تستخدم شبكات الإخوان المدنية والعسكرية نهجاً براغماتياً للحفاظ على نفوذ التنظيم وسلطته، سواء من خلال زيادة حجم التمكين داخل المؤسسة العسكرية أو الانخراط في أنشطة إعلامية وأمنية واقتصادية لخدمة هدف التنظيم الأساسي. وتشرف بعض الواجهات والشبكات على عمليات تهريب واسعة تشمل تجارة الأسلحة وحتى حركة النفط عبر البحر الأحمر.
أجهض التوضيح الذي أصدرته وزارة الخارجية الأميركية في الثاني عشر من مارس/آذار 2026، أي بعد ثلاثة أيام من تصنيفها الإخوان جماعة إرهابية، محاولات مجموعات التنظيم إنكار انتمائها له، وحدّد بصورة واضحة الجهات المشمولة بالقرار.
سجل إداري مُجمّع ومشاورات مكثفة
بعد صدور قرار التصنيف، أكد وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو أنه يشمل كافة أجنحة التنظيم وواجهاته، والأسماء المتعددة التي يُعرف بها، ومنها “الإخوان” و”الحركة الإسلامية” و”كتيبة البراء” وغيرها. وأوضح أن القرار استند إلى مراجعة السجل الإداري المُجمّع ومشاورات مكثفة بين وزارتي الخارجية والخزانة والجهات العدلية.
في الواقع، لطالما تبنّى الإخوان المسلمون، وعلى مدى ثمانية عقود، تكتيك التخفي وراء مجموعة من اللافتات والواجهات بهدف تضليل المجتمعين المحلي والدولي. اليوم، تُوجه انتقادات دولية ومحلية واسعة لقائد الجيش عبد الفتاح البرهان بسبب الخطوات التي قام بها لإعادة تمكين شبكات التنظيم عقب الانقلاب الذي نفذه في أكتوبر 2021.
لم تستطع حتى بعض أبرز قادة التنظيم إنكار ذلك، وهو ما عبر عنه القيادي في الحركة الإسلامية عبد الحي يوسف، الذي تحدى خلال ندوة عقدها في إسطنبول قدرة البرهان على التخلص من الإخوان، وقال: “البرهان أعجز من أن يقضي على الإسلاميين لأنهم موجودون حتى داخل مكتبه”.
هيمنة واسعة على الفضاء المدني في البلاد
رغم إطاحة انقلاب البرهان باللجنة التي أُنشئت لتفكيك شبكات وفساد تنظيم الإخوان عقب سقوط نظامه في عام 2019، إلا أن مسؤولين في اللجنة أكدوا أنهم يحتفظون ببيانات ومعلومات مهمة حول واجهات وشبكات وقوائم عناصر التنظيم، ومستعدون للتعاون مع أي جهة في إطار الجهود الرامية إلى تصنيف الإخوان جماعة إرهابية.
يهيمن التنظيم عبر واجهاته التنظيمية والمهنية على مساحة واسعة من الفضاء المدني في السودان. كما يدير شبكة واسعة من الشركات المنتشرة في الخليج وأوروبا والولايات المتحدة وعدد من البلدان الآسيوية والإفريقية.
وتضم واجهات وشبكات التنظيم المسيطرة حالياً على جهاز الدولة عناصر مدنية وعسكرية، كما تضم شبكة مصالح تشمل تجاراً ومستوردين وأصحاب مصالح في مختلف القطاعات.
واجهات متعددة وشبكة أمنية مدنية متكاملة
تشمل الكيانات المرتبطة بالتنظيم الحركة الإسلامية بكامل تياراتها السياسية والأمنية والعسكرية، وحزب المؤتمر الوطني، الذي مثّل الجناح السياسي الأبرز للتنظيم. كما يرتبط بكيانات اقتصادية تشمل شركات ومؤسسات مالية تعمل كواجهات اقتصادية له داخل السودان وخارجه.
ويعتمد التنظيم على شبكة مجتمعية واسعة من المنظمات والجمعيات الدعوية والخيرية، ومجموعات من المؤثرين تضم فنانين وصحفيين ونجوم كرة قدم. وتستخدم شبكات الإخوان المدنية والعسكرية نهجاً براغماتياً للحفاظ على نفوذ وسلطة التنظيم، سواء من خلال زيادة حجم التمكين داخل المؤسسة العسكرية أو الانخراط في أنشطة إعلامية وأمنية واقتصادية لدعم الهدف الأساسي.
وتشرف بعض الواجهات والشبكات على عمليات تهريب واسعة تشمل تجارة الأسلحة وحتى حركة النفط عبر البحر الأحمر، ما يمنحها قدرة مالية كبيرة تسهم في تعزيز نفوذ التنظيم. وبعد سقوط نظام الإخوان في إبريل 2019، لعبت هذه الشبكات دوراً محورياً في إجهاض التحول المدني وتأزيم الأوضاع الأمنية.
