تكافؤ الفرص

المنتدى الاقتصادي العالمي: المساواة بين الجنسين تتقدم.. والعالم يحتاج 120 عاماً لردم الفجوة

بقلم هاشم نذير
بقلم هاشم نذير

بعد عقدين على إطلاقه، يكشف تقرير “الفجوة العالمية بين الجنسين 2026″، الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي، أن العالم نجح في ردم 69.2% من الفجوة بين النساء والرجال، مسجلاً بذلك أفضل نتيجة منذ بدء إعداد التقرير. غير أن هذه المكاسب، رغم اتساعها، لا تكفي بعد للوصول إلى المساواة بالسرعة المطلوبة، إذ تشير الوتيرة الحالية إلى أننا قد نحتاج إلى نحو 120 عاماً أخرى لتحقيق التكافؤ الكامل. وتزداد صعوبة المرحلة المقبلة خصوصاً في المجالات التي ترتبط بالنفوذ الاقتصادي والسياسي وصنع القرار.

يتيح التقرير أطول سلسلة زمنية متواصلة لقياس تطور المساواة بين الجنسين، من خلال عينة ثابتة تضم 97 اقتصاداً أُدرجت في جميع الإصدارات منذ عام 2006، إلى جانب تحليل 145 اقتصاداً في نسخة 2026.

وتعكس قائمة العشرة الأوائل هيمنة أوروبية واضحة، بقيادة آيسلندا، التي لا تزال في صدارة المؤشر للسنة السابعة عشرة على التوالي، بعد أن ردمت 93% من فجوتها بين الجنسين، لتبقى الاقتصاد الوحيد الذي تجاوز حاجز 90%. تليها فنلندا بنسبة 87.2%، فالنرويج 85.7%، من ثم ناميبيا 84.5%، والمملكة المتحدة 84.2%، ونيوزيلندا 82.8%، والسويد 82.3%، واختتمت أستراليا وألمانيا وإيرلندا القائمة بنسبة إغلاق بلغت 81.9% و81.7% و81.4% على التوالي.

التعليم والصحة مقابل السياسة والاقتصاد

يكشف تفكيك المؤشر إلى مكوناته الأربعة، وهي “المشاركة والفرص الاقتصادية”، و”التحصيل العلمي”، و”الصحة والبقاء”، و”التمكين السياسي”، لقياس التقدم المحرز نحو تحقيق المساواة بين الجنسين، عن مصدر الفجوة المتبقية. فقد اقتربت النساء والرجال بدرجة كبيرة من التكافؤ في التحصيل العلمي، الذي بلغ 96.9%، وفي الصحة والبقاء عند 96.2%. في المقابل، تظل الفجوة أوسع بكثير في الاقتصاد بنسبة 61.7%، وأكثر اتساعاً في التمكين السياسي عند 22.1%.

يفسر ذلك لماذا لم يعد توسيع الوصول إلى التعليم أو دخول سوق العمل وحده كافياً لإحداث تحول مماثل في مستويات المساواة الإجمالية. فالمسألة تنتقل تدريجياً من سؤال: “هل تستطيع المرأة الوصول؟” إلى سؤال أكثر تعقيداً: “هل تستطيع تسلق السلم الوظيفي، والحصول على الموارد، والوصول إلى مواقع اتخاذ القرار؟”.

حصة النساء الوظيفية

ذكر التقرير، استناداً إلى بيانات سوق العمل، أن حضور النساء يتحسن، لكن التقدم يصبح أكثر صعوبة كلما كبرت المسؤولية. فقد ارتفعت حصة النساء من القوة العاملة على منصة “لينكدإن” من 39.9% في 2015 إلى 41.8% في يونيو 2026، كما زادت حصتهن في المناصب القيادية العليا من 26.7% إلى 29.6%.

