بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

مقالات مشابهة

إرهاب معاصر (6-8)

آسيا في مواجهة العنف المتطرّف: تحوّلات التهديد من التنظيمات الهرمية إلى الشبكات العابرة للحدود

بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

تشهد القارة الآسيوية منذ مطلع الألفية تحوّلات عميقة في طبيعة التهديدات الأمنية المرتبطة بالعنف المتطرّف، الذي لم يعد ظاهرة محصورة في ساحات نزاع تقليدية، بل أصبح شبكة معقّدة من التهديدات المحلية والإقليمية العابرة للحدود.

يتقاطع في المشهد الآسيوي العام ضعف الدولة، النزاعات الداخلية، والانقسامات الطائفية والقومية، مع صعود حركات إسلامية أصولية استطاعت إعادة إنتاج نفسها ضمن سياقات متغيّرة، ما جعل آسيا إحدى أكثر مناطق العالم تعرّضاً لتعدّد أنماط العنف المتطرّف وتشابكاته.

تطور العنف المتطرف

شكّلت العمليات الإرهابية الكبرى منذ مطلع القرن الحادي والعشرين نقاط تحوّل حاسمة في تطوّر العنف المتطرّف في آسيا. فقد أدّت هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001، التي نفذتها شبكات مرتبطة بتنظيم القاعدة انطلاقاً من أفغانستان وباكستان، إلى إدخال المنطقة في صلب ما عُرف لاحقاً بـ«الحرب العالمية على الإرهاب».

في عام 2002، مثّلت تفجيرات جزيرة بالي في إندونيسيا صدمة إقليمية كبرى، بعد مقتل أكثر من 200 شخص، مؤكدة انتقال الإرهاب الجهادي المنظّم إلى جنوب شرق آسيا. لاحقاً، شهدت باكستان موجات عنف غير مسبوقة، شملت اغتيال رئيسة الوزراء السابقة بينظير بوتو عام 2007، وسلسلة هجمات استهدفت مدنيين ومؤسسات أمنية، وصولاً إلى الهجوم على مدرسة الجيش في بيشاور عام 2014، والذي أودى بحياة أكثر من 130 طفلاً.

أما في أفغانستان، استمر استهداف المؤسسات الحكومية والأجنبية عبر هجمات انتحارية متكررة، قبل أن يشهد المشهد تصاعداً لافتاً لهجمات تنظيم “داعش خراسان” بعد عام 2015. كما أعادت هجمات سريلانكا عام 2019، التي استهدفت كنائس وفنادق، التأكيد على استمرار التهديد الإرهابي في جنوب آسيا، حتى في الدول التي لا تعيش نزاعات مفتوحة.

أفغانستان وباكستان: مركز العنف العابر للحدود

تُعد أفغانستان وباكستان القلب التاريخي للحركات الإسلامية الأصولية في آسيا. فبعد إسقاط نظام طالبان عام 2001، أعادت الحركة تنظيم صفوفها بالاعتماد على المناطق الحدودية الوعرة، والدعم المحلي، وشبكات تمويل غير مشروعة. ومع انسحاب القوات الدولية وعودة طالبان إلى الحكم عام 2021، دخل المشهد مرحلة جديدة اتسمت بتصاعد التنافس مع تنظيم “داعش خراسان”، الذي نفّذ هجمات دامية، من بينها تفجير مطار كابل أثناء عمليات الإجلاء.

في باكستان، استغلت جماعات متطرّفة الانقسامات الطائفية والتفاوت التنموي بين الأقاليم، لتحويل البلاد إلى ساحة مفتوحة لهجمات تستهدف الأقليات والمؤسسات العسكرية، وأحياناً المصالح الغربية، ما فاقم من تعقيد البيئة الأمنية الداخلية.

جنوب شرق آسيا.. الإرهاب في بيئة متعددة الأعراق

في جنوب شرق آسيا، برزت إندونيسيا والفلبين كنموذجين لتكيّف العنف المتطرّف مع بيئات اجتماعية متنوّعة. فإلى جانب تفجيرات بالي، شهدت جاكرتا هجمات متفرّقة بين عامي 2009 و2018 نفذها متطرّفون أعلنوا ولاءهم لتنظيم داعش. أما في الفلبين، فقد شكّل حصار مدينة ماراوي عام 2017 تطوراً نوعياً، بعد سيطرة جماعات مسلّحة على المدينة لأشهر عدة، في سابقة غير معهودة إقليمياً.

