بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

مقالات مشابهة

ملامح استراتيجية

الصين والشرق الأوسط: من براغماتية الاقتصاد إلى أولوية الدولة الوطنية ومواجهة الإسلام السياسي

بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

ترسم الصين منذ سنوات ملامح مقاربة استراتيجية خاصة تجاه الشرق الأوسط، تقوم على مزيج معقّد من البراغماتية الاقتصادية والهواجس الأمنية العميقة. وبينما تتوسع مبادرة “الحزام والطريق” عبر القارات، لا تنظر بكين إلى المنطقة باعتبارها مجرّد سوق ضخمة أو ممراً تجارياً حيوياً، بل تراها جزءاً لا يتجزأ من منظومة أمنها القومي ومصالحها الجيوسياسية بعيدة المدى.

شكلت التجربة المصرية خلال العقد الماضي المحطة المفصلية الأبرز في صياغة الرؤية الصينية المعاصرة تجاه تيارات الإسلام السياسي، وعلى رأسها “جماعة الإخوان المسلمين”.

رأت دوائر بحثية صينية أن أحداث مصر العام 2013 عززت لدى بكين أولوية الحفاظ على الدولة الوطنية ومؤسساتها، ورسخت الشكوك تجاه الحركات السياسية ذات المرجعيات العقائدية العابرة للحدود، وفي مقدمتها “جماعة الإخوان المسلمين”، وإن ظل الخطاب الرسمي الصيني يتبنى لغة الحياد والدعوة إلى الاستقرار. وأظهرت تلك التجربة المخاطر التي يمكن أن تنجم عن إضعاف المؤسسات الرسمية لصالح مشاريع سياسية تتجاوز الحدود الوطنية التقليدية.

هاجس أمني مشترك

ترتبط المقاربة الصينية للمشهد المصري ارتباطاً وثيقاً بالهواجس الأمنية الداخلية لبكين، ولا سيما في إقليم شينجيانغ، حيث تشكل القوميات ذات الأغلبية المسلمة أكثر من نصف سكان الإقليم، بينما تمثل الأقليات القومية مجتمعة نحو 57.76% من إجمالي السكان وفق التعداد الصيني لعام 2020. فالصين تنظر بحذر شديد إلى أي خطاب سياسي أو ديني يمنح الولاءات العقائدية أولوية على الانتماء للدولة الوطنية. وخلال الفترة التي توّلت فيها “جماعة الإخوان” الحكم في مصر، رصدت دوائر صينية مختلفة مخاطر محتملة مرتبطة بتنامي الخطابات العابرة للحدود وإمكانية استفادة الجماعات المتشددة والانفصالية من بيئات الاضطراب الإقليمي.

ومن المنظور الأمني الصيني، فإن الأدبيات التي تضع الانتماء العقائدي فوق مفهوم الدولة والحدود يمكن أن توفر أرضية فكرية تستفيد منها الحركات الانفصالية والمتطرفة. لذلك اعتبرت بكين أن تمدد تيارات الإسلام السياسي خارج الأطر الوطنية التقليدية يمثل تحدياً أمنياً يتجاوز حدود الشرق الأوسط ليطال حساباتها الداخلية.

بالتوازي، تابعت الصين بقلق تصاعد نشاط الجماعات الإرهابية في شبه جزيرة سيناء وارتباط بعضها بشبكات متشددة عابرة للحدود. ورأت بكين أن استعادة الدولة المصرية لسيطرتها الأمنية بعد العام 2013 أسهمت في الحدّ من مخاطر تحول مصر إلى ساحة مفتوحة للفوضى والتطرف، ما انعكس إيجاباً على الاستقرار الإقليمي الأوسع.

أمن التنمية في مواجهة الأيديولوجيا

تعتمد العقيدة السياسية الصينية الحديثة على مفهوم محوري يعرف باسم “أمن التنمية”، ويقوم على فكرة أساسية مفادها أن التنمية الاقتصادية المستدامة لا يمكن أن تتحقق من دون استقرار سياسي وأمني، وأن الاستقرار يحتاج إلى دولة مركزية قوية قادرة على حماية المؤسسات وإدارة الملفات السيادية.

ومن هذا المنطلق، أخضعت مراكز الأبحاث الصينية تجربة حكم “الإخوان” في مصر لقراءات نقدية متعددة، خلص بعضها إلى وجود فجوة بين الشعارات الأيديولوجية ومتطلبات إدارة الدولة الحديثة. ورأت هذه الدراسات أن الخطابات العامة لا تكفي لمعالجة التحديات الاقتصادية والاجتماعية المعقدة التي تواجه الدول الكبيرة، وأن نجاح أي مشروع سياسي يقاس بقدرته على إدارة الاقتصاد وتعزيز الاستقرار وحماية المؤسسات.

