في ظل الفوضى الأمنية والانقسام السياسي الذي يعصف بالسودان منذ اندلاع الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع في إبريل/نيسان 2023، تلوح في الأفق مؤشرات خطيرة على تنامي نشاط تنظيم داعش داخل البلاد، التي باتت في نظره ساحة مثالية لإعادة التمركز والانطلاق نحو منطقة الساحل والقرن الإفريقي.
تشير تحليلات أمنية إلى أن حالة الانهيار المؤسسي، وضعف السيطرة على الحدود، إلى جانب تعدد المليشيات وانتشار السلاح، توفّر بيئة خصبة لتمدّد التنظيمات المتطرفة الساعية إلى تحويل السودان، البلد الذي يتقاطع جغرافياً مع سبع دول تعاني أغلبها هشاشةً أمنية وصراعات مزمنة، إلى قاعدة جديدة لتجنيد العناصر، وتهريب السلاح، وتمويل العمليات العابرة للحدود.
فراغ أمني وبيئة خصبة للتطرف
يؤكد الدكتور عبد المنعم همت، الخبير في شؤون الجماعات المتطرفة، في حديثه إلى “غلوبال ووتش عربية”، أن حالة الفراغ الأمني والانقسام السياسي وتفكك مؤسسات الدولة في السودان، توفر أرضية خصبة لإعادة تمركز تنظيم داعش وانتشاره. ويقول: “إن الانهيار شبه الكامل للمنظومة الأمنية، وتعدد المليشيات، وضعف السيطرة على الحدود، كلها عوامل تخلق مساحة مفتوحة يمكن أن تستغلها التنظيمات المتطرفة لبناء شبكات تجنيد وتهريب وتمويل”.
ويضيف همت، بأن المخاوف تتزايد في ظل انتشار خطاب ديني متشدد في بعض المناطق، واستغلال التنظيمات لحالة الفقر والنزوح واليأس التي يعيشها الشباب لتغذية الأفكار المتطرفة، محذراً من أن غياب التنسيق الإقليمي وضعف الرقابة على الحدود مع دول الساحل، يجعل السودان ممراً ومركزاً محتملاً لنشاط الجماعات الإرهابية، ومؤكداً في الوقت نفسه، أن الخطر الحقيقي لا يكمن في وجود داعش بحد ذاته، بل في البيئة المهيأة لتنامي التنظيمات المتشددة بوتيرة أكثر عنفاً ووحشية.
الجدير بالذكر، أن صحيفة “النبأ”، الناطقة باسم تنظيم داعش، دعت إلى استغلال الفوضى المستمرة في السودان، و”الاستعداد لجهاد طويل الأمد”، في إشارة إلى نية التنظيم التمدد داخل البلاد المضطربة منذ اندلاع الحرب قبل أكثر من عامين ونصف. وقالت الصحيفة في افتتاحيتها الصادرة في 30 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، إن السودان يمثل “ساحة مهيأة، لو اشتعلت ستؤثر على المنطقة بأكملها”. ما يعكس توجهاً جديداً لدى التنظيم نحو تحويل البلاد إلى مركز انطلاق إقليمي لأنشطته الإرهابية.
نفوذ الإخوان يثير المخاوف
في غضون ذلك، يثير النفوذ الواسع الذي تتمتع به المجموعات الإخوانية المسلحة داخل الجيش والسلطة الحالية في السودان مخاوف متزايدة من أن يشكل ذلك بيئة محلية حاضنة لتنظيم داعش والجماعات المتطرفة الأخرى.
يرى المفكر النور حمد، أن استمرار وجود الإخوان في مواقع السلطة سيمنح التنظيمات الإرهابية مساحة أوسع للتحرك، موضحاً أن “وجود الإخوان في السلطة المقبلة سيشجع الإرهابيين، بمختلف فصائلهم، على مواصلة نهجهم في ابتزاز القوى الدولية، وتحقيق مكاسب عبر العنف”.
يؤكد حمد، أن الفكر الإخواني في جوهره يقوم على منطق الإخضاع والسيطرة باستخدام أدوات الإرهاب، مشيراً إلى أن هذا التوجه “يشكل خطراً مضاعفاً على السودان في ظل هشاشة مؤسساته الأمنية والسياسية”.
موقع استراتيجي يُغري التنظيمات المتطرفة
يُعدّ السودان موقعاً استراتيجياً مغرياً للجماعات الإرهابية، إذ يتوسط مناطق نفوذ حركات متطرفة فاعلة، مثل “بوكو حرام” في غرب القارة السمراء، و”حركة الشباب” في الشرق. كما يتقاطع جغرافياً مع سبع دول أغلبها هشة أمنيّاً، وتعاني من اضطرابات مزمنة. إضافة إلى امتلاكه ساحلاً طويلاً يمتد لأكثر من 700 كيلومتر على البحر الأحمر، ما يمنحه أهمية لوجستية بالغة.
