بقلم محرر الشؤون الإفريقية: على مهاجر
بقلم محرر الشؤون الإفريقية: على مهاجر

مقالات مشابهة

أفريقيا

من مواجهة الجماعات المسلحة إلى ضبط المنابر.. دول الساحل تعيد رسم حدود النفوذ الديني والاجتماعي

بقلم محرر الشؤون الإفريقية: على مهاجر
بقلم محرر الشؤون الإفريقية: على مهاجر

بعد سنوات من التركيز على المواجهة العسكرية والأمنية، تشدد حكومات في منطقة الساحل الأفريقي بصورة متزايدة الرقابة على المجالين الديني والاجتماعي، عبر إجراءات طالت أئمة ودعاة وجمعيات ومؤسسات ذات حضور واسع في مالي والنيجر وبوركينا فاسو.

تقول السلطات إن هذه الخطوات تندرج في إطار حماية الاستقرار ومنع الانقسامات والتطرف وتعزيز الرقابة على الفضاء العام، فيما تعكس التطورات الأخيرة تحولاً أعمق في نظرة الدولة إلى المؤسسات الدينية باعتبارها أحد الفاعلين المؤثرين في تشكيل الرأي العام والحشد الاجتماعي.

أئمة تحت المجهر

في بوركينا فاسو، أثار اعتقال الإمام محمد إسحاق كيندو خلال الأشهر الماضية موجة واسعة من الجدل، خصوصاً بعد إغلاق المسجد السني الكبير في واغادوغو، واعتقال عدد من المحتجين على توقيفه.

ولم تعد القضية مجرد ملف أمني أو قضائي، بل تحولت إلى نقاش أوسع حول حدود العلاقة بين السلطة والمؤسسات الدينية، ودور الأئمة الذين يتمتعون بقدرة متزايدة على التأثير داخل المجتمعات المحلية.

يقول متابعون للشأن الديني في المنطقة، إن الحكومات باتت تنظر بحساسية أكبر إلى الشخصيات الدينية التي تمتلك قواعد جماهيرية واسعة، خاصة في ظل التراجع المستمر لثقة قطاعات من السكان بالمؤسسات السياسية التقليدية.

منابر أكثر رقابة

في النيجر، اتخذت السلطات إجراءات جديدة لتنظيم المجال الديني شملت منع المبيت في المساجد والمدارس القرآنية ضمن ترتيبات أمنية أعلنتها الحكومة.

كما قررت هيئات دينية محلية في أغاديز منع ثلاثة دعاة من إلقاء الخطب والدروس الدينية، معتبرة أن بعض خطاباتهم ومواقفهم قد تسهم في إثارة الانقسامات داخل المجتمع. وتعكس هذه الإجراءات اتجاهاً متنامياً نحو مراقبة الخطاب الديني وتنظيمه بصورة أكثر إحكاماً، مع منح المؤسسات الدينية الرسمية دوراً أكبر في الإشراف على المنابر والأنشطة الدعوية.

في هذا السياق، يقول دبلوماسي نيجري سابق عمل لسنوات في دول الخليج وتحتفظ “غلوبال ووتش عربية” باسمه، إن السلطات في المنطقة “لم تعد تنظر إلى المساجد والجمعيات باعتبارها فضاءات دعوية واجتماعية فقط، بل باتت تتعامل معها كساحات مؤثرة في معركة الشرعية وكسب الرأي العام”.

وتشير معطيات رصدتها “غلوبال ووتش” إلى أن عدداً من حكومات الساحل بات يمنح المؤسسات الدينية الرسمية دوراً أكبر في الإشراف على المنابر والأنشطة الدعوية، بالتوازي مع توسيع أدوات الرقابة القانونية والإدارية على الجمعيات والهيئات ذات الحضور الشعبي الواسع.

الجمعيات الإسلامية بين الأمن والتنظيم

بالتوازي مع ذلك، شهدت بوركينا فاسو خلال الفترة الأخيرة حل مئات الجمعيات والمنظمات في إطار مراجعات قانونية وإدارية واسعة، فيما شهدت مالي إجراءات مماثلة طالت شخصيات وأجساماً ذات حضور ديني وسياسي بارز.

