تستغل شبكات تمويل “حماس” المساحة الرمادية بين العمل الإنساني والتحويل المالي، فتستخدم حملات الإغاثة بوابة للوصول إلى متبرعين أفراد، ثم تنقل الأموال عبر منصات التواصل والمدفوعات الإلكترونية وشبكات وسطاء موزعة بين أكثر من دولة.
تظهر هذه الآلية بوضوح في القضية التي كشفتها وزارة العدل الأمريكية أخيراً، والتي تتهم شبكة يقودها سليم الزق، من غزة، بجمع أكثر من 1.7 مليون دولار منذ يناير/كانون الثاني 2020، عبر حملات قُدمت للمتبرعين باعتبارها مساعدات إنسانية، بينما تقول النيابة إن الأموال تدفّقت إلى “حماس”.
لا تكمن أهمية القضية في حجم المبلغ وحده، بل في الطريقة التي يُفترض أن الشبكة اتبعتها لجمعه. فالمبلغ لم يُجمع عبر قناة مالية واحدة يمكن تتبعها بسهولة، وإنما من خلال حملات متكررة، ومتطوعين ووسطاء، وحسابات على منصات اجتماعية، وتحويلات صغيرة نسبياً. تقول وزارة العدل إن الشبكة امتدت إلى الولايات المتحدة وفرنسا وغزة، بما يجعل مسار الأموال موزعاً بين ساحات متعددة.
الإغاثة كواجهة مالية
ترتكز الفكرة الأساسية على استثمار الثقة التي تولدها كلمة “إغاثة”. المتبرع الذي يريد مساعدة المدنيين في غزة قد لا يتعامل مع العملية باعتبارها تمويلاً سياسياً أو أمنياً، بل باعتبارها إسهاماً إنسانياً عاجلاً. وبحسب لائحة الاتهام، استُخدمت هذه الصورة في الحملات التي روّج لها الزق عبر وسائل التواصل الاجتماعي، قبل أن تُوجّه الأموال، وفقاً لادعاء النيابة، إلى “حماس”.
تزداد خطورة هذا النموذج عندما يصبح الفاصل بين صاحب الحملة والمتلقي النهائي للأموال طويلاً بما يكفي لإخفاء العلاقة. فكلما انقسمت العملية إلى متبرع، وحساب إلكتروني، ووسيط، وتحويل، وشخص آخر داخل شبكة محلية، أصبحت عملية تتبع المال أكثر تعقيداً.
وهذا هو جوهر التحول، إذ لم تعد هنالك حاجة إلى شبكة مالية ضخمة ذات مكاتب وحسابات معروفة لجمع الأموال، شرطاً لجمع الأموال. يمكن لشبكة صغيرة أن تستفيد من عدد كبير من المتبرعين، ومن الثقة الشخصية، ومن سرعة المنصات الرقمية، ومن صعوبة التحقق من الجهة النهائية التي تستفيد من المال.
المنصات المعضلة
تكشف القضية أيضاً أن وسائل التواصل الاجتماعي لم تعد مجرد أدوات للدعاية أو التجنيد، بل يمكن أن تتحول إلى جزء من البنية المالية نفسها. وتقول لائحة الاتهام إن الشبكة استخدمت سناب شات وتليغرام وإنستغرام للترويج وجمع الأموال، مع محاولة حماية حسابات الدفع من الإغلاق عبر تجنب عبارات يمكن أن تؤدي إلى رصد التحويلات أو إثارة الشبهات بشأنها.
تكتسب هذه النقطة أهمية خاصة لأن المنصة تؤدي أكثر من وظيفة في الوقت نفسه: استقطاب المتبرع، بناء الثقة، توجيه الأموال، والتواصل مع المشاركين في العملية. وبذلك لا يعود جمع المال مرحلة منفصلة عن النشاط الدعائي، بل يصبح امتداداً له.
وتشير القضية إلى استخدام لغة مشفرة داخل هذه المنظومة. فبحسب لائحة الاتهام، تحدث الزق عن إيصال الأموال إلى “الأخضر”، وهي تسمية تقول النيابة إنها تشير إلى “حماس”، في إشارة إلى اللون الأخضر المرتبط بالحركة وشعاراتها. كما استخدمت تعبيرات مثل “الخبز” و”المخابز” في سياق الحديث عن الأموال.
