قراءة تحليلية

العلمانية بين الأمن والحرية: كيف تحمي الدولة المدنية نفسها من الأصولية دون المساس بالحقوق؟

بقلم آدمز وايت
بقلم آدمز وايت

لم تعد العلمانية مجرد خيار أيديولوجي، بل أصبحت ضرورة أمنية وحقوقية لاستقرار الدول في عصر الاستقطاب الحاد. وهو ما يدعو إلى تفكيك الاشتباك الراهن بين مقتضيات السيادة المدنية وتصاعد الضغوط الأصولية التي كشفت أحداث عام 2025 هشاشتها وقوتها في آن واحد. لا يكمن التحدي الحقيقي في “قمع” التعبير الديني، بل في حوكمة الفضاء العام، بحيث يظل “المُقدس” حقاً فردياً محمياً، من دون أن يتحول إلى “سلطة موازية” تُقوض المساواة الدستورية.

إن أي اختلال في الميزان يفتح ثغرة مزدوجة، فتضييق غير منضبط يمنح الفاعلين الراديكاليين “لغة مظلومية” جاهزة للتعبئة والتجنيد، ويحوّل الدولة إلى خصمٍ يُعرَّف أخلاقياً قبل أن يُعرَّف قانونياً. وفي المقابل، فإن التراخي في حماية الأسس المدنية يترك نوافذ تشريعية تُستغل لتفكيك فكرة المواطنة عبر قوانين “شرعية” تُعيد إنتاج اللامساواة تحت ستار الدين أو “الأخلاق العامة”.

الرهان، عملياً، ليس في القسوة ولا في اللين، بل في الانضباط. قيود منصوص عليها قانوناً، وضرورية لحماية مصلحة مجتمعية واضحة، ومتناسبة مع الخطر، وغير تمييزية، وقابلة للطعن أمام قضاء مستقل. هذا هو الحدّ الأدنى لضمان بقاء العلمانية إطاراً جامعاً، لا شعاراً ظرفياً.

إشكالية التوصيف التشريعي

يُمثل الفصل الدقيق بين “التديّن”، بوصفه حقاً محمياً فردياً أو جماعياً، وبين “الأصولية” بوصفها أيديولوجية راديكالية تسعى إلى الاستيلاء على المجال العام، التحدي التشريعي الأبرز في مسار بناء الدولة المدنية. فبينما يندرج التدين ضمن دائرة الحريات الشخصية المكفولة دستورياً، تُعرف الأصولية السياسية من خلال ممارسات تتجاوز الاعتقاد إلى محاولة تقويض العقد الاجتماعي؛ ويبرز ذلك في ادعاء الوصاية على “الحقيقة العامة” لفرضها تشريعاً، ونزع الشرعية عن مبادئ التعددية والمساواة، وتحويل الانتماء للجماعة إلى بديل للهوية الوطنية (المواطنة)، وصولاً إلى تسويغ التمييز أو العنف لتقويض أركان الدولة الحديثة.

تكمن الخطورة المنهجية هنا في استخدام صياغات قانونية فضفاضة من قبيل “مواجهة التطرف” أو “حماية القيم” أو “تجريم إهانة المقدسات”، إذ تفتح هذه المصطلحات المطاطية باباً واسعاً للتعسف السلطوي. وغياب التوصيف القانوني المنضبط يحول الدولة من “دولة قانون” إلى “دولة مزاج”، بما يؤدي بالضرورة إلى تآكل الثقة العامة وإضعاف المناعة المدنية، وهي حائط الصد الحقيقي ضد الفكر الراديكالي.

وعليه، يتمثل المعيار العملي الآمن في اعتماد مقاربة “الاستهداف السلوكي” بدل “الاستهداف الهوياتي”. فالدولة المدنية لا تلاحق القناعات أو الأفكار بذاتها، بل تركز أدواتها العقابية على السلوك المجرَّم قانوناً، مثل التحريض المباشر، ممارسة العنف، التمويل غير المشروع، أو التمييز الممنهج. ويضمن هذا التحول، من محاكمة النوايا إلى تقييم الأفعال المشفوعة بأدلة مادية قابلة للمراجعة القضائية المستقلة، حماية المجال العام دون المساس بجوهر الحريات الأساسية.

