تتجه دول أوروبية متزايدة اليوم إلى إعادة النظر في المقاربات التقليدية لمكافحة التطرف، بعدما أثبتت التجارب أن التركيز الحصري على التنظيمات الإرهابية المسلحة لا يكفي لمعالجة جذور المشكلة. فالهجمات العنيفة لا تنشأ في فراغ، بل تسبقها في كثير من الأحيان مراحل طويلة من التعبئة الفكرية والاستقطاب الأيديولوجي وبناء البيئات الحاضنة.
يبرز في قلب هذا الجدل السؤال المتعلق بدور “جماعة الإخوان المسلمين” وشبكات الإسلام السياسي في تشكيل المناخ الفكري الذي يسمح بظهور أشكال أكثر تشدداً من التطرف.
في الوقت الذي بدأت فيه دول أوروبية مثل فرنسا والنمسا وألمانيا توسيع نطاق المواجهة ليشمل المنابع الفكرية والتنظيمية، لا تزال بريطانيا أسيرة مقاربة أمنية تقليدية تركز بصورة شبه كاملة على التهديدات المباشرة، فيما تتعامل بحذر شديد مع الشبكات الأيديولوجية التي تعمل تحت مظلة النشاط المدني أو المجتمعي.
التماسيح عند القارب
لطالما ارتبط التفكير الأمني البريطاني بمقاربة تركز على مواجهة التهديدات الأكثر إلحاحاً وخطورة. وقد عُبّر عن هذه الفلسفة بصورة رمزية من خلال المقولة المنسوبة إلى المدير العام الأسبق لجهاز الاستخبارات الداخلية البريطاني (MI5)، جوناثان إيفانز، والتي تدعو إلى التعامل أولاً مع “التماسيح الأقرب إلى القارب”.
على الرغم مما تبدو عليه هذه المقاربة من منطق عملي، فإنها تركز على النتائج النهائية للأزمة أكثر من تركيزها على أسبابها. فالأجهزة الأمنية تُسخّر مواردها لملاحقة الخلايا المسلحة وإحباط الهجمات الوشيكة، بينما تبقى البيئات الفكرية التي تنتج التطرف خارج دائرة الاهتمام بالقدر نفسه.
أدى هذا النهج إلى نشوء ما يشبه “الاقتصاد الزائف للأمن”، حيث يتم الاستثمار بكثافة في مواجهة التهديدات الظاهرة، مقابل إهمال العوامل الفكرية والتنظيمية التي تساهم في إنتاج تهديدات جديدة بصورة مستمرة.
المنبع “الإخواني”
تكمن الإشكالية الأساسية في أن “جماعة الإخوان المسلمين” لا تُصنف في بريطانيا تنظيماً إرهابياً، كما أن كثيراً من المؤسسات والشبكات المرتبطة بأفكار الإسلام السياسي تعمل ضمن أطر قانونية ومجتمعية معترف بها. إلا أن منتقدي “الجماعة” يرون أن التركيز على معيار العنف المباشر وحده يتجاهل التأثير الأيديولوجي طويل الأمد لهذه الشبكات.
حسب هذا الطرح، لا يكمن الخطر في العمل المسلح المباشر، بل في بناء منظومة فكرية تقوم على الفصل بين المسلمين ومجتمعاتهم الوطنية، وإعادة تعريف الهوية على أسس أيديولوجية عابرة للدولة، وتعزيز خطاب يعتبر المجتمعات الغربية فضاءات معادية أو غير منصفة للمسلمين.
إن مثل هذه الأفكار لا تؤدي تلقائياً إلى الإرهاب، لكنها تخلق بيئة خصبة للاستقطاب والانغلاق والتشدد، وتوفر الأرضية النفسية والثقافية التي يمكن أن تستفيد منها التنظيمات الأكثر تطرفاً في مراحل لاحقة.
وهم “الحائط الواقي”
خلال العقود الماضية، ساد داخل بعض الدوائر السياسية والأمنية البريطانية اعتقاد مفاده أن الحركات الإسلامية غير المنخرطة في العنف يمكن أن تلعب دور الحاجز الذي يمنع الشباب من الانجذاب إلى التنظيمات الإرهابية المسلحة.
