وسّعت الولايات المتحدة نطاق المواجهة مع شبكات “جماعة الإخوان المسلمين”، إلى ما هو أبعد من الحكومة الفيدرالية في واشنطن، لتمتد إلى ولايات مثل تكساس وفلوريدا وأوكلاهوما التي بدأت باستخدام أدواتها الأمنية والقانونية الخاصة. وجاءت أحدث التحركات في أوكلاهوما، حيث أصدر الحاكم كيفن ستيت أمراً تنفيذياً يكلّف أجهزة الولاية بإجراء تقييم استخباري لـ”جماعة الإخوان المسلمين” ومجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية (كير)، وتحديد ما إذا كانت الجماعة أو المجلس أو الأفراد والكيانات التي تعمل نيابة عنهما يشكلون تهديداً إرهابياً أو خطراً على السلامة العامة.
لا يعلن القرار تصنيفاً إرهابياً جديداً، بل يفتح مساراً أمنياً وقانونياً قد يقود إلى إجراءات لاحقة. وفي الوقت نفسه، يطلب من مسؤولي السلامة العامة في الولاية الضغط على الحكومة الفيدرالية لتصنيف “جماعة الإخوان” و”كير” منظمات إرهابية أجنبية. وبذلك، تضع أوكلاهوما نفسها في قلب مسار يتقاطع فيه الأمن المحلي مع السياسة الفيدرالية.
أوكلاهوما تفتح الملف
تكمن أهمية خطوة أوكلاهوما في أن ستيت لم يمنح المنظمتين تصنيفاً إرهابياً، إذ إن تصنيف “منظمة إرهابية أجنبية” اختصاص فيدرالي. لكنه كلف أجهزة الولاية ببناء تقييم أمني يمكن أن يدعم إجراءات محلية أو يستخدم في الضغط على واشنطن.
ويربط الحاكم بين “جماعة الإخوان” و”حماس”، التي تصنفها الولايات المتحدة منظمة إرهابية أجنبية، ويقول إنها انبثقت من الحركة الأم. غير أن هذا الربط لا يشكل بحد ذاته إثباتاً قانونياً لتورط “كير” أو أي كيان أمريكي في نشاط إرهابي، ما يجعل نتائج التحقيقات هي العنصر الحاسم في أي خطوة لاحقة.
واللافت أن القرار يستند إلى صلاحيات قائمة في قوانين الأمن الداخلي ومكافحة الإرهاب في أوكلاهوما، ما يعني أن الولاية اختارت استخدام أدواتها التنفيذية والأمنية بدلاً من الاكتفاء بإعلان سياسي.
من التشريع للاستخبارات
سبق أن شهدت أوكلاهوما خلال 2026 محاولة تشريعية لتصنيف “جماعة الإخوان” و”كير” منظمات إرهابية محلية. إلا أن الانتقال إلى الأمر التنفيذي يغير طبيعة المواجهة، فالولاية تبدأ الآن من جمع المعلومات وتقييم الروابط والأنشطة، ثم تترك للأجهزة المختصة تحديد ما إذا كانت هناك تهديدات أو مخالفات تستدعي تحركاً قانونياً. وهذا يمنحها هامشاً أكبر من المناورة، لأن القرار لا يفترض مسبقاً نتيجة التحقيق.
وفي المقابل، يضع هذا المسار السلطات أمام اختبار قانوني إذا تحولت نتائجه إلى قيود على منظمة تمارس نشاطاً سياسياً أو مدنياً مشروعاً. ويؤكد “مجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية” أنه منظمة حقوقية أمريكية مستقلة، وينفي الاتهامات المتعلقة بالإرهاب أو الارتباط التنظيمي بالإخوان.
لذلك، فإن أي إجراء يستهدفه سيصطدم على الأرجح بأسئلة تتعلق بالتعديل الأول للدستور الأمريكي، ولا سيما حرية التعبير والتنظيم. وهذه ليست مسألة هامشية، بل أحد أهم القيود التي ستحدد قدرة الولايات على تحويل الاشتباه الأمني إلى إجراءات تنفيذية.
تكساس اختارت التصنيف
تأتي خطوة أوكلاهوما بعد تجربة تكساس التي اتخذت مساراً أكثر مباشرة، إذ أعلن الحاكم غريغ أبوت في وقت سابق تصنيف “جماعة الإخوان” و”كير” “منظمتين إرهابيتين أجنبيتين” و”منظمتين إجراميتين عابرتين للحدود” بموجب قانون الولاية، ثم وجه إدارة السلامة العامة إلى فتح تحقيقات جنائية بشأنهما.