من الانكشاف الأمني إلى التحصين المدني

تكمن إحدى أكبر مغالطات السياسات المعاصرة فيما يمكن تسميته “فخ الأمننة”، حيث تتحول استراتيجيات مكافحة الأصولية، في غياب الضمانات الحقوقية، إلى وقود يغذي التطرف بدل تقويضه. فالتوسع في الرقابة القائمة على الاشتباه بالهوية أو المظهر، واللجوء إلى الاحتجاز المطول خارج إطار المحاكمة العادلة، يقوّضان مبدأ المساواة وتآكل قرينة البراءة.

كما أن تقييد المجال المدني وتجريم العمل الأهلي بذريعة الأمن، يُخلي الساحة للفاعلين السريين والشبكات الراديكالية للعمل بعيداً عن الرقابة، ويؤكد ذلك أن فعالية مكافحة العنف السياسي مرتبطة بمدى امتثالها للمعايير الحقوقية الدولية؛ فدون شرعية إجرائية، تصبح السياسات الأمنية مجرد أدوات لتوليد الارتداد العكسي.

وفي ما يتعلق بحرية التعبير، تواجه الدولة العلمانية اختباراً دقيقاً يتمثل في التصدي للخطاب الإقصائي ونزع الإنسانية، من دون الانزلاق إلى رقابة سياسية شاملة تطال المعارضة السلمية. وهنا تبرز المعايير الدولية القائمة على “اختبارات الضرورة والتناسب”، بحيث يقتصر التقييد على التحريض المباشر المرتبط بضرر مادي واضح، وليس على “الآراء الصادمة” أو النقد الديني. 

مع انتقال هذا الخطاب إلى الفضاء الرقمي، تتعاظم الحاجة إلى حوكمة المنصات عبر أدوات الشفافية والتعاون التقني المنضبط، بعيداً عن نموذج “رقابة الدولة الشاملة” الذي قد يجهض النقاش العام.

أما على صعيد الشرعية الاجتماعية، فإن تمدد الأصوليات يعكس، في كثير من الحالات، فشلاً مؤسساتياً في سد الفراغات التي تتركها الدولة في مجالات الإغاثة والتعليم والعدالة الاجتماعية. وتظل المواجهة الأمنية في هذه الحالة تظل قصيرة النفس؛ فالعلمانية ليست نصوصاً دستورية جافة، بل “قدرة مؤسساتية” قوامها قضاء مستقل وإدارة عادلة وتعليم عمومي قوي يبني ولاءً دستورياً قائماً على الثقة لا الخوف. ويقتضي ذلك فصلاً حاسماً بين حماية الدين بوصفه حقاً أصيلاً للضمير والعبادة، ومنع توظيفه كسلاح سياسي أو أداة تعبئة ضد قيم المساواة والدولة المدنية، مع تجنب وصم جماعات بعينها لتفادي خلق سرديات اغتراب يسهل استغلالها في التجنيد.

سياسات الاستقرار المستدام

لتحقيق الانتقال من حالة “الاستثناء الدائم” والقوانين الطارئة التي تضعف شرعية الدولة، يتعين اعتماد مقاربة قائمة على تشريعات دقيقة تستهدف السلوك الإجرامي الملموس والتمويل غير المشروع، بعيداً عن المفردات المطاطية. وتشكل “الوقاية المدنية” الركيزة الأساسية لهذا المسار، عبر تعزيز مهارات التفكير النقدي، وحماية المجتمع المدني كشريك في الرقابة، وضمان استقلال القضاء بوصفه المرجع الوحيد لاختبار قانونية الإجراءات الأمنية.

يتمثل جوهر العلمانية في فصل الدين عن الدولة لضمان حياد مؤسسات السيادة، مع بقائه حاضراً في المجتمع كقيمة هوياتية محمية. كما أن سياسات الدمج والمساواة، ومكافحة التمييز ضد النساء والأقليات، ليست ملفات هامشية، بل “كواسر دورة” فعلية للتطرف. ومن خلال حوكمة رقمية شفافة، والتركيز على الشبكات الجرمية لا الكتل الدينية، يمكن للدولة المدنية استعادة دورها ضامناً للاستقرار ومنصة جامعة لكل مواطنيها.