استندت هذه المقاربة إلى فكرة أن التعاون مع الواجهات السياسية والمجتمعية للإسلام السياسي يوفر للدولة قنوات تواصل وتأثير داخل المجتمعات المسلمة، ويسهم في احتواء النزعات الأكثر تطرفاً.
غير أن هذه الفرضية تعرضت لانتقادات متزايدة مع مرور الوقت. فبدلاً من الحدّ من نفوذ الإسلام السياسي، يرى منتقدوها أنها منحت “جماعة الإخوان المسلمين” مساحة أوسع للحركة وشرعية أكبر داخل المؤسسات العامة والمجتمعات المحلية، فضلاً عن تسهيل وصولها إلى مصادر التمويل والدعم والشراكات الرسمية.
ومن وجهة نظر هؤلاء، فإن الرهان على الإسلام السياسي باعتباره سداً في مواجهة الإرهاب المسلح يشبه معالجة الأعراض مع تجاهل المرض نفسه، لأنه يمنح الشرعية لخطاب أيديولوجي يقوم على الانعزال والاستقطاب حتى وإن لم يدعُ صراحة إلى العنف.
صناعة المظلومية
تُعد ثقافة المظلومية إحدى أبرز الأدوات التي تعتمد عليها الحركات الأيديولوجية المرتبطة بالإسلام السياسي لتوسيع نفوذها داخل المجتمعات الغربية، إذ يقوم هذا الخطاب على تصوير العلاقة بين المسلمين والدول الغربية باعتبارها علاقة صراع دائم، وعلى تقديم الاندماج بوصفه تهديداً للهوية الدينية والثقافية.
تؤدي هذه السردية إلى تعزيز الشعور بالعزلة والانفصال عن المجتمع، وإضعاف مفهوم المواطنة المشتركة، وإنتاج مجتمعات موازية تتعامل مع نفسها باعتبارها منفصلة ثقافياً وسياسياً عن البيئة الوطنية الأوسع.
يرى منتقدو “جماعة الإخوان المسلمين” أن هذه البيئة الفكرية تمثل الحلقة الأولى في سلسلة طويلة من عمليات الاستقطاب، لأنها تزرع مشاعر السخط والاغتراب وتُحدث قابلية أكبر لتقبل الخطابات الراديكالية عند حدوث الأزمات السياسية أو الاجتماعية.
من هنا، فإن التهديد لا يُقاس فقط بعدد الهجمات أو العمليات الإرهابية، بل أيضاً بقدرة الخطابات الأيديولوجية على إعادة تشكيل وعي الأفراد وعلاقاتهم بالمجتمع والدولة.
أوروبا تغيّر قواعد اللعبة
أدركت دول أوروبية عدة خلال السنوات الأخيرة أن مكافحة التطرف لا يمكن أن تقتصر على الأدوات الأمنية التقليدية. ولذلك اتجهت إلى تطوير سياسات تستهدف البيئات الفكرية والتنظيمية التي ترى أنها تسهم في نشر الأفكار الانعزالية أو تقويض قيم المواطنة والاندماج.
برزت في فرنسا والنمسا وألمانيا تشريعات وإجراءات رقابية أكثر تشدداً تجاه بعض المؤسسات والجمعيات المرتبطة بالإسلام السياسي، انطلاقاً من قناعة متزايدة بأن مواجهة التطرف تبدأ قبل ظهور الخلية المسلحة أو الحزام الناسف بوقت طويل. أما بريطانيا، فما زالت تواجه انتقادات متكررة بسبب استمرار اعتمادها على مقاربة تركز بصورة رئيسة على “التماسيح القريبة من القارب”، بينما تبقى أقل حماسة في التعامل مع ما يعتبره منتقدو الإسلام السياسي المنابع الفكرية التي تساهم في إنتاج التطرف.
ومع اتساع الجدل الأوروبي حول مستقبل الأمن المجتمعي، تتجه الأنظار بصورة متزايدة نحو سؤال جوهري: هل يمكن مواجهة الإرهاب بفاعلية من دون مواجهة الأيديولوجيات التي توفر له البيئة الحاضنة؟ بالنسبة لعدد متزايد من صناع القرار الأوروبيين، تبدو الإجابة أكثر وضوحاً من أي وقت مضى؛ فالمعركة الحقيقية لا تبدأ عند لحظة العنف، بل عند المنابع التي تسمح له بالنمو والانتشار.