ويبرز ملف الإمام محمود ديكو في مالي بوصفه أحد أبرز الأمثلة على تداخل الدين والسياسة في المنطقة، بعدما تحول رجل الدين المؤثر إلى أحد أبرز الأصوات المنتقدة للسلطات قبل أن يغادر البلاد إلى المنفى وتتعرض الحركة المرتبطة به للحل.

ورغم أن هذه الإجراءات لا تستهدف الجمعيات الإسلامية بصورة مباشرة أو شاملة، فإنها تعكس اتجاهاً واضحاً نحو إخضاع المجال الديني والاجتماعي لمستويات أعلى من الرقابة والتنظيم، سواء عبر القوانين أو التراخيص أو المؤسسات الرسمية المشرفة على الشأن الديني.

هاجس الاختراق وكسب الحاضنة

من جانبه، يرى الإعلامي والباحث النيجري محمد ماسّا أن تشديد الرقابة على الأئمة والدعاة والجمعيات الإسلامية يرتبط أيضاً بالتحولات التي تشهدها الجماعات الجهادية في المنطقة، موضحاً أن “بعض هذه الجماعات لم تعد تركز فقط على العمل العسكري، بل تسعى إلى بناء حاضنة اجتماعية عبر الوساطة المحلية وتقديم نفسها كبديل قادر على إدارة شؤون المجتمعات”.

وخلال السنوات الأخيرة، أظهرت جماعات مسلحة في مالي وبوركينا فاسو والنيجر اهتماماً متزايداً بإدارة النزاعات المحلية وفرض أنماط من الحوكمة الموازية وتقديم خدمات أو تسويات اجتماعية، في محاولة لتعزيز حضورها داخل المجتمعات الريفية والنائية.

كما اتجهت بعض هذه الجماعات إلى توسيع خطابها المحلي والتركيز على قضايا العدالة والنزاعات المجتمعية، بدلاً من الاكتفاء بالشعارات الأيديولوجية أو العسكرية، وهو ما دفع السلطات إلى التعامل بحذر أكبر مع الفضاءات الدينية والاجتماعية التي تضم أعداداً كبيرة من الشباب والمتدينين.

وتخشى حكومات المنطقة من أن تتحول بعض الفضاءات الاجتماعية والدينية إلى ساحات تأثير أو استقطاب غير مباشر، في ظل سعي الجماعات المسلحة إلى توسيع نفوذها خارج الميدان العسكري التقليدي.

كما تشير تجارب دولية وإقليمية إلى أن المنافسة بين الدولة والجماعات المسلحة لم تعد تقتصر على السيطرة الميدانية، بل باتت تشمل أيضاً كسب الشرعية الاجتماعية والنفوذ داخل المجتمعات المحلية، وهو ما يفسر جانباً من تشديد الرقابة على المؤسسات الدينية والجمعيات الأهلية في عدد من دول الساحل.

بين الأمن والحريات

يحذر باحثون في المقابل من الخلط بين العمل الديني الأهلي المشروع والجماعات المسلحة، مؤكدين أن غالبية الجمعيات الإسلامية في المنطقة تنشط في مجالات التعليم والإغاثة والعمل الاجتماعي والدعوي السلمي.

ويرى هؤلاء أن نجاح سياسات الاستقرار لا يتوقف على الرقابة والإجراءات الأمنية وحدها، بل يتطلب أيضاً الحفاظ على فضاء ديني ومدني معتدل قادر على القيام بدوره الاجتماعي والتربوي بعيداً عن الاستقطاب والتسييس.

في ظل هذه التحولات، تبدو دول الساحل أمام مرحلة جديدة من إعادة تشكيل العلاقة بين الدولة والمؤسسات الدينية، حيث لم تعد المعركة تقتصر على مواجهة التهديدات المسلحة، بل امتدت إلى صراع أكثر تعقيداً يتعلق بالنفوذ الاجتماعي وإدارة المجال الديني وصناعة الشرعية داخل المجتمعات المحلية.