بقلم إبراهيم الكوني
بقلم إبراهيم الكوني
متون التكوين

“إهن ـ سوا”.. أهل السرّ وأهل السّحر

بقلم إبراهيم الكوني
بقلم إبراهيم الكوني

الجرم، في صيغة المنتهى، يكفّ عن اجتراح مخاض التشكيل، ليستوي في «الكتلة»، ولكنه في الحملة الملحميّة نحو الكمال، أو فلنقل نحو الجمال، يحقّق الخلاص، في السبيكة؛ تلك الغنيمة التي صارت، في أدبيّات التقوى، رديفاً لإثم آثامٍ، هو: الإغواء، سواء أكانت في صورة بدرة دنانير ذهبية، أو فضيّة، أو نحاسية، أو حديدية، لتبلغ الذروة في فنّ استدراج ضحاياها من ضعاف النفوس، وحتّى من عتاة النفوس أحياناً، لتغدو رمزاً مجسّداً للخطيئة، وإلّا لما كان الحجّ إلى بيت الله الحرام، رهين التجرّد من سَمّ الخياط؛ هذا السَّمْ، الذي لا يعدم أن يتحوّل سُمّاً (برفع السين)، عندما يستقيم في حرف معدن مشئومٍ هو: الحديد!

في «غروب الغرب» لأزوالد شبنغلر تستوقفنا معالجته لحرفة الحدّادين المشبوهة في عُرف الإنسان القديم، ليعامَلوا، من قبل الأنام، بموقفٍ مزدوج: الإكبار من جانب، على مواهبهم في تطويع هذا المعدن العنيد، ثم الخوف في العلاقة مع هذه الفئة من جانب آخر، ليقينٍ عميق بأن عمل الحدّاد، الذي امتلك السلطان على كتلة غاشمة كالحديد، هو ضربٌ من سحر!

إزدواجية الموقف من ظاهرة الحديد، يحقّق جدلاً جديراً بطرح سؤالٍ عن الماهيّة الوجوديّة، لرسالة هذا المعدن، المترجمة في سيرته كرحلة بدأت بلُقية ذات حضور في واقع الحسّ، استعارت إسماً هو «يبّودرَه»، تعبيراً عن «الكتلة»، ولكن القيمة فيها أبت إلّا أن تحاجج بتلك المنزلة التي يراهن عليها كل مريد غنيمة، في هذا الوجود، وهي: السلطة! 

ولكن السؤال في حقّ السلطة أجناس، هل هي السلطة على النفس، أم السلطة على الواقع المهيمن، الذي لم يتردّد في أن يستولي على كل واقع، كي يحقق السلطة في بعدها الأقصى، وهو: السلطة على العالم، التي لن تعدم أن تستوي، كمفهوم، في تجديف، مترجم، في عبارة حمقاء، هي: السيطرة على العالم، في تحدٍّ سافر لمنطق هذا العالم، الذي سَنّ الناموس القائل باستحالة امتلاك سلطة على هذا العالم، دون خوض تجربة اغتراب الروح في واقع هذا العالم، لأن «الكتلة»، إذا حقّقت هوية ما نسمّيه في اللغة التجارية «سبيكةً»، فلن يعدم وجود مكيدة، سيّما إذا استعارت طينة ذهب، أو معدن حديد! والسحر ليس في استخراج عناصر المعدن الغاشم من مستودع الطبيعة، وهو الأرض، ولا في ترويضه في جوف الأفران الجهنّمية، ولكن السحر يكمن في هندسة التطويع، في معبد «إهن ـ سوا»، كما يجري في لسان المهد، قبل أن ينتقل من صحراء التكوين، إلى فراديس مزر، أو كما يرد على لسان أهل النيل، مصر، في دلالة تعني في هاذين اللسانين «بيت التطويع»، أو ورشة التسوية، حرفيّاً، في المرحلة المبكّرة عندما كانا لساناً واحداً حرفاً ومعنى، قبل أن ينشقّا إلى قبيلتين، إحداهما حضريّة، والأخرى هجريّة.

