اقتصاد سياسي

سد النهضة بين فرضيات التسرب والجدل الجيولوجي: عدم اليقين العلمي يختبر أمن مصر المائي وإدارة التدفقات

عربية Global Watch
عربية Global Watch

يعيد الحديث عن تسربات أو تشققات محتملة في سد النهضة الإثيوبي طرح الملف من زاوية مختلفة، حيث يتقاطع القلق الجيولوجي مع تقديرات تقلل من التهديد المباشر لدول المصب، ما يترك مساحة واسعة من عدم اليقين حول انعكاساته على الأمن المائي المصري.

يقع سد النهضة الإثيوبي على النيل الأزرق، على بُعد نحو 30 كيلومتراً من الحدود السودانية، ويُعد أحد أكبر مشاريع الطاقة الكهرومائية في إفريقيا. غير أن أهميته تتجاوز كونه مشروعاً توليدياً، إذ يقوم على المصدر الرئيسي لتدفقات النيل نحو مصر، والذي يمدها بما يتراوح بين 55% و60% من مواردها المائية. وبحسب البيانات الرسمية الإثيوبية، يبلغ ارتفاع السد نحو 145 متراً، بطول يقارب 1780 متراً، وسعة تخزينية تصل إلى 74 مليار متر مكعب، مع قدرة إنتاجية تُقدّر بنحو 5150 ميجاوات—أرقام تعكس ثقلاً هندسياً واضحاً.

لكن هذا الحجم نفسه هو ما يعيد طرح الإشكالية الأساسية: التحكم في هذه الكتلة من المياه لا يقتصر على توليد الكهرباء، بل يمنح قدرة مباشرة على إعادة تشكيل التدفق الطبيعي للنهر، بما يحوّل السد من مشروع تنموي إلى عامل مؤثر في توازن الموارد المائية على امتداد دول المصب.

الاستقرار أولوية قصوى 

حجم السد، وقربه الجغرافي من السودان، وسعته التخزينية الكبيرة—كلها عوامل تجعل استقراره مسألة أمن مباشر لدولتي المصب، السودان ومصر. فالمخاطر هنا لا تتوقف عند حدود المنشأة، بل تمتد إلى سيناريوهات عابرة للحدود، حيث قد يتحول أي خلل هيكلي إلى موجة فيضانية واسعة التأثير، تتجاوز موقع السد لتطال البنية التحتية والمناطق المأهولة على امتداد مجرى النيل.

في الحالة المصرية، تتضاعف الحساسية. النيل ليس مجرد مصدر رئيسي للمياه، بل المصدر شبه الوحيد، إذ يوفر أكثر من 97% من الاحتياجات المائية، يأتي نحو 85% منها عبر النيل الأزرق—النهر ذاته الذي أُقيم عليه السد.

وينبع هذا النهر من المرتفعات الإثيوبية، حيث تتجمع كميات ضخمة من الأمطار الموسمية بين يونيو وسبتمبر، لتشكل ما يُعرف بالفيضان الإثيوبي، الذي يصل إلى السودان ثم مصر عادة خلال أغسطس وسبتمبر. هذا النمط كان مستقراً نسبياً لعقود، قبل أن يدخل عامل “الإدارة البشرية للتدفق” على المعادلة.

من الإيقاع الموسمي إلى الهيدروليك

على مدى عقود، حافظ النيل الأزرق على نمط تدفق شبه مستقر، ما أتاح لدول حوض النيل بناء دورات زراعية وإدارة مائية قائمة على إيقاع موسمي يمكن التنبؤ به. غير أن هذا النمط بدأ يتغير مع التشغيل المنفرد لسد النهضة.

منذ بدء الملء الأول في 2020، سجلت محطات القياس في السودان ومصر تحولات واضحة في توقيت وكثافة التدفقات: تراجع في ذروة الفيضان خلال بعض السنوات، وتأخرها في سنوات أخرى، وهو ما انعكس مباشرة على مواعيد الزراعة وكفاءة تشغيل السدود السودانية، خصوصاً الروصيرص وسنار.

هذا التحول لا يُقرأ كاختلال عابر، بل كإعادة تشكيل للنظام الهيدرولوجي نفسه. فبدلاً من التدفق الطبيعي المرتبط بموسم الأمطار، باتت المياه تُخزن بكميات كبيرة ثم يُعاد إطلاقها وفق متطلبات توليد الكهرباء داخل إثيوبيا.

في هذا السياق، شهدت مصر في 2025 أنماط فيضان غير مألوفة، وُصفت في بعض التقديرات بأنها “فيضانات ناتجة عن تدخل بشري”، نتيجة تغير آليات التحكم في التدفق، ما تسبب في أضرار زراعية وخسائر اقتصادية، إضافة إلى اضطراب توقيتات الموسم الزراعي.

تساؤلات حول متانة السد

رغم تأكيدات إثيوبية متكررة بشأن متانة سد النهضة، تتزايد مؤشرات تدفع نحو إعادة تقييم هذا الافتراض. فحجم المياه المخزنة، في بيئة جيولوجية نشطة نسبياً، يفتح الباب أمام فرضية ارتباط السد بنشاط زلزالي قد يؤثر على استقراره الهيكلي.

هذا الجدل تصاعد مع دراسة نُشرت عام 2026 في المجلة الدولية للحد من مخاطر الكوارث، أشارت—استناداً إلى تحليل صور الأقمار الصناعية—إلى مؤشرات على تسرب كميات كبيرة من المياه من خزان السد، مع تقديرات تصل إلى نحو 41 مليار متر مكعب.

