تقرير إخباري

من إسبانيا إلى الجزائر: المخدرات ذهاباً والمهاجرون إياباً نموذج ينعش اقتصاد “الرحلات المزدوجة” في غرب المتوسط

بقلم محمد الكرمي
بقلم محمد الكرمي

لم يكن أكثر ما يميز الشبكة التي فككتها السلطات الإسبانية عدد الموقوفين، ولا حجم الأموال التي حققتها، بقدر ما كان نموذج التشغيل الذي اعتمدته عبر غرب البحر المتوسط. فالزوارق السريعة كانت تغادر السواحل الإسبانية محملة بالمخدرات الصناعية، وبينها أقراص “إكستاسي”، متجهة إلى الجزائر. وفي رحلة العودة، لم تكن المساحة المتاحة على متنها تبقى بلا عائد، بل كانت تُستخدم لنقل عشرات المهاجرين نحو إسبانيا وجزر البليار.

بهذه الآلية، أصبحت الرحلة البحرية الواحدة تخدم سوقين غير مشروعين، وتوزع تكلفة الزورق والمحرك والوقود والطاقم على أكثر من نشاط. وما يبدو في الخبر الأمني مجرّد عملية تهريب مزدوجة، يكشف عند تفكيكه نموذجاً لوجستياً أكثر كفاءة في استغلال الأصول والطرق البحرية.

وتقدم القضية مثالاً واضحاً على اتجاه رصدته أجهزة إنفاذ القانون في غرب المتوسط خلال السنوات الأخيرة، حيث تتقاطع شبكات تهريب المهاجرين مع تجارة المخدرات وغسل الأموال، وتتشارك أحياناً القوارب والتمويل والاتصالات ومسارات الحركة نفسها.

الزورق كأصل لوجستي

وفقاً للتحقيقات الإسبانية، اعتُقل 78 شخصاً وصودرت 18 سفينة وزورقاً سريعاً، فيما تُتهم الشبكة بتنفيذ ما لا يقل عن 64 عملية تهريب نقلت خلالها أكثر من ألفي مهاجر، وحققت عائدات تجاوزت 24 مليون يورو.

وكان بعض المهاجرين يدفعون مبالغ تصل إلى نحو 14 ألف دولار أمريكي مقابل الرحلة، فيما تستطيع بعض الزوارق حمل عشرات الأشخاص في المرة الواحدة. لكن أهمية الأرقام لا تقتصر على حجم الأرباح. ففي النموذج الذي كشفت عنه التحقيقات، لم تكن الرحلة البحرية أحادية العائد. الزورق نفسه الذي ينقل المخدرات إلى الجزائر يُعاد تشغيله في الاتجاه المقابل لنقل المهاجرين إلى إسبانيا.

وهذا يغير اقتصاديات الرحلة، فشراء زورق سريع وتجهيزه بمحركات قوية، وتأمين الوقود والطاقم والاتصالات والصيانة، يمثل تكلفة مرتفعة لأي شبكة إجرامية. وعندما يستطيع المشغل استخدام الأصل نفسه في نشاطين خلال دورة بحرية واحدة، يصبح من الممكن توزيع هذه التكلفة على مصدرين مختلفين للدخل.

لا تعني هذه المعادلة أن كل رحلة تحقق بالضرورة هامش ربح أعلى، إذ لا تتوافر بيانات تفصيلية عن تكاليف التشغيل أو الخسائر التي تتحملها الشبكة. لكنها توضح كيف يمكن لإعادة استخدام البنية البحرية نفسها أن تزيد العائد المحتمل من الاستثمار في الزوارق والطاقم والمسار. والقيمة الحقيقية للزورق، في هذه الحالة، لا تأتي من الحمولة التي ينقلها مرة واحدة، وإنما من قدرته على خدمة تدفقات غير مشروعة مختلفة بحسب اتجاه الرحلة.

شبكة لوجستية  

تكشف القضية أيضاً أن دمج النشاطين لا يقتصر على وضع مخدرات في اتجاه ومهاجرين في الاتجاه الآخر. ما يجعل النموذج أكثر تعقيداً هو أن الجريمتين تعتمد كل منهما على البنية التشغيلية نفسها تقريباً: شراء القوارب والمحركات، تخزين الوقود، اختيار نقاط الانطلاق والوصول، وتوفير الطواقم، إدارة الاتصالات، وتحريك الأموال وتأمين فرق الدعم الموجودة على اليابسة.

وبذلك لا تعود قيمة الشبكة محصورة في الأشخاص الذين يقودون الزوارق، فقبطان القارب هو الحلقة الظاهرة فقط في سلسلة تحتاج إلى ممولين، ومشترين للمعدات، ومشرفين على الحركة، ومسؤولين عن الاتصالات، وأشخاص يديرون الأموال أو يوفرون أماكن التخزين والإيواء. هذه البنية تفسر لماذا لا يكفي قياس نجاح العمليات الأمنية بعدد المعتقلين وحده.

