بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

مقالات مشابهة

إسلام سياسي

صعود شبكات الإسلام الراديكالي في تكساس.. المال والنفوذ في أهم ساحات المواجهة الأمريكية

بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

على امتداد الضواحي الواسعة بين دالاس وهيوستن، حيث تنتشر واحدة من أسرع المجتمعات نمواً في الولايات المتحدة، تتشكل منذ سنوات معركة جديدة حول النفوذ الديني والسياسي. فولاية تكساس، المعروفة تاريخياً بالنفط وقيم المحافظين والتمسك القوي بصلاحيات الولايات، أصبحت أيضاً مركزاً لنقاش أمريكي محتدم حول صعود شبكات إسلامية سياسية، وما إذا كانت بعض هذه الشبكات تحولت إلى أدوات نفوذ عابرة للحدود.

يطلق بعض منتقدي هذه الشبكات، استناداً إلى تقارير صادرة عن مراكز أبحاث محافظة، تعبير “الخلافة التكساسية”، لوصف ما يعتبرونه بناءً تدريجياً لمنظومة مؤسساتية تضم مئات المساجد والمدارس الدينية والمنظمات غير الربحية وشبكات التمويل التي تمنح هذه التيارات حضوراً مجتمعياً واسعاً. ويشير هؤلاء إلى أن تكساس أصبحت إحدى أكبر ساحات انتشار التيارات الإسلاموية في الولايات المتحدة، مستفيدة من النمو السكاني للجالية المسلمة، ومن النظام الأمريكي الذي يمنح المؤسسات الدينية والخيرية مساحة واسعة للعمل وجمع الأموال.

لكن هذا الملف يقع عند تقاطع حساس بين ثلاث قضايا كبرى: حرية الدين، والشفافية المالية، ومخاوف الأمن القومي. فبينما تؤكد المؤسسات الإسلامية الأمريكية أن معظم نشاطها يندرج ضمن العمل الديني والمدني المشروع، يرى منتقدو بعض التيارات السياسية الإسلامية أن عدداً من المنظمات استخدم البنية القانونية الأمريكية لبناء نفوذ أيديولوجي يتجاوز المجال الديني.

المال وراء النفوذ

تشكل الموارد المالية أحد المحاور الرئيسة في الجدل الدائر حول الحضور الإسلامي السياسي في تكساس. فالولاية تضم مئات المساجد والمنظمات غير الربحية، ويقدر عدد المؤسسات الإسلامية فيها بنحو 650 منظمة وفق تقارير بحثية، ما يعكس حجم النمو الذي شهده المجتمع المسلم خلال العقود الماضية.

ويشير تقرير صادر عن “منتدى الشرق الأوسط” إلى أن 213 منظمة إسلامية فقط من هذه المؤسسات قدمت بيانات ضريبية، وأن هذه المجموعة تدير إيرادات سنوية تقدر بمئات الملايين من الدولارات، إضافة إلى أصول عقارية ومالية كبيرة ونفقات خارجية واسعة. ويذهب التقرير إلى أن شبكات محسوبة على الإسلام السياسي تمتلك تأثيراً كبيراً داخل هذا القطاع، وتستفيد من ثقلها المالي لبناء حضور مؤسساتي في مجالات التعليم والخدمات والعمل المجتمعي.

كما يثير التقرير قضية المِنح الحكومية، وبأن جزءاً كبيراً من التمويل العام المخصص لبعض المؤسسات الإسلامية وصل إلى جهات مرتبطة بشبكات إسلاموية. إلا أن هذه الاستنتاجات تبقى محل خلاف، إذ تؤكد منظمات مدنية أن الانتماء الديني أو النشاط الخيري لا يمثل دليلاً بحد ذاته على وجود أجندة متطرفة.

مع ذلك، فإن قوة التمويل أصبحت عاملاً مركزياً في الصراع، لأن المؤسسات التي تمتلك موارد مالية كبيرة تستطيع بناء مدارس، وشراء عقارات، وتطوير شبكات اجتماعية، وتعزيز قدرتها على التأثير في النقاش العام.

شبكات متعددة الاتجاهات

لا ينتمي المشهد الإسلامي في تكساس إلى تيار واحد، بل يضم مدارس فكرية وتنظيمية مختلفة، وهو ما يزيد من تعقيد الصورة.

وتشير تقارير بحثية محافظة إلى وجود شبكات متعددة داخل الولاية، تضم تيارات سلفية، وأخرى “ديوبندية” تنتمي إلى تقليد ديني نشأ في شبه القارة الهندية وانتشر لاحقاً في عدد من المجتمعات الإسلامية حول العالم، إضافة إلى تيارات إسلام سياسي ذات جذور مرتبطة بجماعة “الإخوان المسلمين”، ومؤسسات ذات امتدادات تركية أو إيرانية أو آسيوية.

