أثار قرار الولايات المتحدة تصنيف تنظيم الإخوان في السودان جماعة إرهابية موجة واسعة من التفاؤل محلياً ودولياً، في ضوء السجل الطويل من الجرائم والانتهاكات التي ارتبطت بالتنظيم، ودوره في تدمير الحياة السياسية والاقتصادية والأمنية في البلاد طوال العقود الثلاثة الماضية.
رغم التفاؤل، حذّر مراقبون من أن يلجأ التنظيم إلى استثمار نفوذه العميق داخل مؤسسات الدولة المدنية والأمنية لإجهاض الفوائد المتوقعة من القرار على المستوى الداخلي، بالتوازي مع محاولة تضليل المجتمع الدولي عبر إعادة التموضع داخل كيانات سياسية وتنظيمية خفية ظل التنظيم يُغرق بها المشهد السياسي السوداني خلال السنوات الأخيرة.
دلالات سياسية وأمنية
اكتسب القرار الذي أصدرته الخارجية الأميركية في التاسع من مارس 2026 زخماً لافتاً، رغم انشغال المجتمع الدولي بالحرب الدائرة في الشرق الأوسط. وذلك نظراً لما يحمله من دلالات سياسية وأمنية، وانعكاساته المحتملة على مسار استعادة الاستقرار في السودان بعد عقود من الدمار يتحمل التنظيم القسط الأكبر منه.
يأمل كثير من السودانيين أن يفتح هذا التصنيف الباب أمام تقليص النفوذ “المدمر” للإخوان، بحسب وصف معارضيه. غير أن المخاوف تتزايد من أن يلجأ التنظيم إلى توظيف واجهاته السياسية الخفية وأذرعه المنتشرة داخل الجيش والأجهزة الأمنية ومؤسسات الدولة المدنية للالتفاف على القرار وتقليل أثره.
يشير مراقبون إلى أن العودة القوية للتنظيم إلى الواجهة جاءت عقب انقلاب قائد الجيش عبد الفتاح البرهان في أكتوبر 2021، الذي أعاد للجماعة جانباً كبيراً من نفوذها الذي فقدته بعد الإطاحة بنظام المؤتمر الوطني – الجناح السياسي للإخوان – في إبريل 2019.
كما تجدر الإشارة إلى أن التنظيم عمل خلال الأشهر الماضية على تعزيز وجوده داخل أجهزة الأمن والاستخبارات والشرطة الأمنية، بالإضافة إلى قوات العمل الخاص، في مسعى لإعادة ترسيخ نفوذه داخل مؤسسات الدولة.
كسر الحلقة الشريرة
ترى أحزاب سياسية ومنظمات مجتمع مدني سودانية أن قرار تصنيف الإخوان المسلمين يمثل نقطة انطلاق مهمة لكسر ما يوصف بـ”الحلقة الشريرة” للتنظيم في البلاد، وذلك منذ استيلائه على السلطة بانقلاب يونيو 1989.
ووفقاً لتحالف القوى المدنية “صمود”، الذي يضم أكثر من مئة حزب وتنظيم مدني ومهني، فإن دعم تصنيف الإخوان تنظيماً إرهابياً لا يستند فقط إلى اعتبارات سياسية، بل ينطلق من كونه خطوة وجودية لإنقاذ السودان من دوامة الانتهاكات والفساد والحروب الأهلية، ووضع حد للانقسامات العميقة التي تعصف بالبلاد.
ويؤكد التحالف أن استمرار العنف المرتبط ببعض أجنحة الإخوان داخل الأجهزة الأمنية والسياسية ظل يمثل عائقاً رئيسياً أمام أي انتقال حقيقي إلى حكم مدني، كما يشكل تهديداً مباشراً للأمن الإقليمي والدولي.
تعطيل مسار الدولة
يعزو خالد عمر يوسف، القيادي في تحالف “صمود” ونائب رئيس حزب المؤتمر السوداني، الزخم الكبير الذي رافق قرار التصنيف إلى حجم الجرائم التي ارتبطت بالتنظيم خلال السنوات الماضية، ودوره في تعطيل مسار الدولة السودانية.
يقول يوسف، إن قرار التصنيف يتسق مع تطلعات ملايين السودانيين الذين ظلّوا، لسنوات طويلة، يسعون إلى إنهاء عقود من الاستبداد والتدمير الممنهج الذي مارسه التنظيم تحت مظلة السلطة العسكرية. ويرى أن الترحيب الذي لقيته الخطوة من دول المنطقة والعالم قد يساهم في بلورة موقف إقليمي ودولي أكثر صلابة في مواجهة تصاعد التطرف والإرهاب، والعمل على وقف الانتهاكات والحروب، وإزالة أبرز العوائق التي تعرقل الوصول إلى السلام في السودان.
ويُعرب يوسف عن تفاؤله بأن يُسهم القرار في دعم الجهود الرامية إلى إنهاء الحرب وإحلال السلام قريباً، وبأنه “لا توجد جهة تستفيد من إطالة أمد الحرب في السودان بقدر ما يستفيد تنظيم الإخوان. ومع عزله وإضعافه تزداد فرص إسكات البنادق وتهيئة الطريق أمام الأمن والاستقرار في البلاد ومحيطها الإقليمي والدولي”.
محاولة التفاف عبر السيطرة الأمنية
خلال الفترة التي أعقبت انقلاب قائد الجيش عبد الفتاح البرهان في الخامس والعشرين من أكتوبر 2021، تحرك التنظيم سريعاً لاستعادة نفوذه داخل المؤسسات الأمنية، في محاولة لرفع كلفة أي مساعٍ مستقبلية لإبعاده عن مفاصل الدولة.
