متون التكوين

إبليس: الورم الذي يفترس فينا الروح

بقلم إبراهيم الكوني
بقلم إبراهيم الكوني

في الموقف من الملعون، المدعو في خطابنا الدينيّ بإسم «الشيطان»، نحن رهينة قناعة مسبقة تقول أن هذا المارد يسكن واقعاً، يقع في بُعدٍ مّا خارجنا، يترصّد ما نروّضه في أنفسنا من خطايا، كي يستدرجنا لاقترافها، حتّى إذا أفلح، هلّل ملوّحاً برايات الغلبة!

لكن اللغة، في طور المهد، تسخر من هذه العقلية، وتحاججنا قائلةً أن قدرة هذا الداهية على إغوائنا بارتكاب الآثام في حقّ أنفسنا، وفي حقّ الأغيار، بل والتجديف في حقّ معبودنا، كامنة فينا، بل وتسري في طينتنا، كما تسري الدماء في عروقنا، أي أنه يقيم في باطننا، حيث تسكن نفوسنا، المأمورة بالسّوء بسليقتها، بوحيٍ من مدمن السوء، الذي يرابط هناك، متنكّراً في مسوح المسخ، الذي يلعب دور الملقّن من وراء خشبة المسرح، حيث تُحبَك فصول المهزلة!

قد يبقى هذا المارد مقبلاً من خارج حدودنا في المتون المقدّسة، ولكنه لا يلبث أن يستبدل السَّرج، لينتحل هوية أخبث، عندما تغلغل فينا، ليمارس نشاطه، كخصمٍ، من هذا الموقع الحميم. وهو ما يعني أن الرَّب لم ينصّب ملك الإغواء رفيقاً لآدم، بعد اقتراف الخطيئة، ولكنه استزرعه فيه استزراعاً، ليسكنه قريناً. هذا التدخّل الجراحي هو ما ترجمه الإسم الآخر لملك الإثم، وهو: «إبليس»، المستعار من لغة أخرى، أقدم عهداً، الحامل لثروة فلسفية ودينية ووجودية، بل وأخلاقية، هي: «الغضب»!

ما هو «الغضب»؟ أليس هبّة مزدوجة المفعول، وتصريحٌ باحتجاج، مجبول بفورة انفعال؟ أليس هو تلك القوّة الباطنية التي تسري في الشرايين كالورم الخبيث، في نيّة لتدمير خصم، أو للإطاحة بوضع، فلا ننتدبها من خارج، ولكنها تطفو فينا من أعماق هي النفس، كمستودع سوء، أو كترجمان لكلمة باطل، حتّى لو أُريدَ لها أن تكون حجّة حقّ؟

ففي موسوعة «لسان العرب» لإبن منظور الافريقي المصري الأمازيغي، قاضي طرابلس الغرب، يرد الآتي: «إبليس يعني يئس، أو ندم، منها سُمّي إبليس، في الأصل إسمه عزازيل، وفي التنزيل العزيز: (يومئذٍ يبلس المجرمون)، وإبليس مشتقاً منه، لأنه أبلس من رحمة الله، يعني يئس»، ثم يُدلي العلّامة باعترافٍ صريح يقول: (نقلاً عن إبن إسحاق، «أبلسَ لم تُصرّف، لأنه أعجمي معرفةً»). الإعتراف بحقيقة هذه المفردة كأعجمية يحيلنا إلى لغة المهد رأساً، فلا يكتفي، ولكن صفة «معرفةً»، إنّما تعني أن الكلمة أعجمية في المفهوم، في إشارة موحية بحقيقتها الأمازيغية، كمبدعة مفاهيم، والمفهوم هنا هو نعت «إبليس» بهويّته كـ«غضب» يهيمن فينا عميقاً، اعتنقه الشيطان مِعقلاً كبركان عنف، حتّى إذا أفلت من عقالٍ هو العقل، أفسد كل شيء، عملاً برسالته في إسم «شيطان»، المنبثق من اللسان الأمازيغي، المزري، المصري، الليبي القديم، في كلمة «شظ» الدالّة على «الشرّ»، لتتحوّل في علم المصريات «شث»، الذي قتل شقيقه أوزوريس، استعارةً لسيرة قابيل وهابيل التوراتية، فلا يكتفي، ولكن وصمة القتل تنسحب على رموز الشرور، المصاحبة لحملة التكوين، فالمرأة أيضاً «ست»، لأنها شاركت بإغواء رجلها في السقطة، أو «تشوت»، التي تعني اللعنة، لأن الربّ نطق بحكم الإقصاء من الفردوس، ثم في «تشوت» أو «تخوت»، التي هي أحيَل الحيوانات البريّة: «الحيّة» التي تُخفي «إبليس» في جرمها، ثمّ «إيشيظ»، الحيوان المنكر «الحمار»، ثمّ «إيشَظ» (الليل)، الدالّ على الظلمات، ثمّ «أشوظ»، أو «أهوض»، الدالّ على رياح الجنوب الصحراوية، التي لعبت دور البطولة في تجفيف مياه القارّة، وتحويلها صحراء كبرى؛ وهي خزنة تتصرّف في تسويق دلالة سلبية، كان لها دور في صنع التكوين، مع إبدالٍ بين الحروف في كلّ كلمة من باب التمويه، أو بالأصح، للإيماء بوحدة الصفقة الغيبيّة، التي لعبت دور البطولة في تلفيق طينة الوجود.

