بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

مقالات مشابهة

تهديدات أمنية

استراتيجية واشنطن الجديدة.. إغفال الإرهاب الإيراني وتراجع دعم الحلفاء يمهدان لعودة خلايا “داعش” المتجددة

بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

يكشف التحول الأخير في استراتيجية واشنطن لمكافحة الإرهاب عن إعادة ترتيب حذرة وعميقة للأولويات الأمنية الأمريكية، حيث نقلت الإدارة الحالية ثقلها الاستراتيجي تدريجاً بعيداً عن الشرق الأوسط باتجاه نصف الكرة الغربي، في إطار تركيز متزايد على مكافحة كارتلات المخدرات، واحتواء تصاعد أنماط التطرف السياسي الداخلي، سواء من اليمين أو اليسار.

على الرغم من الطابع “الواقعي” الذي يميّز هذه المقاربة، كما كان جليّاً في التوجهات الجديدة للإدارة الأمريكية، إلا أن تداعياتها تتجاوز حدود إعادة توزيع الموارد، لتعيد رسم خريطة التوازنات الأمنية الدولية، وتثير في الوقت ذاته قلقاً متزايداً لدى عدد من الشركاء التقليديين في الشرق الأوسط، بالتوازي مع تقليص ملحوظ في برامج دعم بناء القدرات الأمنية للدول الحليفة، وتراجع أدوات الاحتواء التي شكلت لعقود ركيزة أساسية في الاستراتيجية الأمريكية الإقليمية.

يأتي هذا التحول في لحظة إقليمية تتسم بدرجة عالية من التشعّب، حيث تتقاطع ملفات أمنية عدة مفتوحة في آن واحد، من استمرار التوتر المرتبط بإيران وشبكات نفوذها الإقليمي، إلى عودة النشاط التدريجي لخلايا تنظيم “داعش” الإرهابي في بعض المناطق الهشة، مروراً بتصاعد المخاطر المرتبطة بضعف التنسيق الأمني متعدد الأطراف. هذا التداخل بين المسارات يجعل أي إعادة تموضع كبرى لقوة خارجية فاعلة مثل الولايات المتحدة عاملاً مضاعفاً لحالة عدم اليقين الإقليمي، ويزيد من احتمالات تشكل فراغات أمنية يصعب احتواؤها بسرعة.

تقليص الدعم يعزز التهديد

يؤدي التراجع الملحوظ في التمويل الأمريكي المخصص لبناء قدرات الشركاء المحليين إلى إضعاف أحد الأعمدة الجوهرية في منظومة مكافحة الإرهاب في الشرق الأوسط، والمتمثل في نموذج “الأمن بالشراكة”. فهذه المقاربة، التي اعتمدت عليها واشنطن منذ سنوات طويلة، تقوم على دعم الأجهزة المحلية بالتدريب، والتجهيز، والاستخبارات، بما يسمح لها بإدارة التهديدات ضمن نطاقها الجغرافي قبل تفاقمها.

غير أن تقليص هذه البرامج، سواء من حيث التمويل أو مستوى الانخراط العملياتي، ينعكس مباشرة على قدرة الدول الشريكة على رصد التحركات المبكرة للجماعات المسلحة، ويحدّ من فاعلية الاستجابة السريعة في مناطق الأطراف والحدود. ومع تراجع هذا الدعم، تتسع الفجوة بين حجم التهديدات وقدرة الاستجابة لها، خصوصاً في البيئات التي تعاني أصلاً من هشاشة مؤسساتية أو ضغط اقتصادي متزايد.

وتعود خلايا “داعش” إلى تنشيط وجودها في مناطق مثل البادية السورية وبعض الجيوب الريفية في العراق، مستفيدة من طبيعة الأرض المفتوحة وصعوبة السيطرة المستمرة. 

وتعتمد هذه الخلايا على نمط عملياتي منخفض التكلفة لكنه عالي الفعالية، يقوم على الهجمات الخاطفة، وزرع العبوات، واستهداف نقاط الضعف في خطوط الإمداد. ومع تراجع الضغط الأمني المنسق، تتزايد قدرة هذه التنظيمات على إعادة بناء شبكاتها المحلية بشكل تدريجي، من دون الحاجة إلى سيطرة إقليمية واسعة كما كان في السابق.