وبحسب مراقبين، فإن عناصر داعش الذين تسللوا إلى السودان خلال الحرب الحالية يقاتلون الآن إلى جانب الجيش، لكن هدفهم الحقيقي هو تحويل أراضي السودان إلى قاعدة نفوذ جديدة لتنسيق هجمات تستهدف المصالح الغربية والعربية في البحر الأحمر وعمق إفريقيا.
إرث الإخوان وعلاقاتهم بالتنظيمات المتطرفة
ترتبط الكثير من المجموعات الإخوانية المسلحة المتحالفة مع الجيش السوداني بعلاقات وثيقة مع تنظيمات إرهابية خارج الحدود، وهو ما يثير مخاوف من إعادة إحياء شبكات التطرف العابر للحدود داخل البلاد. وبسبب هذه الارتباطات، لا تزال السودان مصنّفة ضمن قوائم واشنطن للدول الراعية للإرهاب، لأكثر من 27 عاماً حتى اليوم.
ومنذ أن استضاف نظام الإخوان المسلمين زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن في السودان عام 1991، تعزّزت صلات الميليشيات والكتائب الإخوانية السودانية بالتنظيمات المتطرفة العالمية، لتصبح جزءاً من شبكة أوسع للحركات الجهادية التي تنشط في إفريقيا والشرق الأوسط.
في تسعينات القرن الماضي، منح نظام الإخوان في السودان جوازات سفر لعناصر إرهابية قدمت من خارج البلاد، بعضهم تورط لاحقاً في تنفيذ هجمات دامية استهدفت مصالح أمريكية في شرق إفريقيا وبحر العرب. ووُجّهت الاتهامات إلى عدد من هؤلاء العناصر بالمشاركة في تفجير سفارتي الولايات المتحدة في نيروبي ودار السلام في 1998، إضافة إلى تفجير المدمرة الأمريكية “يو إس إس كول” قرب سواحل اليمن في العام 2000، في واحدة من أكثر الفترات سواداً في تاريخ علاقة الخرطوم بالحركات المتطرفة.
كتيبة البراء.. حلقة الوصل
تبرز كتيبة البراء بوصفها إحدى أبرز الكتائب الإخوانية التي ترتبط بعلاقات وثيقة بتنظيم داعش وتنظيمات متطرفة خارجية. وفي ديسمبر/كانون الأول 2023، كشف متحدث باسم الكتيبة في مقطع فيديو موثق عن علاقة عضوية مباشرة تجمعها بالتنظيم، مشيراً إلى أن تعيين قائدها الحالي، المصباح أبو زيد، جاء بعد مغادرة سلفه، أبو مصعب الجعلي، إلى سوريا عام 2012، حيث انضم إلى صفوف داعش في بلاد الشام.
وشارك عدد من عناصر الكتيبة في القتال إلى جانب التنظيم هناك، قُتل بعضهم في معارك بمدينة حلب، من بينهم عبد الرحمن إبراهيم، الذي لقي مصرعه في 11 سبتمبر/أيلول 2012، و”أبو شرحبيل السوداني”، الذي قُتل في 15 نوفمبر/تشرين الثاني من العام نفسه، وفقاً لوثائق قدمتها بعثة سوريا في الأمم المتحدة إلى مجلس الأمن.
في عام 2014، أعلن القيادي الإسلامي السوداني محمد علي الجزولي، مبايعته لزعيم داعش آنذاك أبو بكر البغدادي، ما عزّز الشبهات حول عمق الروابط الفكرية والتنظيمية بين التيار الإخواني في السودان والجماعات الجهادية العابرة للحدود.
جماعات متطرفة في صفوف الجيش
تتزايد المؤشرات الميدانية التي تؤكد وجود مجموعات متطرفة تقاتل إلى جانب الجيش السوداني في الحرب الدائرة حالياً، مستخدمة أساليب وأدبيات شبيهة بتلك التي اشتُهر بها تنظيم داعش في معاركه السابقة بسوريا والعراق.
فقد ظهرت في الأشهر الماضية مقاطع مُصوّرة توثق مشاهد صادمة لعناصر يعتقد أنهم ينتمون إلى كتائب جهادية تقاتل ضمن صفوف الجيش، وهم يُنفذون عمليات قطع رؤوس وتمثيل بالجثث، ويرسلون رسائل تهديد إلى دول ومجموعات سياسية محلية.
في يناير 2024، انتشر على نطاق واسع مقطع فيديو يظهر مقاتلين يحتفلون برفع رؤوس بشرية مقطوعة، بينما أظهر مقطع آخر أحدهم وهو يضع قدمه على جمجمة قتيل، وآخر بدا وكأنه يأكل يداً مقطوعة خلال إحدى المعارك في مدينة أم درمان.
وفي إبريل من العام نفسه، أعلنت كتيبة “أنصار دولة الشريعة” مقتل نائب أميرها مصعب حسن، المعروف بأبي أسامة، خلال معارك في الخرطوم، ما يشير إلى تورط الكتائب الجهادية في القتال بمستويات قيادية عالية، ويعكس عُمق اختلاط الجماعات المتطرفة بالنزاع المسلح في السودان.















