بقلم محرر الشؤون الإفريقية: على مهاجر
بقلم محرر الشؤون الإفريقية: على مهاجر

مقالات مشابهة

تقرير سياسي

“مكتب الكُرّار”: البنك المركزي الخفي لـ”داعش” وتمويل تمدّده من الصومال إلى الساحل الإفريقي وأفغانستان

بقلم محرر الشؤون الإفريقية: على مهاجر
بقلم محرر الشؤون الإفريقية: على مهاجر

في أعالي جبال “عِل مِسكاد” الوعرة شمال شرقي الصومال، حيث تتفوّق قسوة الطبيعة على أي قانون بشري، لا يتردد صدى الرصاص فحسب، بل أيضاً صدى النقرات على لوحات مفاتيح أجهزة مشفرة تدير ملايين الدولارات. هنا، في هذا الفراغ الجغرافي الذي يبدو معزولاً عن العالم، وُلِد ما يعرف بـ “مكتب الكرّار”.

لم يعد “الكرّار” مجرّد فرع محلي لجمع الأموال، بل أصبح أشبه بـ “بنك مركزي” للتنظيم، يدير التدفقات المالية من مناجم الذهب في الساحل الإفريقي غرباً إلى جبال أفغانستان شرقاً.

التحوّل هنا لا يقتصر على حجم الأموال، بل يشمل طبيعة الوظيفة: من جمع موارد ميدانية إلى إدارة مركزية للسيولة تمكّن التنظيم من إعادة توزيع التمويل بين فروعه وفق أولويات العمليات الميدانية.

لماذا الصومال؟ إعادة التموضع بعد الانحسار 

بينما كان العالم يتابع انحسار ما سُمّيت بـ “دولة الخلافة” في سوريا والعراق، كان التنظيم يعيد تموضعه بهدوء في القرن الإفريقي. واختيار الصومال لم يكن عشوائياً؛ فموقعها الجيوسياسي المطل على خليج عدن وقربها من ميناء “بوصاصو” الحيوي وفّرا بيئة مثالية لدمج الاقتصاد النقدي التقليدي بالتقنيات المالية الحديثة العابرة للحدود.

يعتمد “الكرّار” في مقره الصومالي على سيادة الأمر الواقع وفرض الإتاوات الصارمة على الشركات الكبرى ومزوّدي خدمات الأموال عبر الهاتف في بوصاصو. وتشير الأرقام الاستخباراتية الموثقة إلى أن هذا الفرع، الذي يبدو صغيراً نسبياً من حيث عدد المقاتلين، استطاع تحصيل نحو 2.5 مليون دولار في عام 2021 وحده، بينما بلغت إيراداته في النصف الأول من عام 2022 نحو 2 مليون دولار.

هذه الملايين لا تبقى حبيسة الخزائن الحديدية في الكهوف؛ بل تُغسل عبر شبكة معقدة من الواجهات التجارية وشركات الاستيراد والتصدير، لتصبح جاهزة لإعادة الضخ في عروق التنظيم العالمية.

الساحل الإفريقي: منجم الذهب ومسرح الدم

لكن القصة لا تكتمل دون النظر غرباً نحو منطقة الساحل الإفريقي الشاسعة والمضطربة، مالي، النيجر، وبوركينا فاسو. هنا، يبرز الدور المحوري لـ “مكتب الكرّار” كمنسق مالي استراتيجي. وفي الوقت الذي يجني فيه فرع الصومال “الكاش السريع” عبر الابتزاز في الموانئ، يدير فرع الساحل اقتصاداً حربياً هائلاً يعتمد على ركيزتين: السيطرة على مناجم الذهب الحرفية، وسرقة المواشي على نطاق صناعي. ليتحول فرع الساحل إلى القوة الضاربة الأكثر دموية للتنظيم، مسيطراً على مساحات شاسعة تتجاوز مساحة دول بأكملها.

GWA

تكمن عبقرية “الكرّار” الإدارية في ربط هذه الاقتصادات المتباعدة. فهو يعمل كـ “المظلة المالية” التي تضمن أن الثروات الهائلة المستخرجة من رمال الساحل لا تضيع في الفساد المحلي، بل يتم تسييلها وضبطها ضمن الدفاتر المركزية للتنظيم. إن “الكرّار” هو الضامن لاستمرار تدفق الدعم اللوجستي لجنود الساحل، وهو المستفيد الأكبر من قدرتهم على التمويل الذاتي، ما يتيح له توجيه الفائض المالي نحو جبهات أضعف مثل موزمبيق أو الكونغو.

من الحوالة إلى “تيدر”: رقمنة الخلافة

يكمن سر خطورة “الكرّار” واستمراريته في مرونته المالية المذهلة. فالمكتب يتقن اللعب على كافة الحبال؛ يستخدم نظام “الحوالة” التقليدي الذي يعتمد على الثقة والكلمة الشرفية لنقل السيولة عبر الحدود الإفريقية الهشّة، وفي الوقت نفسه، يقتحم عالم العملات الرقمية بجرأة.

تشير تقارير شبكة مكافحة الجرائم المالية الأمريكية لعام 2025 إلى أن المكتب يرسل شهرياً قرابة 25,000 دولار إلى “ولاية خراسان” في أفغانستان باستخدام العملات المستقرة المشفرة مثل “تيثر” Tether، في مناورة تقنية تتجاوز أحدث أنظمة الرقابة المصرفية الدولية. هذا المزج بين “ذهب الساحل”، و”نقد الصومال”، و”عملات الإنترنت”، يخلق شبكة مالية هجينة يصعب تفكيكها.

لكن التحول الأكثر إثارة للقلق في عام 2025، هو الصعود الصاروخي لعبد القادر مؤمن، زعيم فرع الصومال وأمير مكتب “الكرّار”، إلى هرم السلطة العالمية للتنظيم. ورغم الجدل الاستخباراتي المستمر حول لقبه الرسمي كـ”خليفة”، إلا أن الواقع الميداني والمالي يؤكد أن نفوذه على “الخزنة المركزية” منحه سلطة فعلية تتجاوز أي لقب شرفي.

ترقية القدرات: جيل الطائرات المسيرة

يُترجم المال الوفير في يد “الكرّار” إلى تفوق ميداني مرئي. ففي عام 2025، لم تعد هجمات التنظيم، سواء في الساحل أو الصومال، تعتمد على الانتحاريين التقليديين بأسلحة خفيفة فقط، بل انتقل التنظيم إلى استخدام الطائرات المسيرة التجارية “درونز”، والمعدّلة لمهام الاستطلاع الدقيق والهجوم الجوي، بالإضافة إلى تمويل عمليات استقدام مقاتلين أجانب مخضرمين من المغرب وتونس واليمن.

هذا الاحتراف العملياتي المتصاعد هو الثمرة المباشرة لـ “خلافة مالية” استطاعت أن تحول الفقر والفوضى في إفريقيا إلى منصة مستدامة لتمويل الإرهاب العالمي. ليبقى “مكتب الكرّار” شاهداً على حقيقة استراتيجية واحدة في حروب القرن الحادي والعشرين: من يُسيطر على “الليدجر” (دفتر الحسابات)، يسيطر في النهاية على الميدان.