غير أن الانتقال من الوظائف الصغيرة إلى قمة هرم الشركات يكشف فجوة أكثر حدة؛ مع انخفاض حصة النساء من 46% في المناصب الدنيا إلى 23% فقط في المناصب التنفيذية والإدارات العليا. ولا تتوزع هذه المشكلة بالتساوي بين القطاعات، بل تختلف باختلاف الصناعة والمراحل المهنية. وتظهر المشكلة أيضاً في طبيعة المناصب التي تشغلها النساء. فرغم وصولهن إلى مواقع قيادية، يظل تمثيلهن منخفضاً في وظائف تعد بوابات إلى منصب الرئيس التنفيذي، وعلى رأسها المدير المالي والمدير التنفيذي للعمليات.

وفي شركات “فورتشن غلوبال 500″، ارتفعت حصة الرئيسات التنفيذيات من 2.8% قبل عقد إلى 6.4%، لكنها لا تزال منخفضة، كما تختلف مستويات التمثيل وفق القطاع وحجم الإيرادات.

كما تضيف بيانات “لينكدإن” بُعداً أكثر إثارة للقلق، إذ توقفت وتيرة توظيف النساء في القوى العاملة والمناصب القيادية عن التحسن منذ 2022، مع ظهور مؤشرات مبكرة على التراجع، بما قد يهدد استدامة المكاسب السابقة.

الذكاء الاصطناعي

يضيف صعود الذكاء الاصطناعي طبقة جديدة إلى التحدي. فبدلاً من أن تؤدي التكنولوجيا تلقائياً إلى تغيير أنماط التوزيع المهني، تظهر مؤشرات على أنها تعيد إنتاج الفصل القطاعي والوظيفي القائم.

فالنساء لا يزلن أقل تمثيلاً عبر سلسلة القيمة الكاملة للذكاء الاصطناعي، بدءاً من البنية التحتية التي تشغله، وصولاً إلى النماذج الأساسية والتطبيقات التي تبنيها الشركات عليه، وتظهر الفجوة بوضوح في المهن ذات الصلة. 

صحيح أن النساء يشكلن قرابة نصف العاملين في تصنيف البيانات، لكن حصتهن تنخفض إلى نحو الخُمس بين المطورين ومهندسي النشر. وبذلك تتركز مشاركتهن بدرجة أكبر في الوظائف التي لا تتطلب بالضرورة المهارات الهندسية نفسها، والتي قد تكون أقل أجراً.

رأس المال وريادة الأعمال

يمتد التفاوت بين الجنسين أيضاً إلى أسواق المال، رغم التوسع الكبير في وصول النساء إلى المنتجات والخدمات المالية خلال السنوات الخمس عشرة الماضية.

فقد شكلت النساء 40.4% من القوى العاملة في مؤسسات أسواق رأس المال، لكن حصتهن انخفضت إلى 31% من المناصب القيادية العليا. وتكتسب هذه الفجوة أهمية لأن هذه المؤسسات تضطلع بدور مباشر في توجيه الاستثمارات وتخصيصها بالدعم المطلوب.

وفي المؤسسات المالية العامة، ارتفعت حصة النساء في قيادة البنوك المركزية خلال السنوات الأخيرة إلى 19% من المحافظين، و29% من كبار الموظفين.

أما ريادة الأعمال، فتقدم صورة مشابهة. فقد تسارعت زيادة حصة النساء بين مؤسسي الشركات قبل جائحة كوفيد-19، قبل أن تتباطأ في السنوات اللاحقة. ومع موجة الذكاء الاصطناعي، عاد النشاط الريادي إلى الارتفاع، لكن النساء لم يستحوذن على هذا الاتجاه.

وبينما زاد عدد الموظفين الذين أضافوا لقب “مؤسس” إلى ملفاتهم الشخصية على “لينكدإن” بنسبة 60% بين عامي 2024 و2025، ظلت حصة النساء منهم ثابتة عند 28%. وفي عام 2026، بلغت نسبة المؤسسات اللاتي يمتلكن مهارات هندسة الذكاء الاصطناعي 8.7%، بينما بلغت هذه النسبة 14.7% بين المؤسسين الذكور.