لا يتعلق المغزى بالكلمات ذاتها، بل بالوظيفة التي تؤديها اللغة عندما يصبح كشف الغرض الحقيقي من التحويل خطراً على الشبكة. الترميز يفصل المعنى الحقيقي للعملية عن الشكل الذي تظهر به أمام المنصة أو المؤسسة المالية.
التمويل الصغير يغير المعادلة
يطرح هذا النموذج تحدياً مختلفاً أمام أجهزة مكافحة تمويل الإرهاب. التحويل الكبير بين حسابات مرتبطة بشكل واضح بتنظيم مسلح يترك عادة آثاراً مالية يمكن تحليلها. أما جمع مبالغ صغيرة من عدد كبير من الأفراد، ثم توزيعها عبر وسطاء وحسابات متعددة، فيخلق نمطاً مختلفاً من البصمة المالية.
لا يعني ذلك أن الأموال الصغيرة غير قابلة للرصد، بل إن قيمتها التحليلية تظهر عند ربطها ببعضها. فقد يقود حساب اجتماعي إلى حملة، وحملة تقود إلى وسيلة دفع، ووسيلة الدفع ترتبط بوسيط، والوسيط يتصل بشخص آخر في دولة مختلفة. عند هذه النقطة يصبح الرابط بين العمليات أهم من قيمة كل عملية منفردة.
يتغير السؤال من “من أرسل المال إلى من؟” إلى سؤال أكثر تعقيداً: ما المسار الذي اتبعته مجموعة من التحويلات الصغيرة حتى وصلت إلى المستفيد النهائي؟
كما أن امتداد النشاط لسنوات، وفق لائحة الاتهام، يشير إلى نموذج يتجاوز الحملة المؤقتة نحو آلية مستدامة لجمع الأموال. وهذه الاستدامة تمنح الشبكة قدرة على إعادة بناء قنواتها كلما تعرضت إحدى حلقاتها للرقابة أو الإغلاق.
فرنسا وأمريكا وغزة
تضيف الجغرافيا بعداً آخر إلى هذا النموذج. المتبرع يمكن أن يكون في الولايات المتحدة، والوسيط في فرنسا، بينما تكون الجهة التي يُتهم المال بالوصول إليها في غزة. وبين هذه المواقع تتحرك الأموال عبر حسابات ومنصات وأشخاص لا يظهر ارتباطهم ببعضهم بالضرورة من خلال عملية مالية واحدة.
تجعل هذه البنية الرقابة الوطنية أقل قدرة على رؤية الصورة الكاملة؛ إذ ترى كل دولة جزءاً من المسار، بينما لا تظهر الشبكة إلا عند جمع البيانات المالية والرقمية والأمنية عبر الحدود.
من هذا المنطلق، يصبح التعاون بين أجهزة إنفاذ القانون والجهات المالية ومنصات الدفع جزءاً من مواجهة التمويل نفسها. فالملاحقة لا تبدأ بالضرورة من الجهة التي تتلقى المال، وإنما يمكن أن تنطلق من الحساب الذي روّج للحملة، أو نمط التحويلات، أو اللغة المستخدمة، أو العلاقات بين المشاركين.
المعركة تتجه إلى البنية
تكشف القضية اتجاهاً أوسع في تمويل “حماس”: الانتقال من القنوات المالية المستقرة إلى بنى وهياكل رقمية واجتماعية أكثر مرونة، تسمح بجمع الأموال بصورة موزعة وإخفاء العلاقة بين المتبرع والمستفيد النهائي.
إذا ثبتت الاتهامات الواردة في قضية الزق، فإن النموذج الذي تكشفه لا يقوم على إخفاء المال فقط، بل على إخفاء الغرض منه منذ لحظة جمعه. هنا تتحول المعاناة الإنسانية إلى مدخل مالي، وتصبح الثقة التي يحتاجها العمل الإغاثي نفسه جزءاً من الأداة التي تستغلها الشبكة.
لا يجوز، في المقابل، تعميم القضية على التبرعات الإنسانية الموجهة إلى غزة، فهي تتعلق بأشخاص وحملات وشبكة محددة، فيما تبقى الاتهامات خاضعة للمسار القضائي ولمبدأ قرينة البراءة.















