الجزائر - فتيحة بوروينة
الجزائر - فتيحة بوروينة

مقالات مشابهة

ثقافة اجتماعية

من “الحايك” إلى الحجاب.. كيف تحوّل جسد المرأة الجزائرية إلى ساحة دائمة لصراع الهوية

الجزائر - فتيحة بوروينة
الجزائر - فتيحة بوروينة

من “الحايك” الذي ارتبط بذاكرة المقاومة في مواجهة الاستعمار الفرنسي، إلى الحجاب الذي يُشعل اليوم سجالات على مواقع التواصل، على خلفية ظهور وزيرة في الحكومة الجزائرية الحالية دون غطاء الرأس المعتاد، لا يبدو الجدل حول قطعة قماش توضع فوق الرأس فقط. بل يطرح سؤالاً أوسع: لماذا لا تزال المرأة الجزائرية، بعد عقود من التعليم والعمل والمشاركة السياسية، تُستدعى في كل مرة لتكون الحاملة الرمزية الوحيدة لمعاني الهوية والدين والأصالة؟ ولماذا يُحمَّل لباسها وحده ما لا يُحمَّله المجتمع كله من مسؤولية الحفاظ على القيم والانتماء؟

ظل “الحايك”، طوال قرون، أحد أبرز رموز المرأة الجزائرية. لم يكن مجرد لباس، بل كان جزءاً من هوية ثقافية وحضارية كاملة. كانت المرأة تضعه عند خروجها من البيت، سواء في المدن الكبرى أو في مناطق حضرية وريفية بتسميات مختلفة. وبقي “الحايك” حاضراً حتى خلال سنوات الثورة التحريرية، إذ تحوّل في بعض السياقات إلى رمز للمقاومة الوطنية في مواجهة محاولات الاستعمار الفرنسي إعادة تشكيل المجتمع الجزائري وفق النموذج الثقافي الفرنسي.

تحولات اجتماعية عميقة

غير أن اختفاء “الحايك” التدريجي لم يحدث بسبب الاستعمار وحده، بل ارتبط أيضاً بتحولات اجتماعية عميقة عرفتها الجزائر بعد الاستقلال. فخروج المرأة إلى العمل، واتساع التعليم، ودخول الجامعة، وتغير أنماط التنقل والحياة اليومية، كلها عوامل جعلت هذا اللباس التقليدي أقل ملاءمة للواقع الجديد.

هنا تظهر مفارقة لافتة: فبينما تراجع “الحايك” باعتباره اللباس التاريخي للمرأة الجزائرية، برزت في العقود الأخيرة، بالتزامن مع صعود تيارات الإسلام السياسي وتأثيرات دينية وثقافية عابرة للحدود، أشكال جديدة من الحجاب. ومع الوقت، أصبح كثيرون يربطون بين الحجاب وهذه الأشكال الحديثة أكثر مما يربطونه بالتراث المحلي نفسه. والمفارقة أن التخلي عن “الحايك” يُنظر إليه غالباً باعتباره تطوراً اجتماعياً عادياً، بينما يُنظر إلى نزع الحجاب اليوم باعتباره حدثاً صادماً.

الحجاب مرآة الأزمة 

في كل مرة يعود الجدل حول الحجاب، يبدو أن المجتمع لا يناقش قطعة قماش بقدر ما يناقش نفسه، أي علاقته بالحداثة والتقاليد، وبالحرية الفردية والسلطة الجماعية، والأهم من ذلك، بحق الاختلاف داخل المجال العام. ولذلك فإن حدة النقاش لا تعكس بالضرورة أهمية الموضوع الديني فقط، بل تعكس أيضاً التوترات الكامنة داخل المجتمع بشأن مكانة المرأة وحدود استقلاليتها.  

ما يزعج البعض ليس دائماً قرار ارتداء الحجاب أو نزعه في حد ذاته، بل فكرة أن تكون المرأة صاحبة القرار. هنا لا يكون السؤال الأهم: هل الحجاب فرض أم اختيار؟ فهذا سؤال ظل مطروحاً منذ عقود، ولكل طرف أدلته واجتهاداته، وإنما السؤال الذي يستحق التأمل حقاً هو: لماذا لا يزال المجتمع يتعامل مع خيارات المرأة الشخصية باعتبارها شأناً عاماً يحق للجميع التدخل فيه؟ ولماذا تتحول المرأة، في كل مرة تقريباً، إلى الساحة التي تُخاض عليها معارك الهوية والدين والأخلاق والحداثة؟ 

عند هذه النقطة تحديداً، يتجاوز النقاش قضية الحجاب نفسها، ليصبح نقاشاً حول قدرتنا كمجتمع على التعايش مع الاختلاف، وعلى الاعتراف بأن الإيمان والالتزام والهوية قضايا أكثر تعقيداً من أن تختزل في مظهر واحد أو خيار فردي واحد.

لباس المرأة كقضية عامة

من اللافت أن قرارات النساء المتعلقة بلباسهن تتحول باستمرار إلى موضوع للنقاش الجماعي، بينما نادراً ما تثير خيارات الرجال الشخصية المستوى نفسه من المتابعة والجدل. فكلما ارتدت امرأة الحجاب أو خلعته، بدا الأمر وكأنه حدث يتجاوزها ليصبح قضية تخص المجتمع كله. وكأن جسد المرأة لا يزال يُنظر إليه باعتباره فضاءً عاماً يحق للجميع إبداء الرأي فيه، وليس مجالاً خاصاً يرتبط بصاحبة القرار نفسها. 

هنا يبرز سؤال مهم: هل نحن أمام نقاش ديني بالفعل، أم أمام شكل من أشكال الوصاية الاجتماعية التي تجد في المرأة موضوعها المفضل؟ يشبه هذا الجدل إلى حد كبير، الجدل الذي تلى تصريحات حفيدة الشيخ محمد البشير الإبراهيمي، الدكتورة خولة طالب الإبراهيمي، حين كشفت أن نساء عائلة الإبراهيمي لم يكنّ مجبرات على ارتداء الحجاب، رغم المكانة الدينية والفكرية الكبيرة التي احتلها جدها في تاريخ الحركة الإصلاحية الجزائرية. لقد هزّت هذه التصريحات صورة نمطية مستقرة في المخيال العام، صورة تفترض أن رموز الإصلاح الديني في الجزائر كانوا يتعاملون مع مسألة الحجاب بالطريقة نفسها التي يتخيلها البعض اليوم!

إنتاج نسخة موحدّة من النساء

لعل أكثر ما كشفه هذا الجدل، أن المجتمع ما زال يفاوض المرأة على حقها في أن تكون نفسها. فبينما يُفترض أن تكون الأخلاق والدين قيماً تُقاس بالسلوك والضمير والعمل، ما تزال المرأة تُختبر أولاً عبر صورتها الخارجية. وما تزال فئات واسعة من “حراس النموذج” تتعامل مع مظهرها باعتباره خط الدفاع الأخير عن هوية تتصور أنها مهددة دائماً. 

وهكذا يتحول اللباس إلى بطاقة تعريف أخلاقية، وتتحول المرأة إلى معيار يُصنَّف من خلاله الناس بين الصلاح والطلاح. غير أن المجتمعات الواثقة من نفسها لا تخشى تعدد الصور، ولا تربط قيمتها بقدرتها على إنتاج نسخة واحدة من النساء، بل بقدرتها على احترام الاختلاف دون أن تفقد تماسكها أو يقينها بذاتها.