في تحول دراماتيكي ينقل المواجهة بين واشنطن وكاراكاس من ساحات الدبلوماسية والخطابات السياسية المتشنجة إلى أروقة المحاكم الفيدرالية الباردة والمعقدة، كشفت ملفات المحكمة الفيدرالية للمنطقة الجنوبية من نيويورك (SDNY) عن الخطوة الأكثر استراتيجية التي اتخذها الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو حتى الآن.
استعان مادورو بالمحامي الأمريكي البارز باري بولاك لقيادة فريق دفاعه، في خطوة تقرأها الأوساط القانونية في نيويورك على أنها محاولة لتحويل مسار القضية من “محاكمة سياسية لزعيم دولة” إلى “نزاع قانوني فني” يعتمد على تكتيكات الدفاع في جرائم “الياقات البيضاء”.
قدم بولاك الإثنين 5 يناير/كانون الثاني إشعاراً رسمياً بدخوله القضية، حاملاً معه إرثاً قانونياً يمتد لأكثر من ثلاثة عقود، تخصص خلالها في الدفاع عن المتهمين في القضايا المالية المعقدة، والتحقيقات الفيدرالية الحساسة، والشخصيات العامة التي تواجه أزمات وجودية أمام النظام القضائي الأمريكي. ولا يُعد اختيار بولاك مجرد توكيل لمحامٍ بارع، بل هو استدعاء لـ “جنرال” قاعات المحاكم الذي يجيد التعامل مع الخصوم الفيدراليين الشرسين.
هندسة البراءة في القضايا المستحيلة
لفهم سبب اختيار مادورو لبولاك، يجب العودة إلى السجل التاريخي لهذا المحامي في قضايا الشركات الكبرى والجرائم المالية، والمعروفة بـ”جرائم الياقات البيضاء”. تتسم هذه القضايا بأن الأدلة فيها ليست بصمات أو أسلحة، بل أطنان من الوثائق المالية، ورسائل البريد الإلكتروني، والتحويلات البنكية المعقدة التي تتطلب عقلية تجمع بين القانون والمحاسبة الجنائية.
تُعد قضية انهيار شركة الطاقة العملاقة “إنرون” (Enron) هي الجوهرة في تاج بولاك المهني. ففي الوقت الذي تساقطت فيه رؤوس المديرين التنفيذيين وأدين 22 شخصاً في واحدة من أكبر فضائح الشركات في التاريخ الأمريكي، تمكن بولاك من تحقيق “المستحيل”. لقد تولى الدفاع عن المحاسب السابق في الشركة، مايكل دبليو كراوتز، وخاض معركة شرسة ضد الحكومة الفيدرالية انتهت بتبرئة موكله، ليكون من القلائل الذين خرجوا من تلك المحرقة بلا إدانة.
تكتسب هذه الخلفية أهمية قصوى في قضية مادورو؛ فالتهم الموجهة للرئيس الفنزويلي، وإن كانت تتعلق بـ”إرهاب المخدرات”، إلا أنها مصاغة قانونياً في إطار “المؤامرة” و”غسل الأموال” و”الفساد المؤسسي”، وهي نفس الآليات التي تعمل بها قضايا الياقات البيضاء المعقدة. وهنا يستند الدفاع إلى ما وصفه مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) سابقاً حول طبيعة القضايا التي يتصدى لها بولاك، وتحديداً في ملف “إنرون”، بأنها: “أكثر تحقيقات جرائم الياقات البيضاء تعقيداً في تاريخ المكتب، وتشابكاً في الأدلة المالية والإدارية”.
النفس الطويل والتفاوض السياسي
لم يقف طموح مادورو عند الخبرة المالية لبولاك، بل امتد لجاذبيته كخبير في القضايا ذات البعد السياسي والدولي. ولعل الاسم الأكثر ارتباطاً ببولاك في السنوات الأخيرة هو جوليان أسانج، مؤسس موقع “ويكيليكس”. فقد أثبت بولاك من خلال هذا الملف قدرته على إدارة أزمات قانونية عابرة للحدود، ومواجهة ضغوط وزارة العدل الأمريكية والمؤسسات الاستخباراتية.
نجاح بولاك في التفاوض على “اتفاق إقرار بالذنب” لصالح أسانج في يونيو/حزيران الماضي، والذي أدى لإطلاق سراحه بعد سنوات من الملاحقة، يرسل إشارة واضحة بأن استراتيجية الدفاع عن مادورو قد لا تقتصر على المواجهة، بل قد تشمل فتح قنوات تفاوض قانونية معقدة لتقليل الأضرار. ويصف التقرير هذا الدور المحوري لبولاك مع أسانج قائلاً: “استمر بولاك في تمثيله عبر محطات مفصلية، من بينها نشر رسائل الديمقراطيين واتهامات عهد ترامب، منهياً مساراً قضائياً شائكاً امتد قرابة 15 عاماً بصفقة قانونية حاسمة”.
استراتيجية “تفكيك الشهود”: السلاح السري
يرجح الخبراء القانونيون أن يعتمد بولاك في دفاعه عن مادورو على استراتيجية كلاسيكية في قضايا الياقات البيضاء والجريمة المنظمة، وهي “تدمير مصداقية الشهود المتعاونين”. ففي غياب أدلة مادية مباشرة تربط رئيس دولة بصفقة مخدرات محددة، يعتمد الادعاء الأمريكي عادة على شهادات منشقين، أو جنرالات سابقين، أو تجار مخدرات معتقلين يسعون لتخفيض أحكامهم مقابل الوشاية بـ “الرأس الكبير”.
يمتلك بولاك مهارة جراحية في استجواب هؤلاء الشهود أمام هيئة المحلفين، وإظهار تناقضاتهم، وكشف دوافعهم الشخصية للكذب. وقد تجلى ذلك بوضوح في قضية صديقه المحامي جوناثان جيفريس، الذي برأته هيئة المحلفين من تهم اعتداء جنسي بفضل براعة بولاك في تفكيك رواية المدعية. كما يمتد هذا النهج لعمله التطوعي (Pro Bono) في قضايا القتل، حيث ساهم في تبرئة مارتن تانكليف الذي قضى 17 عاماً في السجن ظلماً، بعد أن أثبت بولاك فساد الأدلة وشهادات الزور، بل وانتزع له تعويضاً ضخماً تجاوز 13 مليون دولار.
المشهد القانوني في سطور
إن تأسيس بولاك لمكتبه الجديد في العاصمة واشنطن عام 2023 مع شريكته آدي شميت، وتوسيع نشاطه ليشمل القضايا الدولية، يجعله في وضع مثالي لإدارة ملف بحجم ملف مادورو. فالمعركة القادمة في نيويورك لن تكون حول الشعارات الثورية، بل ستدور حول الصلاحيات الدستورية، والحصانة السيادية، وتفنيد التحويلات المالية، وضرب مصداقية الشهود.
وبينما يستعد المحامي المخضرم مارك دونيلي للدفاع عن السيدة الأولى سيليا فلوريس، فإن الأنظار تتجه صوب باري بولاك، الذي سيحاول تكرار “معجزة إنرون” و”صفقة أسانج” في قضية قد تكون هي الأعقد والأخطر في مسيرته المهنية، محاولاً إثبات أن أدوات محامي الياقات البيضاء قادرة على تفكيك أعتى التهم الجنائية، حتى لو كان المتهم رئيساً مطلوباً.















