حمل البيان الختامي للمؤتمر الإفريقي لتعزيز السلم في نواكشوط، رسائل سياسية تتجاوز البعد القيمي إلى مقاربة مباشرة لأزمات القارة، وفي مقدمتها مالي، حيث برز ملف المصالحة الوطنية بوصفه المدخل الحاسم لإعادة بناء الدولة واستعادة الثقة.
البيان أكد أن تصاعد مظاهر اليأس والإحباط بين شباب إفريقيا بات يشكل بيئة خصبة للتطرف والعنف والهشاشة المجتمعية، داعياً إلى تحويل “الأمل” من شعار أخلاقي إلى سياسة عامة مؤسسية قابلة للقياس والمتابعة.
الأمل كخيار سياسي لا وعظ أخلاقي
شدد البيان على أن “الأمل ليس قيمة نفسية وجدانية فحسب، بل طاقة روحية وأخلاقية تُبنى عليها مسؤولية اجتماعية وسياسية”، في إشارة واضحة إلى ضرورة ربط الخطاب القيمي بإصلاحات عملية تعالج جذور الأزمات.
ودعا إلى إنتاج مقاربات شاملة تعالج العوامل العميقة للنزاعات، مع تحسين الربط بين السلم والعدالة والكرامة الإنسانية، واعتبار التنمية وسيلة ضرورية لتحقيق هذه الغايات، مؤكداً أن الدولة الوطنية تظل الإطار الجامع لإدارة الاختلافات وصون الاستقرار.
كما لفت إلى أن الهجرة غير النظامية “ليست قضية أمنية فحسب”، بل نتيجة لتراكمات اقتصادية واجتماعية ونزاعات مسلحة وانسداد الأفق، ما يفرض معالجة متعددة الأبعاد.
ديكو: المصالحة أولوية سياسية لمالي
في هذا السياق، قدّم الإمام المالي محمود ديكو قراءة سياسية مباشرة للوضع في بلاده، معتبراً أن الحديث عن الأمل في مالي “ليس طرفاً خطابياً بل ضرورة وجودية”. وربط ديكو بين خلاصات المؤتمر والحاجة إلى مصالحة وطنية شاملة، مشدداً على أن النزاعات المتعاقبة خلّفت “جراحاً عميقة في الذاكرة الجماعية”، وأن تجاوزها يتطلب مساراً يقوم على العدالة الانتقالية والاعتراف بالضحايا وحوار وطني جامع.
كما أوضح أن المصالحة في مالي “ليست مجرد اتفاقات سياسية”، بل إعادة صياغة للعلاقة بين الدولة ومكوناتها الاجتماعية، بما يعيد بناء الثقة ويؤسس لاستقرار طويل الأمد.
من منصة فكرية إلى ضغط سياسي
المؤتمر، الذي انعقد برئاسة العلامة عبدالله بن بيه، رئيس منتدى أبوظبي للسلم، أوصى بالانتقال من مستوى التنظير إلى “استصناع السياسات”، عبر تعزيز دور العلماء والمؤسسات الدينية في نشر ثقافة السلم ونزع الشرعية الدينية عن العنف، مع الدعوة إلى إنشاء شبكة إفريقية لعلماء السلم لدعم الوساطات المحلية.
بينما جاء البيان بصيغة قارية شاملة، عكست كلمة ديكو محاولة لإسقاط هذه الرؤية على المشهد المالي تحديداً، حيث تتقاطع التحديات الأمنية مع أزمة الثقة السياسية، ما يجعل المصالحة الوطنية شرطاً لأي مسار إصلاحي جاد.















