍ عن البيانات التي يدخل إليها ومن يستطيع ربطها ومدة الاحتفاظ بها ونسب الخطأ وآلية اعتراض المواطن على نتائجه.

وتقول منظمة العفو إن إجابات السلطات على طلبات المعلومات كانت جزئية في عدد من الملفات، وإن أسئلة عن مراقبة الشبكات لم يُجب عنها بدعوى سرية أنشطة الاستخبارات. كما خاطبت المنظمة الحكومة الوطنية وحكومة بوينس آيرس قبل نشر تقريرها لطلب الرد ولم تتلق جواباً حتى موعد النشر.

وهذه ليست مشكلة نظرية في الأرجنتين، ففي 2022، أوقف القضاء في بوينس آيرس نظاماً سابقاً للتعرف على وجوه المطلوبين بعد اكتشاف مخالفات في التعامل مع البيانات البيومترية، في تجربة أظهرت أن التقنية تستطيع تجاوز الغرض المعلن عنها عندما تكون آليات التدقيق أضعف من قدرتها على جمع المعلومات.

لهذا فإن البُعد الذي يطرحه النموذج الأرجنتيني يتجاوز ميلي نفسه. فالديمقراطية لا تتحول إلى دولة استبدادية لمجرد شرائها طائرة مسيّرة أو خوارزمية، كما أن الاستخدام الأمني للذكاء الاصطناعي ليس في ذاته دليلاً على القمع. الخطر يبدأ عندما تصبح قدرة الدولة على معرفة المواطن أكبر بكثير من قدرة المواطن والمؤسسات الرقابية على معرفة ما تفعله الدولة بهذه المعرفة.