فعندما أطاحت الثورة الشعبية بنظام الإخوان في عام 2019، اكتشف السودانيون حجم الاختراق الذي أحدثه التنظيم داخل مؤسسات الدولة المختلفة، حيث كان يسيطر على قطاعات إدارية وأمنية واسعة.
لكن انقلاب البرهان على الحكومة المدنية التي تشكلت بقيادة عبد الله حمدوك فتح الباب أمام عودة كوادر النظام السابق، إذ جرى خلال تلك الفترة إعادة تعيين الكثير من العناصر الأمنية والإدارية التي كانت قد فُصلت في إطار عمل لجنة إزالة التمكين التي شُكلت بعد سقوط نظام الإخوان.
كما وفرت الحرب المستمرة منذ منتصف إبريل 2023 فرصة إضافية للتنظيم لتعزيز نفوذ كتائبه المسلحة، التي باتت تلعب دوراً مؤثراً في التحكم ببعض مفاصل الأجهزة الأمنية داخل المدن.
خطة مواجهة قرار التصنيف
في هذا السياق يحذر الدكتور علي كيلاني، مدير مركز رصد الصراعات في الساحل الإفريقي، من وجود خطة معدة سلفاً للالتفاف على قرار التصنيف. ويقول: “تتوفر مؤشرات على أن قيادات الإخوان داخل الجيش والمؤسسات الأمنية ومؤسسات الدولة الأخرى عملت منذ فترة على إعداد خطة لمواجهة قرار التصنيف، تقوم على زيادة ضخ عناصر التنظيم داخل الأجهزة الأمنية بهدف إحكام السيطرة على مفاصل الدولة”.
ويضيف: “استفاد التنظيم من شبكاته الأمنية لإعادة التموضع داخل مؤسسات الدولة، مستغلاً المناخ الذي أوجده انقلاب البرهان، والذي سمح بعودة آلاف العناصر التي أُبعدت عقب سقوط النظام في 2019”. مرجحاً أن يلجأ التنظيم إلى ما يصفه بتكتيك “الإعاقة من الداخل”، أي استخدام وجوده داخل المؤسسات لتعطيل الضغوط الدولية التي تستهدف حليفه داخل السلطة.
تغيير المسميات وصناعة الواجهات
يُعد تغيير المسميات التنظيمية وصناعة الواجهات السياسية أحد أبرز التكتيكات التي استخدمها تنظيم الإخوان في السودان عبر تاريخه الطويل، خصوصاً في اللحظات التي يواجه فيها عزلة سياسية أو رفضاً شعبياً واسعاً.
ومنذ ظهوره في السودان في أربعينيات القرن الماضي، مرّ التنظيم بعدة تحولات تنظيمية وأسماء مختلفة، بدأت بحركة التحرير الإسلامي، مروراً بتنظيم الإخوان المسلمين، ثم جبهة الميثاق الإسلامي، فالجبهة الإسلامية القومية، وصولاً إلى حزب المؤتمر الوطني الذي تفرع عنه لاحقاً حزب المؤتمر الشعبي في تسعينيات القرن الماضي.
في بداياته ظهر التنظيم في صورة شبكات محدودة وصغيرة، لكن سرعان ما توسع وعزّز نفوذه داخل مؤسسات الدولة، وخاصة الأجهزة الأمنية والعسكرية، بهدف تمهيد الطريق للوصول إلى السلطة. وقد استخدم تلك الشبكات في تنفيذ أول محاولة انقلابية عام 1959، أي بعد ثلاث سنوات فقط من استقلال السودان عن الحكم البريطاني عام 1956.
المؤسسة العسكرية ومراكز النفوذ
رغم فشل تلك المحاولة، استمرت جهود التنظيم للوصول إلى السلطة، حتى نجح في تنفيذ انقلاب عام 1989 بقيادة عمر البشير، الذي حكم البلاد لمدة ثلاثين عاماً. ومع تصاعد الرفض الشعبي لوجوده في المشهد السياسي، خاصة بعد ثورة 2019، لجأ التنظيم إلى أسلوب العمل عبر واجهات سياسية وتنظيمية مختلفة، مدعوماً في ذلك من بعض مراكز النفوذ داخل المؤسسة العسكرية.
من بين هذه الواجهات مجموعات عُرفت لاحقاً باسم “مجموعة الموز”، وضمت حركات مسلحة موقعة على اتفاق جوبا للسلام، إلى جانب أحزاب صغيرة كانت موالية لنظام الإخوان قبل سقوطه.
شبكة اجتماعية واسعة
كما تشير تقارير إلى أن التنظيم عمل، في أعقاب الحرب الحالية، على بناء شبكة اجتماعية واسعة تضم منظمات وجمعيات دعوية وخيرية، إلى جانب مجموعات من المؤثرين في المجتمع، من بينهم فنانين وصحفيين ونجوم كرة قدم. ومن المرجح أن يلجأ التنظيم إلى استخدام هذه الشبكات والواجهات في محاولة للحفاظ على حضوره السياسي داخلياً والتأثير على الرأي العام خارجياً.
غير أن علي كيلاني، مدير مركز رصد الصراعات في الساحل الإفريقي يرى أن قدرة التنظيم على المناورة قد تراجعت بشكل ملحوظ، في ظل انكشاف كثير من شبكاته وواجهاته خلال السنوات الأخيرة، إضافة إلى تركيز التصنيف الأميركي على استهداف الشبكات والكتائب المرتبطة به. ويرى أن ذلك قد يقلص من قدرة التنظيم على استخدام أسلوب التضليل الذي اعتمد عليه طويلاً في مواجهة الضغوط السياسية والدولية.















