في ولاية غور وسط أفغانستان، لم تعد الطفلة شايقة، البالغة من العمر خمسة أعوام، مجرد مريضة تنتظر العلاج، بل أصبحت ضحية صفقة قاسية فرضها الفقر على عائلتها. ووفق تقرير نقلته أفغانستان إنترناشيونال عن هيئة الإذاعة البريطانية (BBC)، قال والدها إنه اضطر إلى بيعها لأحد أقاربه مقابل 200 ألف أفغاني، أي ما يقارب 3200 دولار، لتأمين تكلفة عملية جراحية، مؤكداً أن البديل كان تركها تواجه الموت بلا علاج.
في القصة ذاتها، ظهر أب آخر من الولاية نفسها يتحدث عن استعداده لبيع إحدى ابنتيه التوأم، البالغتين من العمر سبع سنوات، تحت وطأة الجوع والديون والعجز عن توفير متطلبات الحياة الأساسية. وتعكس هذه الوقائع جانباً من الأزمة الإنسانية الخانقة التي تعيشها مناطق واسعة في أفغانستان، حيث يدفع الفقر بعض العائلات إلى خيارات مأساوية تمس مصير أطفالها.
استراتيجيات التأقلم السلبية
هذه ليست واقعة معزولة، بل وجه من وجوه انهيار اجتماعي أوسع. فبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي يقول إن أكثر من 80% من الأسر الأفغانية غارقة في الديون، وإن نحو ثلاثة أرباع الأسر تعتمد على “استراتيجيات تأقلم سلبية” لتدبير يومها. وفي تقريره الاجتماعي الاقتصادي للعامين 2024 و2025، أشار البرنامج إلى أن ثلاثة من كل أربعة أفغان لم يستطيعوا تلبية احتياجاتهم الأساسية في 2025.
تحت هذا الضغط، لا تُباع الطفلة دائماً بوصفها “سلعة” معلنة، بل غالباً تحت غطاء الزواج المبكر أو الخطبة أو تسوية الديون أو البحث عن مهر ينقذ بقية الأسرة. وتقول “يونيسف” إنها تلقت، حتى قبل عودة طالبان إلى الحكم، تقارير موثوقة عن عائلات تعرض بنات في عمر 20 يوماً للزواج المستقبلي مقابل مهر، كما سجل شركاؤها 183 حالة زواج أطفال و10 حالات بيع أطفال في ولايتي هرات وبادغيس وحدهما خلال العامين 2018 و2019، تراوحت أعمار الأطفال فيها بين 6 أشهر و17 عاماً.
رسمياً، أصدرت طالبان في ديسمبر 2021 مرسوماً يحظر الزواج القسري، ويقول إن المرأة لا ينبغي أن تُعامل كملكية، وإن رضاها مطلوب في الزواج. لكن المرسوم لم يحدد سناً أدنى للزواج، وهو ما أبقى ثغرة خطيرة في بلد كانت القوانين السابقة فيه تحدد سن زواج الفتيات عند 16 عاماً.
هذا الفراغ بين النص والواقع يجعل الفتيات القاصرات مكشوفات أمام سلطة الفقر والعرف والأسرة والمحاكم المحلية. فالحظر العام للزواج القسري لا يكفي حين تكون الطفلة خارج المدرسة، والأب غارقاً في الدين، والأم عاجزة، والدولة لا توفر حماية اجتماعية أو آلية واضحة لمنع تزويج القاصرات.
التعليم المفقود يزيد الخطر
تربط المؤسسات الدولية بين حرمان الفتيات من التعليم وارتفاع مخاطر الزواج المبكر. فـ”هيومن رايتس ووتش” تقول إن أفغانستان بقيت البلد الوحيد الذي تُحرم فيه الفتيات والنساء من التعليم الثانوي والجامعي، مع قيود واسعة على العمل والتنقل والحياة العامة. كما تشير هيئة الأمم المتحدة للمرأة إلى أن حظر تعليم الفتيات بعد المرحلة الابتدائية قد يرفع معدل زواج الأطفال بنسبة 25%، ما قد يضع 37.5% من الفتيات الأفغانيات تحت خطر الزواج المبكر.
وفي بلد تتقلص فيه فرص التعليم والعمل، تصبح البنت في نظر الأسر الفقيرة عبئاً اقتصادياً قبل أن تكون مشروع مستقبل. وهنا لا يعود الزواج المبكر مجرد ممارسة اجتماعية قديمة، بل يتحول إلى نتيجة مباشرة لسلسلة من الانهيارات: فقر، ديون، إغلاق مدارس، تراجع المساعدات، وتآكل الحماية القانونية.
مؤسسات دولية تدق ناقوس الخطر
تقول “يونيسف” إن 28% من النساء الأفغانيات بين 15 و49 عاماً تزوجن قبل سن 18 عاماً. وتحذر من أن الأزمة الاقتصادية، وتوقف التعليم، وانعدام الخدمات، كلها عوامل تزيد من تعريض الفتيات للزواج المبكر والبيع تحت ضغط الحاجة.
في موازاة ذلك، يحذر برنامج الأغذية العالمي من أن أزمة الجوع تزداد سوءاً. وذكرت رويترز، نقلاً عن البرنامج، أن 3.7 مليون طفل أفغاني سيحتاجون إلى علاج من سوء التغذية الحاد في 2026، بزيادة 200 ألف طفل عن العام السابق، في وقت تحد أزمة التمويل من قدرة المنظمات على علاج المحتاجين.
هكذا تصبح قصة شايقة والتوأم في غور أكثر من مأساة عائلية؛ إنها تكثيف لحقيقة أفغانية قاسية: حين يجتمع الجوع مع الديون وغياب التعليم وضعف القانون، تدفع الفتيات الثمن الأكبر. فبيع الطفلة أو تزويجها مبكراً ليس “خياراً عائلياً” بقدر ما هو إنذار بأن المجتمع وصل إلى نقطة يصبح فيها جسد القاصر آخر ما يمكن بيعه للبقاء.