نماذج الاختبار القاسي للدولة العلمانية

لا تُختبر متانة الدولة العلمانية في نصوصها الدستورية فحسب، بل في قدرتها على إدارة “لحظات الاستفزاز” وصدمات الاستقطاب من دون التنازل عن معاييرها الليبرالية. وتقدم تجارب أوروبية وتونسية حديثة أمثلة مركبة على كيفية تحول السياسات الأمنية إلى أدوات للتحصين أو للتآكل.

في السويد، كشفت أحداث عام 2025 (قضية ستوكهولم) عن تحول نوعي في المقاربة القضائية، إذ انتقلت المحاكم من حماية “الفعل الاستفزازي” بوصفه حقاً مطلقاً، إلى إدانة “التحريض ضد جماعة”، معتبرة أن تدنيس الرموز الدينية قد يتجاوز نقد المعتقد ليصبح استهدافاً لكرامة المواطنين. ومع ذلك، تبقى الحدود القضائية عاجزة عن منع الاستقطاب الأمني الذي تغذيه الأطراف الراديكالية. 

أما في الدنمارك، فجاء الخيار تشريعياً عبر تجريم “التدنيس”، وهو ما يثير سؤالاً حقوقياً جوهرياً حول إعادة الدولة إدخال مفهوم “حماية المقدسات” من بوابة الأمن القومي. ورغم أن هذا المسار يخفف المخاطر الدبلوماسية، فإنه يواجه انتقادات تتعلق بإمكانية فتح الباب لتمييز إثني مقنّع، لا سيما عند ربطه بسياسات اندماج انتقدت قضائياً.

فخ “الأمننة الاجتماعية”

تُظهر الإحصاءات الرسمية لبرنامج “بريفنت” Prevent في المملكة المتحدة (نوفمبر 2025) اتجاهاً مقلقاً نحو “تضخم الوقاية”؛ إذ باتت الشبكة الأمنية تلتقط حالات مرتبطة بالصحة النفسية أو التنوع العصبي بدلاً من الأيديولوجيا الصرفة، مع تركز ملحوظ في الفئات العمرية الصغيرة (11-15 عاماً). ويؤدي غياب الشفافية في هذه البرامج إلى تحويلها أداة “مراقبة اجتماعية” تُحدث أثراً مُبرِّداً على حرية التعبير وتعمق فجوة الثقة بين الدولة والمجتمعات المحلية، بما يؤكد أن الوقاية بلا موارد اجتماعية حقيقية تظل حلاً إدارياً قاصراً عن معالجة جذور العنف.

بينما تتبنّى ألمانيا نموذج “الدولة العلمانية الدفاعية” عبر حظر تنظيمات تهدد النظام الدستوري، تبقى كلفة هذا النموذج رهينة شفافية الأدلة المتاحة للجمهور لضمان عدم تحول الحظر إلى إجراء رمزي يغذي العمل السري. في المقابل، يبرز القضاء الإداري الفرنسي كصمام أمان ضد “العقوبات الجماعية”، إذ يؤكد إلغاء قرارات إدارية بإغلاق دور عبادة بناءً على اتهامات مرسلة أن الدولة اللائكية لا تمارس سلطة مطلقة خارج سيادة القانون.

“الأمن” أداة تجريف سياسي

في السياق العربي، تقدم الحالة التونسية خلال عام 2025 تحذيراً واضحاً من استخدام قوانين مكافحة الإرهاب وتهم “التآمر” لتصفية الخصوم السياسيين والحقوقيين. ولا يضعف هذا النهج المعارضة فحسب، بل يقوّض الدولة نفسها، إذ يفقد القانون شرعيته الأخلاقية ويتحول إلى أداة انتقام. ويؤدي ذلك إلى فتح المجال أمام موجات تطرف جديدة تنشأ من شعور الظلم وغياب العدالة الإجرائية، بما يثبت أن الأمن القومي الحقيقي لا يتحقق إلا بقضاء مستقل وضمانات محاكمة عادلة.