محاولات مستمرة للتأقلم مع المتغيرات
أجبرت التحولات المتلاحقة التي شهدتها الساحة السودانية خلال العقود الماضية تنظيم الإخوان على تغيير مسمياته عدة مرات؛ فمن حركة التحرير الإسلامي إلى تنظيم الإخوان، ثم جبهة الميثاق، ثم الجبهة الإسلامية، وأخيراً حزب المؤتمر الوطني الذي تفرع منه المؤتمر الشعبي في تسعينيات القرن الماضي.
ظهر التنظيم في البداية على هيئة شبكات صغيرة ومحدودة، لكن سرعان ما وسّع قاعدته، وتمكن من بناء شبكات له داخل الأجهزة الأمنية تمهيداً للوصول إلى الحكم. واستخدم تلك الشبكات في تنفيذ أول محاولة انقلابية في العام 1959، أي بعد ثلاث سنوات من استقلال البلاد عن الاستعمار البريطاني في 1956. واستمرت تلك المحاولات الفاشلة حتى العام 1989، عندما نفذ الإخوان بنجاح انقلاباً بقيادة عمر البشير الذي حكم البلاد 30 عاماً.
هل الجيش أحد الواجهات؟
لا يقتصر تأثير تكتيك التخفي وراء اللافتات والواجهات على النطاق المدني فقط، بل تكمن خطورته في التأثير على المؤسسة العسكرية والأمنية. ومنذ استيلائه على السلطة عام 1989، أجرى التنظيم عملية إحلال واستبدال واسعة مكّنت عناصره، بحسب الخبير العسكري والضابط السابق محمد نور، من السيطرة على أكثر من 90% من الرتب القيادية والوسيطة في الجيش. غير أن انخراط التنظيم في المؤسسة العسكرية يتخذ بُعداً آخر أكثر عمقاً يتمثل في النفوذ الكبير للكتائب المسلحة التابعة للتنظيم بشكل مباشر.
ومع كل محاولة لقائد الجيش عبد الفتاح البرهان لإنكار علاقة الجيش بتنظيم الإخوان، تظهر مجموعات بلباس عسكري ترفع شعارات تتبنّى نهج التنظيم الجهادي. ومنها كتيبة البراء، المدرجة ضمن العقوبات الأمريكية، وهي الفصيل الإخواني المسلح الأبرز المتحالف مع الجيش ومجموعات جهادية أخرى لا تقل خطورة أو ارتباطاً بالتنظيم.
فك الارتباط المؤسسي
يشير وزير الخارجية السوداني الأسبق مهدي الخليفة إلى ذلك التشابك بالقول: “تصنيف الولايات المتحدة لتنظيم الإخوان يخلق جملة من المخاطر غير المباشرة على الجيش، حتى وإن لم يكن هو المستهدف قانونياً بالقرار، إذ تشير السوابق الدولية إلى أن المؤسسات التي يُشتبه في ارتباطها بتنظيمات مصنفة إرهابية تصبح عرضة لتقييد التعاون العسكري، وتعليق برامج التدريب، وتشديد الرقابة على التحويلات المالية والتسليحية”.
ويوضح قائلاً: “أي ربط مباشر أو غير مباشر بين الجيش وتنظيم مصنّف إرهابي سيعقّد علاقاته مع الشركاء الدوليين، ويؤدي إلى إعادة تقييم العلاقات مع السلطات القائمة إذا اعتُبر الجيش مظلة سياسية للحركة الإسلامية”. ويشدد الخليفة على أن حماية المؤسسة العسكرية من التداعيات المحتملة تتطلب فك الارتباط المؤسسي مع كافة كتائب وفصائل وواجهات الحركة الإسلامية.
تشابك الدولة مع شبكات التنظيم
في ضوء هذه المعطيات، يبدو أن قرار تصنيف جماعة الإخوان تنظيماً إرهابياً من قبل وزارة الخارجية الأميركية يفتح مرحلةً جديدةً من التدقيق الدولي في بنية الدولة السودانية وشبكات النفوذ المرتبطة بها. فالتشابك بين الواجهات المدنية والاقتصادية والعسكرية للتنظيم يطرح أسئلة معقدة حول مستقبل العلاقة بين السودان وشركائه الدوليين، ولا سيما في مجالات التعاون الأمني والعسكري. وبينما تتزايد الضغوط الإقليمية والدولية، يظل فك الارتباط المؤسسي بين أجهزة الدولة والتنظيمات الأيديولوجية شرطاً أساسياً لاستعادة الثقة الدولية وتهيئة بيئة سياسية أكثر استقراراً في البلاد.


