بقلم محرر الشؤون الإفريقية: على مهاجر
بقلم محرر الشؤون الإفريقية: على مهاجر

مقالات مشابهة

تحليل سياسي

سجال مصري إثيوبي حول سد النهضة..والسودان يبحث عن مستقبله المائي بين المَنبع والمَصب

بقلم محرر الشؤون الإفريقية: على مهاجر
بقلم محرر الشؤون الإفريقية: على مهاجر

مع احتدام السجال المصري الإثيوبي حول سدّ النهضة، يقف السودان في منتصف الجغرافية السياسية، مفتقراً إلى رؤية مُتكاملة تُمكّنه من تحويل الجدل الإقليمي إلى مكسب وطني. وبينما افتتحت أديس أبابا السد رسمياً، ظلّ موقف الخرطوم متردداً بين الخشية من الفيضانات والطموح إلى الاستفادة من وفرة المياه والطاقة الرخيصة.

منذ افتتاح إثيوبيا رسمياً سد النهضة في العاشر من سبتمبر/أيلول الماضي، يتصاعد الجدل حول تأثيراته المُحتملة على السودان، بما في ذلك التبعات السلبية المتوقعة والفوائد التي يمكن أن تنجم عن تشغيله.

وتزايد الخطاب أكثر حول “الرؤية الوطنية” السليمة اللازمة للتعامل مع السد، وسط قناعات متنامية بأن الموقع السودان الجغرافي كصلة وصل بين دولتي المَنبع والمَصب، يستدعي هندسة استراتيجيات جديدة تُمكّن من درء المخاطر والاستفادة من المميزات التي يمكن أن يوفرها السد الواقع على بعد 15 كيلومتراً من الحدود السودانية الإثيوبية.

يؤكد خبراء على ضرورة تبنّي رؤية واقعية جديدة تضع في الحسبان أن السد نفسه أصبح أمراً واقعاً، مُشيرين إلى أن الموقف السوداني ارتبط منذ بداية اطلاق المشروع في العام 2011، بالمتغيرات السياسية أكثر من ارتباطه بثوابت منهجية تتعلق بتقييم الفوائد والأضرار.

وطالب الخبراء بضرورة التوصل إلى آلية تنسيق مشتركة وفتح قناتي تصريف من خزان الرصيرص، للاستفادة من فائض المياه في تحسين مشاريع الري الزراعية وسط البلاد، مثل مشروعي الجزيرة والرهد. إضافة إلى تطوير بُنية خزاني الرصيرص، وسنار، وزيادة سعتهما التخزينية.

رؤية مختلفة

يُشدد الخبير القانوني اسماعيل علي، الذي عمل مستشاراً في عدد من مهام الأمم المتحدة المتعلقة بنزاعات المياه، على ضرورة رسم سياسة سودانية مُنفصلة تبعد عن ربط السودان بالسردية التي تسعى لتوصيفه كدولة مَصب. ويقول: “تكمن مشكلة السودان في غياب رؤية وطنية تعطي توصيفاً صحيحاً لوضعيته الجغرافية، حيث يتم وصفه كدولة مَصب، ما يحجّم خياراته التنموية ويُقوّض استقلالية قراره المائي”.

ويضيف علي: “مع غياب الرؤية السودانية، ترسخت هذه المفاهيم حتى في مؤسسات دولية، كالبنك الدولي ووكالات الأمم المتحدة، ما أضعف الموقف التفاوضي السوداني”. مشيراً إلى أنه، وفقاً لرؤية القانون الدولي للمجاري المائية، فإن حقوق وواجبات الدول المُشاطئة تقوم على مبادئ أساسية تشمل الاستخدام المُنصف والمعقول، وعدم الإضرار الجسيم بالغير، مع التعاون وتبادل البيانات. ويؤكد بأن “عدم التوصيف الصحيح حرم السودان من فرص تطوير بنيته المائية وفق احتياجاته الوطنية”.

جدلية الفيضانات 

جَدّدت موجة الفيضانات التي اجتاحت عدداً من مناطق السودان في منتصف سبتمبر/أيلول الجدل حول دور سد النهضة في حدوثها، خصوصاً أنها تزامنت مع افتتاح السد.

معلومٌ أن سد النهضة، الذي تبلغ سعته التخزينية 74 مليار متر مكعب، يحتجز المياه القادمة من الهضبة الإثيوبية خلال فترة الفيضان المُمتدة من يوليو/تموز إلى أكتوبر/تشرين أول.

وأثار احتجاز المياه في منطقة السد خلال أشهر الفيضانات الثلاث الماضية، وتدفقها بكميات كبيرة تصل إلى 750 مليون متر مكعب عبر بوابات التصريف، مخاوف من تأثيرات محتملة على السودان، خصوصاً في ظل تراجع القدرة التخزينية لسديّ الروصيرص وسنار السودانيَّين الواقعَين على النيل الأزرق، إلى أقل من 300 مليون متر مكعب.