تمثّل مصادرة 18 زورقاً خسارة تشغيلية مباشرة، وتوقيف عشرات الأشخاص يعطل قدرة الشبكة على تنفيذ الرحلات. لكن السؤال الأكثر أهمية هو حجم ما استطاعت التحقيقات الوصول إليه من البنية المالية واللوجستية التي سمحت بشراء تلك القوارب وتشغيلها أصلاً.

إذا بقي التمويل ومسارات شراء المعدات وشبكات الدعم متاحة، فإن استبدال بعض الطواقم أو الزوارق يظل ممكناً. أما الوصول إلى هذه الحلقات، فيرفع كلفة إعادة بناء الشبكة نفسها.

الجزائر وإسبانيا 

وجود الجزائر في قلب القضية لا يعني ظهور طريق جديد عبر غرب المتوسط، فالسلطات الإسبانية والأوروبية وثقت خلال السنوات الأخيرة عمليات متعددة انطلقت فيها قوارب من السواحل الجزائرية نحو إسبانيا، كما كشفت تحقيقات سابقة عن استخدام الخط نفسه في أنشطة تجمع بين تهريب المهاجرين والمخدرات.

الجديد في العملية الحالية هو الحجم، ووضوح الاستثمار المنهجي للاتجاهين داخل الدورة التشغيلية نفسها، فبدلاً من النظر إلى خط الجزائر–إسبانيا باعتباره ممراً تستخدمه فقط مجموعات تنقل مهاجرين نحو أوروبا، تظهر القضية أن الطريق يمكن أن يعمل كفضاء لوجستي تتحرك عبره سلع وأشخاص في اتجاهين مختلفين، وهذا يمنح الشبكات الإجرامية ميزة مهمة: الطريق الذي أُنشئت له معرفة ميدانية مسبقة لاستخدامه في نشاط معين يمكن إعادة توظيفه في نشاط آخر.

إن الخبرة بنقاط الانطلاق والوصول، والظروف البحرية، واحتياجات الوقود، وقدرات الزوارق ومسارات الحركة لا تختفي عند تغير نوع الحمولة. وما تستثمر فيه الشبكة فعلياً ليس القارب وحده، بل المعرفة التشغيلية بالطريق كله.

أما وجود جزيرة إيبيزا ضمن الوجهات التي استخدمتها الشبكة، فيوسع نطاق عملياتها إلى جزر البليار، لكنه لا يسمح وحده باستنتاج سبب اختيار الجزيرة، فالمعلومات المعلنة لا تكشف ما إذا كان القرار مرتبطاً بالمسافة أو الرقابة أو الطلب على المسار أو بعوامل تشغيلية أخرى. وما يمكن إثباته هو أن الشبكة لم تحصر نشاطها في الساحل الإسباني القاري، بل امتلكت قدرة على تشغيل مسارات متعددة داخل غرب المتوسط.

تفكيك الشبكة لا يلغي الحوافز

تمثل العملية الإسبانية ضربة كبيرة لقدرات شبكة تمكنت، وفق التحقيقات، من نقل أكثر من ألفي شخص وتحقيق عشرات الملايين من اليوروهات. لكن حجم الضربة الأمنية لا يجيب وحده عن السؤال المتعلق باستدامة السوق، فشبكات التهريب تعمل داخل بيئة توفر لها مصدرين مستمرين للدخل: سوق المخدرات من جهة، وأشخاص مستعدون لدفع مبالغ كبيرة للوصول إلى أوروبا خارج القنوات النظامية من جهة أخرى.

وطالما استمرت هذه الحوافز، فإن فقدان شبكة أو مسار أو مجموعة من القوارب لا يعني بالضرورة اختفاء الطلب الذي أنتجها. لذلك يتحول التحدي الأمني من اعتراض القوارب فقط إلى فهم اقتصاد الشبكة التي تضعها في البحر.

يشمل ذلك متابعة مصادر تمويل شراء الزوارق والمحركات، ومسارات الأموال، وشركات أو وسطاء المعدات البحرية، ومخازن الوقود، وشبكات الاتصال والدعم الموجودة على جانبي المتوسط، إلى جانب التعاون القضائي والاستخباراتي بين الدول المعنية، فالزورق الذي تصادره الشرطة قابل للاستبدال إذا بقي المال والموردون والمسار والطواقم متاحين. أما تعطيل هذه العناصر مجتمعة فيصيب القدرة التي تسمح للشبكة بإعادة إنتاج نفسها.

تكمن هنا القيمة الأوسع للعملية الإسبانية، فهي لا تثبت أن جميع شبكات غرب المتوسط انتقلت إلى نموذج موحد يجمع المخدرات والمهاجرين، لكنها تقدم نموذجاً واضحاً لكيف يمكن لسوقين إجراميين مختلفين أن يلتقيا حول الأصل اللوجستي نفسه. وسيكون المؤشر الأهم على نجاح التحقيقات التالية هو ما إذا كانت ستتجاوز الموقوفين والقوارب إلى ممولي العمليات ومسارات الأموال وسلاسل شراء المعدات. عند هذه الحلقة تحديداً يتقرر ما إذا كانت العملية قد عطلت مجموعة من المهربين، أم أصابت القدرة التي جعلت اقتصاد الرحلة المزدوجة ممكناً من الأساس.