بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

مقالات مشابهة

إسلام سياسي

البرلمان الأوروبي يدعو إلى استراتيجية لمواجهة نفوذ “الإخوان المسلمين” وسط تحديات التمويل والتغلغل المؤسسي

بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

تتجه المواجهة الأوروبية مع “جماعة الإخوان المسلمين” إلى مرحلة تتجاوز مراقبة الخطاب السياسي والأنشطة العلنية، لتطال البنية التي تتيح للتنظيم توسيع نفوذه داخل مؤسسات المجتمع، وتوظيف الجمعيات والعمل الخيري والتعليم والتمثيل الديني لبناء حضور يتجاوز حجمه التنظيمي المباشر.

انتقل هذا القلق من نطاق التقييمات الأمنية والسياسية إلى واجهة التحرك المؤسسي الأوروبي، مع تصويت البرلمان الأوروبي بأغلبية 381 صوتاً مقابل 167 لصالح دعوة المفوضية الأوروبية والدول الأعضاء إلى وضع استراتيجية لمواجهة نفوذ “الجماعة”. ولا يقتصر مغزى التصويت على تبني موقف سياسي أكثر وضوحاً، بل يضع أمام العواصم الأوروبية تحدياً عملياً يتمثل في تفكيك آليات التغلغل داخل المؤسسات، وكشف قنوات التمويل، ومواجهة توظيف العمل المدني والتمثيل الديني في بناء نفوذ أيديولوجي واجتماعي يصعب احتواؤه بالقرارات المنفردة.

تكتسب هذه المقاربة أهميتها من أن النفوذ “الإخواني” لا يتوقف عند حدود العضوية أو المواقف المعلنة، بل يمتد إلى القدرة على التأثير في البيئات الاجتماعية، وتقديم شخصيات وكيانات باعتبارها ممثلة لشرائح أوسع مما تمثله فعلياً. لذلك، لن تقاس قيمة التحرك الأوروبي بحدة التصريحات أو عدد القرارات، بل بقدرته على تحديد الروابط التنظيمية، وكشف قنوات التمويل، ومنع تحويل الحضور المدني إلى غطاء لنفوذ أيديولوجي منظم.

النفوذ يتجاوز النشاط العلني

تستفيد “جماعة الإخوان” من الفارق بين صورتها المعلنة وطبيعة مشروعها السياسي. فهي لا تحتاج دائماً إلى الظهور كتنظيم مركزي واحد حتى تحافظ على امتدادها؛ إذ يمكن أن تتوزع أنشطتها بين جمعيات ومؤسسات وشخصيات تعمل في مجالات اجتماعية ودينية وتعليمية، مع تفاوت مستويات الارتباط التنظيمي والأيديولوجي بينها.

تكمن الخطورة في إمكان تراكم النفوذ عبر هذه المساحات، بحيث تتحول الخدمات الاجتماعية أو الأنشطة الدينية إلى أدوات لبناء الولاء وتوسيع قاعدة التأثير، ثم توظيف هذا الحضور في تشكيل النقاش العام والضغط على المؤسسات وصناعة صورة تمثيلية تمنح الجماعة وزناً يتجاوز حضورها الفعلي.

لا يعني ذلك أن كل جمعية إسلامية أو مؤسسة خيرية تمثل امتداداً للإخوان، بل إن الخلط بين العمل الأهلي المشروع والنشاط التنظيمي يضعف المواجهة بدلاً من تعزيزها. المطلوب هو إثبات الروابط الفعلية، وتحديد المسؤوليات، ومراقبة مصادر التمويل وآليات اتخاذ القرار، من دون تحويل الانتماء الديني إلى معيار للاشتباه.

تفكيك قنوات التمويل

يشكل التمويل أحد المفاتيح الأساسية لفهم قدرة الجماعة على الاستمرار والتكيف. فالموارد المالية لا تقتصر على تمويل النشاط المباشر، بل تتيح الحفاظ على المؤسسات، وتوسيع البرامج، واستقطاب الكوادر، وإنتاج مواد فكرية وإعلامية، وبناء علاقات مع جهات وشخصيات مؤثرة.

تزداد صعوبة الرقابة عندما تتوزع الأموال عبر كيانات متعددة أو أنشطة ذات طابع خيري واجتماعي، بما يجعل تحديد المستفيد النهائي أمراً يحتاج إلى تدقيق يتجاوز الشكل القانوني للمؤسسة. ينبغي أن تشمل الاستراتيجية الأوروبية فحص مصادر التمويل والتحويلات المالية والحوكمة الداخلية، والتحقق من أوجه الإنفاق الفعلية، مع تطبيق المعايير نفسها على جميع الجهات التي يثبت تورطها في مخالفات.

أما الاكتفاء بمراقبة الخطاب المتشدد، فيترك البنية التي تسمح باستمراره خارج نطاق المعالجة. فالتنظيم الذي يستطيع المحافظة على موارده ومؤسساته وعلاقاته الاجتماعية يمكنه إعادة ترتيب نشاطه حتى بعد تعرض بعض واجهاته للقيود أو الحل.

احتكار التمثيل الإسلامي

يمنح ادعاء تمثيل المسلمين “الجماعة” فرصة إضافية للتأثير في المؤسسات السياسية والاجتماعية. عندما تقدم جهة مرتبطة بـ”الإخوان” نفسها بوصفها المتحدثة باسم جماعة دينية واسعة ومتنوعة، فإنها تسعى إلى اكتساب موقع تفاوضي لا يستند بالضرورة إلى تفويض حقيقي من هذه الشريحة.