لكنّ البعض رأى أن الفيضانات الحالية هي تكرار لموجات مشابهة حدثت خلال السنوات الماضية التي سبقت بدء تشغيل السد، وبأنها تشمل مناطق في النيل الأبيض، وليست لها علاقة مباشرة مع النيل الأزرق المُنحدر من منطقة السد.

في الواقع، شهد السودان، خلال السنوات الثلاث الماضية التي سبقت بدء تشغيل سد النهضة، موجات فيضانات عارمة قتلت المئات ودمرت آلاف البيوت.

بدورها، نفت إثيوبيا الاتهامات المتعلقة بالإفراج غير المنسق، وقالت إن تصريفات مياه السد جاءت متماشية مع التدفقات الموسمية، وساهمت في التخفيف من مخاطر الفيضانات في السودان بدلاً من تفاقمها، من خلال تنظيم التدفقات المفرطة القادمة من المرتفعات الإثيوبية.

فوائد محتملة 

لخّص خبراء بعض الفوائدَ المحتملة من سد النهضة للسودان، بما في ذلك تنظيم جريان النيل الأزرق، وتمكين البلاد من زيادة رقعتها الزراعية، والتخلص من كميات الطمي الكبيرة التي تؤثر على عمليات الري.

ووفقاً لدراسة أجرتها دورية “جورنال أوف هايدرولوجي”، فإن واحدة من الفوائد المحتملة لسد النهضة، هي قُدرته على حجز ما يصل إلى 95% من كميات الطمي التي كانت تصل الى السودان عبر النيل الأزرق، والتي كانت تتسبب بمشكلات فنية كبيرة، وإغلاق لقنوات الري، تُكلف الخزينة السودانية أكثر من 20 مليون دولار سنوياً.

بالتالي، يُقلل حجز السد للطمي من كمية الرواسب التي تصل إلى السدود السودانية، خصوصاً سد الروصيرص، الذي كان يفقد 0.26% من سعته سنوياً قبل تشغيل سد النهضة، ومن المتوقع أن تتقلص هذه الخسارة إلى 0.01% فقط بعد التشغيل الكامل.

ويساعد ذلك أيضاً على تحسين كفاءة قنوات الري التي تخرج من خزان سنار، والتي تُعد مصدر الري الرئيسي لمشروع الجزيرة، أكبر مشروع يعمل بالري الانسيابي في العالم بمساحة تقدر بنحو مليوني فدان. ومن المتوقع كذلك أن يوفر السد إمداداً كهربائياً بأسعار تفضيلية للسودان، الذي يعاني من نقص يصل إلى 60% من احتياجاته للكهرباء.

تنسيق مشترك 

أشار خبراء إلى ضرورة وجود تنسيق كامل بين الجانبين الإثيوبي والسوداني بشأن إدارة فتح بوابات سد النهضة، وأكدت إثيوبيا ألّا مشكلة لديها في التنسيق. وكشف عثمان التوم حمد، وزير الري السوداني السابق، عن مشاركة الوزارة في دورات تدريبية بهذا الخصوص.

وألمح المهندس المتخصص بالسدود نبيل النوراني، إلى الفوائد الكثيرة التي يمكن أن يجنيها السودان من سد النهضة، من حيث زيادة الدورة الزراعية، وتنظيم جريان النيل الأزرق، وتوفير طاقة كهربائية بأسعار رخيصة، لكنه ربط تحقيق ذلك بوجود تنسيق محكم في عملية التشغيل والتصريف، يُجنّب السودان أي تبعات سلبية.

فرص متوقعة من سدّ النهضة

  • توفير إمدادات كافية من الكهرباء للسودان بأسعار تفضيلية، وبالتالي حل معضلة النقص المستمر في الطاقة الكهربائية للبلاد، والمقدر بنحو 60% من الاحتياجات الفعلية.
  • سيُمكن المشروع السودان من الاستفادة من المياه الفائضة لتطوير قطاع الزراعة الحيوي، في حال تمكن من فتح قنوات اضافية من جهة خزان الروصيرص.
  • مع وجود آلية تنسيق مشتركة، سيُسهم السد في السيطرة على الفيضانات الكارثية التي تضرب عدداً من مناطق السودان سنوياً.

تحديات ومخاوف

  • تُعد مخاوف الانهيار من أكبر التحديات التي قد تواجه السودان، حيث يقع السد قرب منطقة زلزالية في إثيوبيا التي تعتبر الأولى في قارة إفريقيا من حيث النشاط الزلزالي والبركاني.
  • قد يؤدي اتخاذ “إجراءات أحادية” من إثيوبيا إلى التحكم في كميات المياه الواردة إلى السودان، ما قد ينتج عنه موجات جفاف كبيرة في حال تراجع معدلات هطول الأمطار في الهضبة الإثيوبية.