لكن الإجراءات انتقلت سريعاً إلى القضاء بعدما طعنت فروع “كير” في تكساس فيها، ما حول القضية إلى اختبار لحدود سلطة الولاية، خصوصاً أن التصنيف الفيدرالي لمنظمة إرهابية أجنبية يظل من اختصاص الحكومة الأمريكية.
وتكشف تجربة تكساس عن مسألة أساسية: تستطيع الولايات اتخاذ إجراءات ضمن قوانينها، لكنها لا تستطيع ببساطة استبدال التصنيف الفيدرالي بتصنيف محلي يمنح المنظمة الصفة نفسها على المستوى الوطني.
ومع دخول أوكلاهوما على الخط، تتسع مساحة التجربة القانونية: تكساس اختارت التصنيف والتحقيق، فيما تبدأ أوكلاهوما من التقييم الاستخباري قبل تحديد الخطوة التالية.
فلوريدا تختبر القضاء
ذهبت فلوريدا أيضاً إلى مواجهة مباشرة مع الإخوان و”كير”، مستخدمة قوانين الولاية لتقييد استفادة المنظمات التي تصنفها السلطات تهديداً من الموارد والمنافع الحكومية.
لكن هذه السياسة اصطدمت بالقضاء الفيدرالي، بعدما واجهت الإجراءات طعوناً دستورية ركزت على حدود سلطة الولاية والتعديل الأول. وأظهرت التجربة أن قدرة الحكومات المحلية على استهداف منظمات لا تحمل تصنيفاً إرهابياً فيدرالياً ستظل مرتبطة بمدى صمود إجراءاتها أمام المحاكم.
وهنا تختلف أهمية أوكلاهوما: فهي لا تبدأ من العقوبة أو الحرمان من الموارد، بل من التحقيق، ما يمنحها فرصة لتأسيس إجراءاتها على نتائج أمنية محددة قبل الانتقال إلى خطوات أكثر حساسية.
واشنطن أمام ضغط الولايات
في الجانب الفيدرالي، اتخذت الحكومة الأمريكية خلال 2026 إجراءات ضد فروع محددة من “جماعة الإخوان”، ما أعاد فتح النقاش حول التعامل معها كشبكة عابرة للحدود، بدلاً من الاقتصار على كل فرع بصورة منفصلة.
وتضغط الولايات الثلاث في اتجاهات مختلفة. تكساس تستخدم التشريع والتصنيف، فلوريدا تختبر أدواتها أمام القضاء، وأوكلاهوما تبني مساراً استخباراتياً. لكن القاسم المشترك بينها هو محاولة دفع واشنطن إلى موقف أكثر تشدداً.
وعليه، بدأ يتشكل المسار المزدوج: الحكومة الفيدرالية تتحرك من الأعلى، والولايات تبني ضغطاً من الأسفل. ولا يعني ذلك وجود سياسة موحدة، لكنه يشير إلى أن ملف “الإخوان” أصبح جزءاً من أجندة الأمن الداخلي في أكثر من ولاية.
اختبار الأمن والدستور
المواجهة المقبلة لن تدور حول التصنيف وحده؛ فالولايات الأمريكية تستطيع استخدام قوانينها للتحقيق في أنشطة تقع ضمن اختصاصها، ومراجعة التمويل والعقود الحكومية، واتخاذ إجراءات ضد أي مخالفات يثبتها القانون. لكنها تظل ملزمة بالحدود الدستورية، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمنظمات تمارس نشاطاً سياسياً أو مدنياً.
وهكذا سوف تصبح المحاكم شريكاً أساساً في تحديد مدى قدرة الولايات على التحرك، كما ستكون الأدلة التي تنتجها التحقيقات الأمنية معياراً لفصل التهديد الحقيقي عن الاتهام السياسي.
ومن واشنطن إلى تكساس وفلوريدا وأوكلاهوما، تتشكل إذاً جبهة أمريكية متعددة المستويات ضد شبكات الإخوان. الجديد ليس مجرد انضمام ولاية أخرى إلى المواجهة، بل تعدد الأدوات التي تستخدمها الولايات، بالتوازي مع تحركات الحكومة الفيدرالية.