في منطقة دالاس–فورت وورث، برزت مؤسسات دعوية وتعليمية أصبحت ذات حضور وطني. ويشير “منتدى الشرق الأوسط” إلى معهد “يقين” ومراكز إسلامية أخرى بوصفها جزءاً من البيئة الفكرية التي تستقطب اهتمام الباحثين والمنتقدين. كما يوجه التقرير انتقادات لبعض الشخصيات الدينية بسبب تصريحات أو مواقف يرى معارضوها أنها متشددة، بينما ترفض هذه الجهات تلك التوصيفات، مؤكدة أن خطابها يندرج ضمن النشاط الديني والتعليم المجتمعي.

أما التيار الـ”ديوبندي”، فيرتبط وفق هذه التقارير بشبكة من المدارس والمعاهد الدينية، من بينها مؤسسات تعليمية في منطقة دالاس وهيوستن، تستضيف بعضها شخصيات تحمل أفكاراً متشددة، بينما يؤكد القائمون عليها أن هدفها الأساس هو التعليم الديني وخدمة المجتمع.

وتبرز أيضاً مؤسسات ذات امتدادات خارجية، منها المراكز المرتبطة بالمؤسسة الدينية الإيرانية أو المؤسسات التابعة لرئاسة الشؤون الدينية التركية، ما يفتح نقاشاً إضافياً حول تأثير القوى الخارجية في المجتمعات الدينية داخل الولايات المتحدة.

ملف “حماس” والقضاء

يُعد ملف التمويل المرتبط بحركة “حماس” أحد أكثر الملفات حساسية في النقاش الأمريكي حول المؤسسات الإسلامية. وتعود جذور هذا الجدل إلى قضية “مؤسسة الأرض المقدسة” التي كانت تتخذ من منطقة دالاس مقراً لها، وانتهت العام 2008 بإدانة عدد من مسؤوليها بتهم تتعلق بتقديم دعم مادي لحركة “حماس”، المصنفة منظمة إرهابية من قبل الولايات المتحدة.

أصبحت هذه القضية لاحقاً نقطة مرجعية للجهات التي تحذر من استغلال بعض المؤسسات الخيرية كقنوات لتمويل جماعات سياسية خارجية. وفي المقابل، تحذر منظمات حقوقية ومدنية من استخدام قضايا محددة لتوجيه اتهامات جماعية إلى المؤسسات الإسلامية الأمريكية.

وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2025، فتحت سلطات تكساس جبهة جديدة مع هذا التيار، عندما أعلن الحاكم غريغ أبوت اتخاذ إجراءات ضد “جماعة الإخوان المسلمين” و”مجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية” (كير)، مصنفاً إياهما وفق قانون الولاية “كيانات تستوجب رقابة مشددة”. وقد واجهت هذه الخطوة اعتراضات قانونية من جانب (كير) التي اعتبرت الإجراءات استهدافاً سياسياً وتمييزياً، مؤكدة أنها منظمة حقوق مدنية تعمل ضمن الدستور الأمريكي.

وتحوّلت القضية إلى اختبار قانوني حول حدود صلاحيات الولايات، ومدى قدرتها على اتخاذ إجراءات ضد منظمات أمريكية في ظل الحماية الدستورية لحرية التعبير والتنظيم.

معركة تتجاوز تكساس

ما يحدث في تكساس يتجاوز حدود الولاية، لأنه يعكس صراعاً أمريكياً أوسع حول كيفية التعامل مع الإسلام السياسي والحركات العابرة للحدود.

فالتيار المحافظ يرى أن مواجهة ما يسميه “التطرف الإسلاموي” تتطلب رقابة أكبر على التمويل والمؤسسات والتعليم، بينما يحذر المدافعون عن الحريات المدنية من أن توسيع تعريفات التطرف قد يؤدي إلى التضييق على مؤسسات دينية بسبب هويتها أو مواقفها السياسية.

لهذا أصبحت تكساس ساحة اختبار حقيقية: هل تستطيع الدولة مواجهة أي استخدام أيديولوجي للمؤسسات المدنية والدينية من دون تجاوز الحدود الدستورية؟ أم أن الإجراءات الأمنية والسياسية قد تتحول إلى عامل يزيد الانقسام داخل المجتمع الأمريكي؟

في السنوات المقبلة، لن تكون الإجابة مرتبطة بتكساس وحدها، بل ستحدد أيضاً كيفية تعامل باقي الولايات المتحدة مع ملف أكثر اتساعاً: العلاقة بين الدين والسياسة والأمن في مجتمع متعدد الهويات والانتماءات.