الإصلاحات القانونية تتقدم والتنفيذ محدود

على مستوى السياسات، شهد العالم خلال العقود الماضية توسعاً كبيراً في الحقوق الاقتصادية للنساء، في ظل أجندات دولية للمساواة وآليات للتنسيق والتنفيذ. لكن مسارات الإصلاح تباينت بين المناطق. وبشكلٍ عام، نفّذت أوروبا وأمريكا الشمالية وأمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي معظم إصلاحاتها بين تسعينيات القرن الماضي والعقد الأول من الألفية الجديدة، أما منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، فبدأت لاحقاً، قبل أن تزيد نشاطها تدريجياً حتى أصبحت حالياً المنطقة الأكثر كثافة في الإصلاحات. 

ومع ذلك، فإن إقرار القانون لا يعني بالضرورة تطبيقه بكفاءة. ويشير التقرير إلى أن الإصلاحات المعقدة التي تتطلب تنسيقاً بين أنظمة متعددة، مثل إصلاحات المعاشات التقاعدية، تحتاج إلى فترة أطول للانتقال من التشريع إلى التنفيذ مقارنة بإصلاحات مثل رعاية الأطفال.

شهد تمثيل النساء في المؤسسات التشريعية مكاسب متواصلة منذ سبعينيات القرن الماضي، وأصبحت الزيادات الكبيرة في التمثيل أكثر شيوعاً بعد عام 1995. وفي تلك الفترة، تبنّت ما يزيد عن 80% من الاقتصادات المدرجة في المؤشر حصصاً مخصصة للنساء.

كما أسهم ارتفاع عدد الوزيرات في تعزيز التكافؤ السياسي، إلا أن النساء لا يزلن يشغلن نحو واحدة من كل عشر حقائب وزارية، يتمتعن فيها بنفوذ كبير وتأثير في الميزانيات والموارد والكوادر.

فجوة تتقلص.. لكن طبيعتها تتغير

يخلص تقرير المنتدى الاقتصادي العالمي في نسخته العشرين إلى أن معركة المساواة بين الجنسين تدخل مرحلة مختلفة. فقد قطعت البشرية شوطاً كبيراً في التعليم والصحة والوصول الأساسي إلى سوق العمل، لكن التحدي ينتقل الآن إلى نوعية الفرص ومواقع النفوذ والقدرة على الصعود المهني وتخصيص الموارد وصنع القرار.

هنا تكمن المفارقة الأساسية، كلما اقترب العالم من إغلاق الفجوة، أصبح ما تبقى منها أكثر ارتباطاً بالبنية العميقة للاقتصاد والسياسة والعمل. فالنساء يدخلن سوق العمل، لكن نسبتهن تتراجع عند الوصول إلى القمة؛ ويشاركن في اقتصاد الذكاء الاصطناعي، لكن تركيزهن يظل أكبر في بعض الوظائف الأقل تقدماً؛ ويصلن إلى القطاع المالي، لكن تمثيلهن القيادي يبقى أقل؛ ويحصلن على حقوق قانونية أوسع، فيما يظل التنفيذ متفاوتاً.

لذلك، لا تعكس نسبة 69.2% مجرد مسافة قطعتها الدول خلال عقدين، بل تكشف أيضاً طبيعة المرحلة المقبلة، وهي الانتقال من توسيع المشاركة إلى إعادة توزيع الفرص والنفوذ والقيادة. ومع تقدير 120 عاماً للوصول إلى التكافؤ الكامل، يصبح الحفاظ على وتيرة الإصلاح وتسريعها عاملاً حاسماً في تحديد ما إذا كانت المكاسب المسجلة ستتحول إلى مسار مستدام، أم ستظل رهينة موجات تقدم وانتكاس.