منذ انقلابه على السلطة المدنية التي تشكلت في أعقاب الإطاحة بنظام البشير المرتبط بالإخوان المسلمين عام 2019، لا يزال عبد الفتاح البرهان ينفي بشدة أي نفوذ للجماعة داخل الجيش والأجهزة الأمنية، لكن محاولاته تلك لم تصمد أمام دلائل قوية تؤكد تغلغل التنظيم العميق في المؤسسة الأمنية والعسكرية واختطاف قرارها تماماً.
يُثير ذلك تساؤلات مهمة حول وضعية المؤسسات الحسّاسة في ظل تصنيف التنظيم جماعة إرهابية وفقاً للقرار الصادر عن الخارجية الأميركية في التاسع من مارس/آذار، والكيفية التي سيتعامل بها المجتمع الدولي مع القطاع العسكري السوداني في ظل هيمنة الإخوان المصنفين إرهابياً عليه.
مُحاولات إنكار يُكذبها الواقع
يصف محمد نور، الأمين العام للقيادة المركزية العليا لضباط وصف ضباط وجنود القوات المسلحة والشرطة المتقاعدين، إنكار الهيمنة الكبيرة للإخوان على الجيش بأنها محاولات يكذبها الواقع الفعلي للجيش الذي تعرض لعملية تجريف واسعة شملت آلاف الضباط وضباط الصف خلال العامين الأولين من استيلاء الإخوان على السلطة في العام 1989، بينهم 1200 ضابط أي ما يعادل 6 دفعات من خريجي الكلية الحربية، واستبدالهم بعناصر إخوانية متشددة.
يقول نور: “حدثت عملية إحلال واستبدال واسعة على أساس أيديولوجي بحت، ما أثر بشكل مباشر على مهنية وقومية القوات المسلحة والأجهزة الأمنية، وحوّلهما مع مرور الوقت إلى جناح مسلح لتنظيم الإخوان”.
ويضيف بأن الشعارات الجهادية التي رُفعت خلال حرب الجنوب في تسعينيات القرن الماضي والحروب التي تلتها في كردفان ودارفور، بالإضافة إلى الظواهر الميدانية التي تصاحب الحرب الحالية، والرفض المستمر لقيادة الجيش للحلول والمبادرات الدولية، تؤكد جميعها حجم اختطاف تنظيم الإخوان للمؤسسة العسكرية وهيمنته عليها.
يُحذّر نور من خطورة التوجه الحالي الرامي إلى دمج مجموعات إخوانية متشددة داخل الجيش وفقاً لما أعلنه ياسر العطا، مساعد قائد الجيش، في الأسبوع الأول من مارس. ويُلخص خطورة ذلك التوجه بالقول: “عملية الدمج التي تحدث عنها العطا تشمل كتيبة البراء ودرع السودان وكتائب إخوانية أخرى متهمة بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وأدرجت الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي عدداً من قادتها في قائمة العقوبات، محاولة دمج هذه القوات في الجيش ستعزز هيمنة الإخوان والنظرة إلى الجيش بوصفه مؤسسة أيديولوجية”.
هيمنة كاملة للكتائب العقائدية
رغم تجذر الوجود الإخواني داخل الجيش منذ تسعينيات القرن الماضي، إلا أن الحرب الحالية أبرزت ذلك الوجود بشكل أكبر، حيث تزايد نفوذ الكتائب الإخوانية، خصوصاً كتيبة البراء. ووفقاً لضابط رفيع في الخدمة حالياً، فإن هيمنة الكتائب والعناصر الإخوانية على الجيش ظلّت مصدر قلق كبير دفع بالعديد من الضباط إلى التحذير من توريط الجيش في مستنقع قد يهدد كامل البنية العسكرية.
