في منعطف خطير يُنذر بإعادة رسم خرائط التحالفات والصراع في شرق إفريقيا، بلغت أزمة “سد النهضة” الإثيوبي ذروة التوتر الدبلوماسي، بإعلان القاهرة رسمياً وصول المفاوضات إلى “طريق مسدود”، مُلوحة بحقها في “الدفاع الشرعي” عن أمنها المائي. يأتي هذا التصعيد عقب سلسلة من البيانات المتبادلة والاتهامات المباشرة بين البلدين، تزامنت مع تقارير عن أضرار بيئية في السودان ونقص في الإيراد المائي لمصر.
أكد وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، في تصريحات حادة نقلتها وسائل إعلام عربية مؤخراً، أن سد النهضة بات يمثل “هيكلاً غير قانوني نتاج إجراء أحادي ينسف قواعد القانون الدولي”. مشدداً على أن “13 عاماً من المفاوضات استُغلت من قبل أديس أبابا لفرض سياسة الأمر الواقع”، مُحذراً في الوقت نفسه من أن “الكلام المعسول والتعهدات الشفوية لم تعد مقبولة” في ظل تهديدات وجودية تمس حياة أكثر من 100 مليون مصري.
واستخدمت القاهرة لغة قانونية صارمة، حيث أشار عبد العاطي إلى أن مصر “تحتفظ بحقها الكامل في الدفاع الشرعي عن مصالحها الوجودية وفق ميثاق الأمم المتحدة”، في تلميح واضح بأن كافة الخيارات باتت مطروحة على الطاولة.
أديس أبابا: “لا وصاية على مواردنا”
في المقابل، جاء الرد الإثيوبي عبر بيان شديد اللهجة لوزارة الخارجية صدر مطلع ديسمبر، اتهمت فيه القاهرة بتبنّي “عقلية استعمارية قديمة” تسعى لاحتكار مياه النيل. وأكدت الوزارة أن إثيوبيا “لا تحتاج لإذن من أحد لاستغلال مواردها الطبيعية”، واصفة الموقف المصري بـ”المعاند” والمعرقل لجهود التنمية.
كما فندت وزارة المياه والطاقة الإثيوبية الاتهامات المصرية بشأن “التشغيل المتهور” للسد، مدعية أنه ساهم في “منع كارثة فيضانات في السودان هذا العام”، ومطالبة القاهرة بالتخلي عما وصفته بـ”أوهام الهيمنة المائية”.
على المستوى الفني، وصف الدكتور عباس شراقي، أستاذ الموارد المائية في مصر، التصريحات الإثيوبية بالعنيفة، وبأنها تفتقر إلى الدبلوماسية، لافتاً إلى أن القاهرة التزمت باتفاقيات تاريخية راسخة لا تملك أديس أبابا حق إلغائها بإرادة منفردة.
“فرض الأمر الواقع” والأضرار الملموسة
شهد عام 2025 تحولات دراماتيكية في مسار الأزمة، حيث افتتحت إثيوبيا السد رسمياً في 9 سبتمبر بحضور قادة أفارقة، مُعلنة عن عوائد كهربائية تتجاوز مليار دولار. إلا أن هذا “الإنجاز” الإثيوبي قابله رصد مصري دقيق لأضرار ملموسة من بينها:
- اضطراب التدفقات: اتهمت مصر إثيوبيا بإجراء تصريفات غير منضبطة بلغت 780 مليون متر مكعب في سبتمبر، ما لبثت أن انخفضت بحدة إلى 50 مليون متر مكعب فقط بنهاية الشهر.
- أضرار بالسودان: أشارت تقارير إلى أن التشغيل غير المنسق تسبب في فيضانات مدمرة في ولايات سودانية، وغرق قرى مصرية، ما دفع القاهرة لفتح “مفيض توشكى” كإجراء طوارئ.
- مشاكل فنية: كشفت تقارير استخباراتية وفنية عن تعطل بعض التوربينات الإثيوبية، ما يثير شكوكاً حول كفاءة التشغيل والسلامة الإنشائية.
جذور الخلاف: صراع الإرادات والمواثيق
يعود جوهر النزاع إلى تضارب الرؤى حول الإطار القانوني لنهر النيل. فبينما تستند مصر إلى اتفاقيتي 1929 و1959 اللتين تضمنان لها “حق الفيتو” وحصة مائية تبلغ 55.5 مليار متر مكعب، ترفض إثيوبيا هذه المعاهدات وتصفها بالإرث الاستعماري. وتتركز نقاط الخلاف الحالية حول ثلاث قضايا جوهرية:
1- بروتوكول الجفاف: ترفض إثيوبيا التوقيع على بند ملزم بتمرير المياه أثناء سنوات الجفاف الممتد.
2- التشغيل والملء: تُصر مصر على فترة ملء ممتدة (10-15 عاماً)، بينما سارعت إثيوبيا لإتمامه في جدول زمني قصير.
3- القضايا القانونية: غياب دراسات الأثر البيئي المستقلة، وهو ما تعتبره منظمات دولية مثل “المجلس الأطلسي” انتهاكاً لاتفاقية الأمم المتحدة لعام 1997.
قراءة في الموقف الدولي: تحذيرات من الانفجار
تتفق مراكز الدراسات العالمية على خطورة الوضع الراهن، فقد حذر معهد دراسات الحرب (ISW) من أن النزاع يهدد استقرار شرق إفريقيا بالكامل، خاصة مع انضمام الدولتين لمنظمة “بريكس”، ما يُعقد التدخلات الدولية.
بدورها، تستبعد مجموعة الأزمات الدولية (ICG) الحل العسكري المباشر نظراً لمخاطر انهيار السد وإغراق السودان، وتدعو لبروتوكول فني يربط السد العالي بسد النهضة.
من جانبه، يرى مركز الشرق الأوسط للشؤون العالمية أن افتتاح السد في 2025 أنهى عملياً الهيمنة المصرية التاريخية، ما يستوجب وساطة خليجية (سعودية أو إماراتية) لمنع الانزلاق نحو المجهول.
اقتباسات المشهد العام
بدر عبد العاطي، وزير الخارجية المصري: “مصر تحتفظ بحقها الكامل في الدفاع الشرعي عن مصالحها الوجودية وأمنها المائي وفق ميثاق الأمم المتحدة، فالأمن المائي قضية وجودية لا تقبل التفريط”.
بيان وزارة الخارجية الإثيوبية (3 ديسمبر 2025): “إثيوبيا لا تلتزم بالحصول على إذن من أحد لاستخدام مواردها الطبيعية داخل حدودها.. وعلى القاهرة التخلي عن أوهام الهيمنة المائية”.