وعززت هذه الاستنتاجات قناعة راسخة لدى صناع القرار الصينيين بأن التنظيمات العقائدية العابرة للحدود قد تخلق ازدواجية في الولاءات السياسية والمجتمعية، الأمر الذي يمكن أن ينعكس سلباً على تماسك الدولة ووحدة القرار الوطني. ومن هنا جاء التركيز الصيني المتزايد على دعم مؤسسات الدولة الوطنية باعتبارها الضامن الأساس للاستقرار والتنمية.

حماية شرايين الحزام والطريق

لا تنبع أهمية مصر في الحسابات الاستراتيجية الصينية من ثقلها السياسي فحسب، بل أيضاً من موقعها الجغرافي الفريد الذي يجعلها إحدى أهم حلقات الربط بين آسيا وإفريقيا وأوروبا. ومع إطلاق مبادرة الحزام والطريق، أصبحت قناة السويس أحد الشرايين الحيوية الرئيسية للتجارة الصينية العالمية.

وأدركت بكين أن أي اضطراب طويل الأمد في مصر يمكن أن ينعكس بصورة مباشرة على أمن سلاسل التوريد الدولية وحركة التجارة العالمية. لذلك نظرت إلى استقرار مصر باعتباره جزءاً من أمنها الاقتصادي الاستراتيجي، وليس مجرد شأن إقليمي بعيد.

تُرجمت هذه الرؤية إلى توسع ملحوظ في الاستثمارات الصينية داخل مصر، خصوصاً في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس والعاصمة الإدارية الجديدة. كما شهد التعاون الثنائي نمواً متسارعاً في مجالات التصنيع والطاقة والبنية التحتية ونقل التكنولوجيا، لتتحول مصر تدريجياً إلى إحدى أهم محطات مبادرة الحزام والطريق في الشرق الأوسط.

إحباط الهندسة الخارجية

لم تنفصل القراءة الصينية للتجربة المصرية عن سياق التنافس الجيوسياسي المتصاعد مع الولايات المتحدة. فبكين تنظر منذ سنوات بشك إلى السياسات الغربية التي رافقت مرحلة “الربيع العربي”، وترى أن محاولات إعادة تشكيل التوازنات السياسية في المنطقة أسهمت في بعض الحالات في إضعاف مؤسسات الدولة وإحداث فراغات أمنية استغلتها جماعات متطرفة.

في هذا السياق، وجدت الصين في المسار الذي اتخذته مصر بعد العام 2013 نموذجاً أقرب إلى رؤيتها الخاصة القائمة على أولوية الاستقرار وسيادة الدولة ورفض التدخلات الخارجية. كما اعتبرت أن استعادة مؤسسات الدولة المصرية لدورها المركزي شكلت سداً أمام سيناريوهات التفكك وعدم الاستقرار التي كانت تخشاها العديد من العواصم الإقليمية والدولية.

أدى هذا التقارب في الرؤى إلى تعزيز العلاقات السياسية بين القاهرة وبكين، حيث دعمت الصين توسيع حضور مصر في المحافل الدولية، واعتبرت الشراكة مع القاهرة جزءاً من استراتيجيتها الأوسع لتعزيز نفوذها الاقتصادي والسياسي في الشرق الأوسط.

أولوية الدولة الوطنية

تكشف القراءة المتعمّقة للموقف الصيني أن تحفّظ بكين تجاه “جماعة الإخوان المسلمين” لا يستند إلى اعتبارات دينية أو ثقافية، بقدر ما يرتبط بحسابات جيوسياسية وأمنية ترى في الدولة الوطنية الإطار الأكثر قدرة على حماية الاستقرار وتحقيق التنمية.

وتحولت التجربة المصرية إلى نموذج عملي عزز قناعة الصين بأن قوة الدولة المركزية ومتانة مؤسساتها تمثلان خط الدفاع الأول في مواجهة التطرف والفوضى والانقسامات الداخلية. كما رسّخت هذه التجربة توجهاً صينياً متزايداً نحو دعم الدول والمؤسسات الوطنية بوصفها الشريك الأكثر موثوقية في حماية المصالح الاقتصادية وضمان الاستقرار طويل الأمد.

اليوم، تبدو هذه العقيدة مرشحة للاستمرار باعتبارها إحدى الركائز الأساسية للسياسة الصينية في الشرق الأوسط، وهي عقيدة تختصرها معادلة واضحة: الاستقرار قبل الأيديولوجيا، والدولة قبل التنظيم، والتنمية قبل الشعارات.