تؤكد هذه الحالات قدرة الجماعات المتطرّفة على استغلال ضعف الدولة، والهشاشة المؤسسية، والتنوّع الإثني والديني، لتوسيع نفوذها وفرض حضورها العنيف.

تحوّل البنية التنظيمية: من الهرمية إلى اللامركزية

أظهرت الحركات الإسلامية الأصولية في آسيا مرونة عالية في التكيّف، عبر الانتقال من التنظيمات الهرمية التقليدية إلى شبكات لامركزية تعتمد على خلايا صغيرة أو أفراد مستقلين. هذا التحوّل مكّنها من تنفيذ هجمات متفرّقة يصعب التنبؤ بها، وزاد من تعقيد العمل الاستخباراتي.

وأصبح نمط «الهجمات الفردية المستوحاة رقمياً» أحد أبرز سمات الإرهاب المعاصر، ليس في آسيا فقط، بل أيضاً في أوروبا والولايات المتحدة، ما يعكس الطبيعة العابرة للقارات لهذا التهديد.

لعبت التكنولوجيا الرقمية دوراً محورياً في توسّع هذه الجماعات، إذ استُخدمت المنصات الإلكترونية ووسائل التواصل الاجتماعي لنشر الدعاية، وبناء السرديات المظلومية، واستقطاب الأفراد. وساعدت الخوارزميات والمنصات المغلقة على توجيه المحتوى بما يعزّز الشعور بالهوية والظلم، ويحوّل السخط الفردي إلى استعداد للعنف، من دون الحاجة إلى بنى تنظيمية تقليدية واضحة.

العوامل الاجتماعية والاقتصادية كبيئة حاضنة

تتغذّى الحركات الإسلامية الأصولية في آسيا على الفقر، والبطالة، وضعف التعليم، خصوصاً في المناطق الريفية والهامشية. وفي مثل هذه البيئات، قد يبدو الانضمام إلى الجماعة المتطرّفة وسيلة للتمكين الاجتماعي أو الاقتصادي، ما يفسّر استمرار قدرتها على التجنيد رغم الضربات الأمنية المتكرّرة. كما تستغل هذه الجماعات مشاعر التهميش والتمييز الطائفي أو القومي لتحويل المظلومية الاجتماعية إلى أداة تعبئة أيديولوجية.

في هذا السياق، أسهمت التدخلات العسكرية والسياسية الأجنبية في أفغانستان والعراق وأجزاء من آسيا في تغذية الخطاب الدعائي لهذه الحركات، وذلك عبر ربط تلك التدخلات بمعاناة السكان المحليين، واستخدامها كوسيلة لتوسيع قاعدة التعاطف وتحويل النزاعات الإقليمية إلى أدوات تعبئة عابرة للحدود.

أبرز العمليات الإرهابية منذ مطلع الألفية

  • 11 سبتمبر 2001: هجمات القاعدة من أفغانستان وباكستان على الولايات المتحدة الأمريكية.
  • تفجيرات بالي 2002: مقتل أكثر من 200 شخص في إندونيسيا.
  • اغتيال بينظير بوتو 2007 في باكستان.
  • هجمات بيشاور 2014: مقتل أكثر من 130 طفلاً.
  • حصار ماراوي 2017: سيطرة جماعات موالية لداعش على المدينة لأشهر عدة.
  • هجمات سريلانكا 2019: تفجيرات كنائس وفنادق.

تعكس هذه العمليات تنوّع أنماط التهديد بين هجمات منظّمة، وعمليات انتحارية، وأفعال عنف فردية مستوحاة من الدعاية الرقمية.

نحو مقاربة شاملة لمواجهة التهديد

تكشف التجربة الآسيوية منذ مطلع الألفية عن مشهد مركّب من العنف المتطرّف، يتسم بالمرونة والتكيّف، وبالتداخل المستمر بين المحلي والإقليمي والدولي. ومع استمرار استغلال الفجوات الأمنية والاجتماعية والتكنولوجية، تبقى آسيا ساحة مركزية لهذا التهديد، ما يستدعي نهجاً استباقياً طويل الأمد، يتجاوز المعالجة الأمنية الضيّقة ليعالج الجذور البنيوية والسياسية والاجتماعية للتطرّف.