ولكن الملحمة لم تتوقّف عند هذه التخوم، بل تجود بالمزيد عندما تستنطق منطق ألسنة الأمم اللاتينيّة واليونانية، التي أضافت صيغة أخرى لمبدأ «إبليس»، مترجماً في حقيقته كـ«قِران»، أو «إزدواج»، المعبّر عنه في مفردة Devel، أو Diavolo، استعارةً من لغة التكوين الصحراوية السارية في مفردة «يدّيو»، أي Dualism في منطوق الـ Duell، الدالّة على التثنية، في مفهومها الدينيّ، بوصفها شِرْكٌ بالأحدية، انطلاقاً من الشراكة، وممارسةٌ لإثم، حيث تعتمد الأمازيغة، المزريّة (المصرية)، مبدأ المعيّة، في «يديو»، استعارةً من الازدواجية، الكامنة في «الأبلسة» البدْئيّة، المهيمن في روح العاصفة الغضبية، في مقابل العاطفة الحميميّة، المدعوّة في منطقنا الأخلاقي «حُبّاً»، مما سيعني أن المعبود أسكننا عدوّنا في صميم الوجدان، ليغدو مرجعاً يسري في الضمير، لأنه صاحب السلطة على الشطر الأنبل فينا، يحاجج بامتلاك النصيب عن استحقاق، بموجب العقد البدْئيّ، الذي نصّب الشرّ قريناً حميماً لطرفٍ أضعف في الدفاع عن النفس، هو الخير، لأن الوصاية على هذه النفس من صلاحيات «إبليس» بالفطرة الأولى، وليس لنا إلّا أن نعي الدرس الذي يقول أن «الشيطان»، كعدوّ، هو ضربٌ من أبلسة، جنسٌ من غضبة عاتية، مستنزلة فينا، كي تسكننا، لتكون في وجودنا التحدّي الأقوى سطوةً، وليس لنا إلّا أن نحترس في ترويضها كمعيّة، كقرين، الإزدواج فيه هو قدَر، ما دام يسري فينا، ولا يقبل على رحابنا انتداباً من خارجنا! وسلاحنا، في هذه المبارزة، هو الإيمان، هو التقوى، لأنها الرهان الذي خسره اللئيم، يوم الحسم الرهيب، «عندما كانت الأرض خربةً، وعلى وجه الغمر ظلمة، وروح الربّ يرفّ على وجه المياه!» (التكوين).

فالاستسلام لمشيئة السّعار الغضبي، ليس مجرّد أبلسة، ليس مجرد انتكاسة وجودية، ولكنه، في عُرف العافية، كارثة صحيّة أيضاً!

إنه الورم الذي يسكننا، ليفترس فينا الروح!