ونشر ناشطون خلال الفترة الأخيرة عدة مقاطع مصورة تُظهر مقاتلين بلباس عسكري يرددون شعارات دينية وجهادية. وأقرت كتيبة البراء، على لسان أحد قياداتها، بأنها تحصل على تسليحها وتدريبها من الجيش، مشيراً إلى علاقة قتالية قديمة بين الكتيبة والجيش. وفي العديد من المقاطع ظهر قائد هذه الكتيبة، المصباح طلحة، في وضعية تؤكد نفوذه حتى في أوساط كبار ضباط الجيش.
زادت الوضعية النافذة لكتيبة البراء، وغيرها من الكتائب الإخوانية، من تآكل الثقة الداخلية في الجيش، وعززت الانطباع بأن هذه المؤسسة أصبحت حزبية وابتعدت كثيراً عن النهج القومي والمهني المطلوب.
تبعات خطيرة جراء الارتباط الوثيق
يضع تصنيف الإخوان جماعة إرهابية الجيش أمام تحديات وجودية وقانونية بالغة التعقيد. الخطر الأكبر على الجيش يكمن في المخاوف التي قد تثيرها عقيدة مقاتلي الجيش، وما يمكن أن تترتب عليها من تحفظات دولية وإقليمية في ظل الأوضاع الجيوسياسية والأمنية الحالية في المنطقة.
في هذا الصدد، أكد تقرير حديث لمعهد “غاتستون”، ذو التأثير الواسع على صناعة القرار الأميركي، بأن تصريحات العناصر الإخوانية التابعة للجيش تعكس جوهر العقيدة الإيرانية العدائية. وفي إشارة إلى المخاوف من الوجود الكبير للإخوان في الجيش السوداني، دعا المعهد إلى أن تكون جماعة الإخوان هي التالي في حرب الإرهاب بعد القضاء على الخطر الإيراني.
يقول الصحفي والمحلل السياسي محمد المختار: تصنيف إخوان السودان كياناً إرهابياً في ظل علاقاتهم بالحرس الثوري الإيراني يجعل النظرة إلى الجيش تركز أكثر على إطار التهديدات الإقليمية والدولية العابرة للحدود. ويوضح: “استمرار الربط العضوي سيؤدي بلا شك إلى تعامل المجتمع الدولي مع الجيش كمظلة لجماعة منبوذة ومصنفة إرهابية، وكأداة سياسية أيديولوجية، وهذا بدوره يؤدي إلى زيادة الضغوط الدبلوماسية لإعادة هيكلة المؤسسة العسكرية، وفرض عقوبات وحظر على التسليح والتدريب”.
ويحذر المختار من أن يضعف اعتماد القوات المسلحة على كتائب أيديولوجية موازية، مصنفة جماعة إرهابية تراتبية، القيادة والسيطرة عليها، ما قد يخلق انقسامات داخل الجيش، ويرهن قراره لجماعات خارجية. ويضيف: “الخطر الحقيقي يتجاوز الربط بين الإخوان والجيش إلى ترسيخ الانطباع الدولي بأن الأخير جزء من مشروع أيديولوجي ومحور إقليمي، وذلك بعد التأييد العلني للعناصر الجهادية الإخوانية التي تتسيد المشهد في السودان لإيران، والدعوة للانخراط في القتال ضد أميركا وإسرائيل”.
اختبار الشرعية الدولية
في ظل هذه المعطيات المتشابكة، تبدو المؤسسة العسكرية السودانية أمام اختبار حاسم يتعلق بهويتها ودورها في مستقبل الدولة. فاستمرار الاتهامات بوجود نفوذ أيديولوجي داخل الجيش، بالتوازي مع تصنيف جماعة الإخوان كياناً إرهابياً من قبل وزارة الخارجية الأمريكية، قد يدفع المجتمع الدولي إلى إعادة النظر في طبيعة علاقاته مع المؤسسة العسكرية في السودان.
وبين ضغوط الحرب الداخلية وتعقيدات البيئة الإقليمية، يتوقف مستقبل الجيش إلى حد كبير على قدرته على استعادة طابعه القومي والمهني، وفك الارتباط مع أي تنظيمات أيديولوجية، تجنباً لمزيد من العزلة السياسية والعقوبات الدولية التي قد تعمّق أزمة البلاد.