تكمن المشكلة في أن قبول هذا الادعاء من دون تدقيق قد يمنح التنظيم قدرة على تحديد أولويات النقاش المتعلق بالمسلمين، والتأثير في السياسات العامة، وتهميش أصوات لا تتبنى مشروعه الأيديولوجي. كما قد يؤدي إلى اختزال المجتمعات المسلمة في تيارات سياسية منظمة، مع أن هذه المجتمعات تضم اتجاهات متعددة ومواقف متباينة من الدين والسياسة والعلاقة بالدولة.

تحتاج المؤسسات الأوروبية، في المقابل، إلى توسيع قنوات التواصل مع طيف متنوع من الشخصيات والهيئات الإسلامية، وعدم منح أي جهة احتكاراً غير مستحق للتمثيل. فمواجهة نفوذ الإخوان لا تقتصر على مراقبة التنظيم، بل تشمل أيضاً منع تحوله إلى وسيط إلزامي بين الدولة والمجتمعات المسلمة.

فرنسا وألمانيا تختبران المقاربة

تقدم فرنسا نموذجاً يعتمد على تعزيز الرقابة القانونية على الجمعيات وترسيخ مبادئ الجمهورية، ولا سيما من خلال قانون احترام مبادئ الجمهورية الصادر عام 2021. ويتيح هذا الإطار تشديد متطلبات الشفافية والمساءلة، لكنه لا يعفي السلطات من ضرورة بناء قراراتها على أدلة محددة، تفصل بين النشاط غير القانوني والممارسة الدينية المشروعة.

أما ألمانيا، فتجمع بين التعاون مع هيئات إسلامية في بعض المجالات ومراقبة جماعات تعتبرها الأجهزة المختصة ذات صلة بالتطرف أو الإسلام السياسي. وتوضح هذه المقاربة أن التعامل مع “الإخوان” لا يجري عبر أداة واحدة، بل من خلال مزيج من التقييم الأمني والرقابة القانونية وفحص العلاقات التنظيمية.

وتبقى المعضلة في البلدين مرتبطة بالفارق بين رصد المؤشرات وتحديد المسؤولية. التقديرات الأمنية قد تساعد على فهم حجم النشاط، لكنها لا تشكل وحدها حكماً قضائياً على الأفراد أو المؤسسات. لذلك، تتوقف فعالية الإجراءات على جودة الأدلة وقدرة السلطات على تحويل التقييمات إلى تدابير قانونية قابلة للتطبيق.

النمسا وهولندا وبقية أوروبا

اتخذت النمسا مساراً أكثر مباشرة في بعض جوانب المواجهة، إذ حظر قانون الرموز الصادر عام 2021 استخدام رموز “جماعة الإخوان”، ضمن قيود شملت تنظيمات أخرى. غير أن هذا الإجراء لا يعني حظر كل مؤسسة يشتبه في ارتباطها بالجماعة، ولا يغني عن إثبات المخالفات وفق الأطر القانونية المعمول بها.

أما هولندا، فركزت مقاربتها على تقييم حجم النفوذ التنظيمي والأيديولوجي، مع إقرار حكومي سابق بصعوبة التعامل مع “الإخوان” باعتبارها تنظيماً موحداً ذا عضوية واضحة، وتقدير بأن نواتها التنظيمية داخل البلاد محدودة. ويبرز ذلك تحدياً يتجاوز الحالة الهولندية: فقد يتوزع النشاط المرتبط بالتيار على كيانات وشخصيات متعددة، ما يجعل تحديد الروابط الفعلية أكثر أهمية من الاكتفاء بالمسميات.

وعلى مستوى الاتحاد الأوروبي، لا يوجد حظر موحد شامل للجماعة في جميع الدول الأعضاء، كما لم يُحسم إدراجها على القائمة الأوروبية للمنظمات الإرهابية بقرار شامل. وتعكس هذه الفوارق غياب مقاربة أوروبية واحدة، على الرغم من تنامي النقاش حول مخاطر الإسلام السياسي المنظم وشبكات نفوذه.

من التحذير إلى تفكيك البنية

لن تكون الاستراتيجية الأوروبية فعالة إذا اقتصرت على إعلان القلق من نفوذ الإخوان أو تشديد الرقابة على بعض الجمعيات. المطلوب بناء منظومة متكاملة لتتبع التمويل، وتحديد الروابط التنظيمية، ومراجعة آليات التمثيل، وتعزيز تبادل المعلومات بين الدول، ومحاسبة الجهات التي يثبت تجاوزها للقانون.

كما يتعين التمييز بين الإجراءات الرمزية التي تمنح انطباعاً بالحزم والتدابير التي تستهدف مصادر القوة الفعلية. إن حظر شعار أو إغلاق مؤسسة لا ينهي بالضرورة شبكة علاقات قادرة على إعادة تنظيم نفسها تحت مسميات أخرى، ما لم يصاحبه فهم دقيق لبنيتها ومواردها وآليات تجنيدها وتوسيع تأثيرها.

تواجه أوروبا اختباراً يتجاوز موقفها من جماعة بعينها إلى قدرتها على حماية مؤسساتها من استغلال الانفتاح المدني والسياسي لبناء نفوذ أيديولوجي منظم. المواجهة الجادة لا تستهدف المسلمين ولا العمل الأهلي، بل تمنع أي تنظيم من تحويلهما إلى أدوات للهيمنة على التمثيل أو الالتفاف على القانون. والنتيجة لن تتحدد بعدد القرارات المعلنة، بل بمدى قدرة الدول الأوروبية على تقليص المساحات التي تتيح لـ”الإخوان” إعادة إنتاج نفوذهم، مع ضمان أن تستند كل خطوة إلى أدلة واضحة وقواعد قانونية قابلة للمساءلة.