إغفال الوكلاء يذكّي الصراع

يتزامن هذا التحول مع إعادة تموضع واضحة في مقاربة الولايات المتحدة لملف إيران، حيث يتراجع التركيز على شبكات الوكلاء الإقليميين لصالح ملفات أكثر ارتباطاً بالردع الاستراتيجي التقليدي، مثل البرنامج النووي والصواريخ الباليستية. غير أن هذا التوجه الضيق لا يعكس بالضرورة الطبيعة الفعلية للتهديد، الذي يعتمد بشكل أساسي على شبكة ممتدة من الفاعلين غير الحكوميين، تعمل في بيئات متعددة عبر الشرق الأوسط.

تمتلك هذه الشبكات، التي تتفاوت في قدراتها بين ساحات مختلفة، مرونة عالية في التحرك والتكيّف مع الضغوط، وتستفيد من الفراغات السياسية والأمنية لتوسيع نفوذها. ومع غياب مقاربة شاملة تجمع بين الردع العسكري والدبلوماسي والأمني، تصبح الفواعل أكثر قدرة على ترسيخ وجودها الميداني، وفرض وقائع جديدة على الأرض، خصوصاً في المناطق التي تعاني من هشاشة مؤسسات الدولة.

كما أن تراجع أدوات التنسيق الدولي، سواء عبر المنصات متعددة الأطراف أو عبر التحالفات التقليدية، يحدّ من القدرة على فرض تكلفة سياسية وأمنية على هذه الشبكات، ما يسهم في تعزيز قدرتها على المناورة والاستمرارية. وفي ظل هذا الواقع، تصبح بعض الممرات الاستراتيجية، سواء البحرية أو البرية، أكثر عرضة للتوترات غير المباشرة التي قد تتصاعد بشكل مفاجئ.

الفراغ الأمني يغري المتطرفين

تُحدث إعادة ترتيب الأولويات الأمريكية حالة من “الهشاشة الأمنية” في عدد من مناطق الشرق الأوسط، حيث يؤدي تراجع الحضور الخارجي المنسّق إلى نشوء فراغات نسبية في الردع والمراقبة. هذا الفراغ لا يعني بالضرورة انهياراً أمنياً مباشراً، لكنه يفتح المجال أمام إعادة تشكل التهديدات وفق معادلات جديدة.

لطالما استفادت تنظيمات مثل “داعش” من مثل هذه البيئات، حيث تتقاطع هشاشة الدولة مع ضعف التنمية وتراجع الرقابة الحدودية وغياب الاستقرار الاجتماعي. ومع انخفاض حجم البرامج الدولية المخصصة لإعادة الاستقرار ومكافحة التطرف، تتراجع أيضاً الجهود الوقائية التي تستهدف البيئة الحاضنة للفكر المتشدد.

ويمنح ضعف الخطاب الإعلامي المضاد في الفضاء الرقمي هذه التنظيمات مساحة أكبر لإعادة إنتاج سردياتها، مستفيدة من سرعة الانتشار الرقمي ومن الفجوات في المحتوى الوقائي. وبمرور الوقت، تتشكل بيئة معرفية موازية تساعد على إعادة تجنيد عناصر جديدة، خصوصاً من الفئات الهشة اجتماعياً واقتصادياً.

كلفة باهظة

تكشف القراءة المتأنية أن إعادة توجيه الأولويات الأمريكية نحو الداخل قد تحمل في طياتها تكلفة استراتيجية بعيدة المدى. فيما تؤكد التجارب السابقة في مكافحة الإرهاب أن التهديدات لا تبقى محصورة في مناطق نشأتها، بل تمتد تدريجياً إلى بيئات أخرى عبر شبكات مترابطة وعابرة للحدود.

ومع تزايد الترابط بين مسارح الصراع، يصبح أي فراغ أمني في منطقة حيوية مثل الشرق الأوسط قابلاً للتحول إلى مصدر تهديد عالمي. بالتالي، فإن تقليص أدوات الوقاية المبكرة لا يؤدي فقط إلى إعادة توزيع المخاطر، بل إلى تأجيلها في شكل أكثر تعقيداً وأعلى كلفة عند انفجارها.

لا يقتصر التحول الحالي على إعادة ترتيب الأولويات، بل يعيد أيضاً تعريف طبيعة العلاقة بين الداخل الأمريكي والمحيط الدولي، ما يجعل إدارة التهديدات أكثر تعقيداً واعتماداً على التوازنات المتغيّرة في بيئة دولية شديدة الهشاشة أمنياً.