مراسم الصلوات في معابد «إهن ـ سوا»، حيث تجري طقوس ترويض الكتلة، الملفّقة من هبة اليابسة، بروحٍ لا تختلف في حمّى الوَجَل، عن المراسم الطقسيّة ذاتها، التي يتعاطاها كهنة «إهن ـ نكيت» في معابد أوزوريس، في دلالة تعني في اللّغتين الشقيقتين «بيت القرابين»، لأن «إيكيت» تعني الصدقات، أو الأضاحي. فاستخلاص السّبائك المعدنيّة النفيسة من ألسنة اللّهب المميت، تجربة غيبيّة، في منطق إنسان التكوين، لا تختلف عن استدراج النبوءة، لتسري في ألسنة ملّة التقوى، الملقّبة باسم: الكهنة، لأن رأس المال في التجربة هو: الكشف، المدعو في منطق اللسانين: يوتب؛ هذه الملفوظة المتواضعة، المجلّلة بدلالات ثريّة ما أن يجري تجريدهما من حرفيّ علّة لا يُعتدّ بهما كحقيقة أصوات صائتة، لم تكن لتدوَّن، أو يجري الإعتراف بهما كحروف، لولا شغف إنسان التكوين، بالموسيقى، إرواءً لظمأ فطري وجداني للحون؛ فلا يتكلّم إلّا ليغنّي، ولا ينطق إلّا ليشطح، لأن النغمة التي تستفزّ هذا البدن الفاني، وتدفعه لأن يرقص، هي مسعر أعظم شأناً من أيّة غنيمة تحقق له الشبع، فلا تكتفي، ولكن يكفيها فخراً أنها تبرهن له على وجود ما لم يفلح حتّى الكهنة في ترجمته إلى واقع، كما الحال مع لغز الروح!

هذا هو سبب اختراع الأصوات الصائتة، الأصوات الملحونة، التي تبثّ الأنفاس في رئة المجهول، لتجود بمعزوفة الحرية، لأن الغناء أكبر من أنشودة، والموسيقى أنفاس الألوهة، ولهذا السبب هي، في العُرف، حريّة! ولذلك يبخل بها سدنة الألسن، خوفاً على حرمتها من دنس السكون في المفردات، لتلعب دور البدن في الإنسان، لتحتكر الصوائت دور عرّاب الروح. ولهذا كان الأسلوب المعتمد في فحص حروف أبجديّات النصوص القديمة، هو تحرير الكلمات من الأحرف الصائتة، والاحتفاء بالسواكن كمرجع في أي عملية تحقيق. وبقدر ما يتظاهر كهنة معبد أوزوريس (إوا ـ يزّا ـ يرس)، أي في الترجمة: (وُلدَ ـ تكوّنَ ـ هوَى)، وهم يهتفون: «اللسان سعادة! اللسان ألوهة!» أمام المعبد، لا طلباً للكشف الذي تجود به اللغة، ولكن احتفاءً بالحجب، الذي انتدبته اللغة، ليغدو لأهل التقوى الملاذ الذي يلوذون به، كي يخفوا أحلامهم، ليقينٍ موروث عن السلف يقول أن الأقوال عملٌ سحري بديلٌ للأفعال، بدليل أن الأحلام التي تجري على عضلة اللسان لا تتحقق أبداً، وما استخفى، لا ما ستكشف، هو ما يعوَّل عليه، ليجاهر كهنة معبد: «إهن ـ سوا= بيت التطويع) بالهتاف الذي يتغنّى بالكشوف، ليستقدموا من معاجم عُتاة السحرة المفردة التي اعتنقتها كلّ ملل الأمم وهي: يوتب، التي تُنطق في بيان مَهدٍ آخر هو العربية «أتب» الدالّة، في الأصل، على: (الثوب الشفيف الذي يكشف الجسد) – ابن منظور – وبإبدال شائع ومشروع لفظيّاً بين التاء والطاء، لأنهما بمثابة حرف ساكن واحد، تستقيم المفردة في مفهوم جسيم هو: طبّ؛ لأن مبدأ الكشف دوماً قرون استشعار في استقصاء حقيقة محتجبة، بل طبيعة مستترة، لأن كلمة «طب» هي ما ألفناه في كلمة طبع، لتستعير منها الطبيعة نفسها هويّتها البدئيّة. من هنا غدا الكشف دين أهل السّحر، كما صار الحجب دين أهل السرّ، لأن الألوهة حجاب، بقدر ما الناسوت كشوف، لينشب العداء بين الفريقين، في مرحلة مبكّرة، من تاريخ علاقة ملتبسة، يستثمر فيها سدنة الأسحار علم الكشوف، لاستطلاع غنيمة حرفية هي الداء، ويستثمر فيها سدنة الأسرار علم الحجب، لاستطلاع قيمة روحية هي: دواء!

النموذج السحري، يروّض الكتلة، في طينة السبيكة، لكي يؤلّه الحرف، ليغدو عرّاب أيديولوجيا، في حين يستميت النموذج السرّي لأنسنة الروح، محققاً فتحاً مبيناً كعرّاب ميثولوجيا!

إنها المرحلة المبكّرة، التي نشب فيها الصراع الدرامي، الذي ستكون له نتائج أكثر دراميّة تالياً، وهو: الوجود الميثولوجي، أو خصمه الأبدي: الأيديولوجي!