في اتجاه مماثل، خلصت دراسة أخرى منشورة في International Journal of Disaster Risk Reduction، بمشاركة فريق بحثي دولي، إلى وجود تسربات إلى باطن الأرض، مصحوبة بتشوهات في جسم السد.

لكن الصورة لا تزال غير محسومة. تقديرات فنية أخرى تضع حجم التسرب عند مستويات أقل بكثير، في حدود 6.5 مليار متر مكعب، ما يعكس تبايناً واضحاً في قراءة البيانات، ويؤكد أن المسألة لا تزال في نطاق التقدير العلمي، لا الحسم النهائي.

مخاوف جيولوجية مصرية

في القراءة المصرية، لا يُفصل الجدل حول تسرب المياه عن السياق الجيولوجي الأوسع. الدكتور محمد عيد عبد المقصود، المستشار السابق بوزارة الموارد المائية والري، يرى أن أي مؤشرات على تسربات كبيرة تعيد طرح سؤال الاستقرار الهيكلي للسد على المدى الطويل، خاصة مع وقوعه ضمن نطاق الأخدود الإفريقي، أحد أكثر الأقاليم نشاطاً تكتونياً.

هذا العامل يضيف طبقة تعقيد إضافية، إذ تشير تقديرات إلى ارتفاع ملحوظ في معدلات الزلازل المسجلة سنوياً في المنطقة، ما يعزز فرضية تفاعل السد مع بيئة جيولوجية غير مستقرة بالكامل.

على مستوى الرصد، يلفت أحمد بهنس الخبير الجيولوجي والباحث المتعاون في المركز القومي للبحوث، إلى أن تقنيات الاستشعار عن بعد باتت تتيح تتبع تغيرات الجاذبية الأرضية فوق خزان السد، وهو مؤشر غير مباشر يمكن استخدامه لرصد التسربات أو فقدان المياه. ووفقاً لتحليل هذه البيانات، ظهرت مؤشرات تستحق المتابعة، وإن لم تصل بعد إلى مستوى الحسم.

لكن هذه المؤشرات تبقى مفتوحة على أكثر من تفسير: قد تعكس تشوهات هيكلية محدودة، أو ببساطة تغيرات جيولوجية طبيعية. وهو ما يجعل تقييمها مرهوناً برصد طويل الأمد، يعتمد على نماذج هيدرولوجية متقدمة وبيانات فضائية مستمرة.

هل مصر والسودان مستعدتان؟

يُطرح سيناريو انهيار سد النهضة ضمن أدبيات الأمن المائي، لكنه-هيدرولوجياً-ليس حدثاً متساوي التأثير على دول الحوض. فحجم المياه المخزنة يعني أن أي انهيار محتمل سيُنتج موجة فيضانية عالية، إلا أن الجغرافيا تعيد توزيع أثرها.

السودان سيكون في خط الصدمة الأول. قربه من السد يجعل أراضيه المسار المباشر للموجة، حيث تتحرك بسرعة عالية وتُحدث ضغطاً هيدرولوجياً كبيراً على المدن والبنية التحتية الواقعة على النيل الأزرق، ما يعني أن الجزء الأكبر من طاقة الفيضان سيُستهلك قبل أن يصل شمالاً.

ومع انتقال الموجة باتجاه مصر، تبدأ شدتها في التراجع تدريجياً. نماذج هيدرولوجية—بما في ذلك تحليلات تناولتها تقارير دولية—تشير إلى أن الأنهار الطويلة تعمل بطبيعتها على تبديد طاقة الفيضانات عبر الاحتكاك والانتشار الجانبي، ما يخفّض ارتفاع الموجة وسرعتها، ويحدّ من حدتها عند وصولها إلى بحيرة ناصر.

لكن نقطة الحساسية لا تكمن في الموجة نفسها، بل في توقيتها. السيناريو الأكثر تعقيداً يتمثل في وصول تدفقات مرتفعة بينما خزان السد العالي عند مستويات قريبة من الحد الأقصى، وهو ما قد يفرض تصريفات طارئة لتخفيف الضغط على المنظومة.

هنا يتحول السد العالي من “حاجز امتصاص” إلى عنصر إدارة أزمة. فقدرته على استيعاب الصدمات مرتبطة بالهامش التخزيني المتاح لحظة الحدث، وهو العامل الحاسم في تقليل المخاطر التشغيلية.

السد العالي: خط الأمان الأول

في هذا السياق، يرى الدكتور عباس شراقي، أستاذ الجيولوجيا والموارد المائية بجامعة القاهرة، أن المخاوف من تأثيرات مباشرة على مصر قد تكون مبالغاً فيها نسبياً، مشيراً إلى أن السد العالي يمثل خط أمان رئيسياً، بفضل قدرته على امتصاص التدفقات المفاجئة.

لكنه يربط هذه القدرة بشرط تشغيلي واضح: فعالية السد العالي في احتواء أي موجة فيضانية تبقى مرتبطة بمستوى التخزين في بحيرة ناصر لحظة الحدث، وهو ما يحدد هامش المناورة المتاح أمام إدارة المياه.

لا يبدو أن الخطر الحقيقي يكمن في سيناريو الانهيار ذاته، بقدر ما يرتبط بطريقة إدارة السد. غياب اتفاق قانوني ملزم يظل العامل الأكثر تأثيراً، خاصة في فترات الجفاف، حيث تتحول آليات التشغيل إلى متغير حاسم في تحديد تدفقات المياه نحو دولتي المصب.