بعد نحو 33 عاماً على صدور روايتها الأولى “نخب الحياة” عن دار الآداب في بيروت عام 1993، أصدرت الروائية والصحفية التونسية آمال مختار سيرتها الذاتية “أنقذتني الكتابة” عن دار محمد علي للنشر. وبين العملين، راكمت تجربة سردية وصحفية جعلتها من الأسماء البارزة في المشهد الثقافي التونسي.
وأثار “أنقذتني الكتابة” نقاشاً واهتماماً منذ صدوره، بما يحمله من مراجعة لتجربة الكاتبة الشخصية والمهنية وعلاقتها بالكتابة والمجتمع. ومن هذا العمل بدأت “غلوبال ووتش عربية” حوارها معها.
وفيما يلي نص الحوار:
– “أنقذتني الكتابة” سيرة ذاتية منقوصة كما رأى بعض الذين واكبوا تجربتك السّردية. هل توافقين على هذا الرأي؟ وإن كان صحيحاً لماذا؟
آمال مختار: نعم أوافق على هذا الرأي، لأني اخترت أن أكتب سيرتي مقسمة إلى أجزاء، وقدّرت أنّها ستكون ثلاثة.
في الجزء الأول الذي صدر، اخترت أن أعالج فترة طفولتي وشبابي وعلاقتي بوالدي بالأساس التي أراها العمود الفقري في هذا الجزء، الذي كان حافزها مرض الوالد مرضاً خطيراً بعثر كل مشاعري نحوه التي استقرت في السنوات الأخيرة على المحبة والرضا، غير أنّ خبر مرضه الذي وصلني بمثابة خبر وفاته فتزلزلت مشاعري وانقلبت الطبقات المتراكمة في روحي وذاكرتي فوق بعضها البعض عبر رحلة طويلة في الزمن.
كانت فكرة كتابة سيرة مقيمة في ذهني منذ مدة طويلة، لكنّني لم أحدّد قط لحظة البداية. كان خبر مرض الوالد شرارة الانطلاق في الكتابة، فكان هذا الجزء الذي عرّيت فيه الأساسات التي بُنيت عليها شخصيتي التي أفرزت أو ولّدت شخصية “أسبيرانسا” الكاتبة، كما أشرت في هذا الجزء إلى بداياتي في كل ما سيشّكل حياتي: العائلة، التعليم، المبيت الثانوي، المبيت الجامعي، قدومي إلى العاصمة للدراسة الجامعية، بداياتي في الصحافة وفي عالم الإعلام عموماً، لم أكذب لأني وضعت على الغلاف عهداً مع القارئ بأنّها سيرة حقيقية، لكني صمتُّ على الكثير الذي سأفصح عنه في الجزء الثاني الذي سيغطي المرحلة الأهم في حياتي المهنية والإبداعية، والتي سأقدم خلالها شهادة على المرحلة التي اشتغلت فيها صحفية في الصحافة المكتوبة والمسموعة والمرئية، وكل ما تعرضت له من تحرش لأني امرأة قبل أن أكون صاحبة قلم وموهبة، سأذكر الأنذال الذين اعترضوا سبيلي وحاولي تعطيلي وتشويهي، والرجال كما النساء الذين وقفوا إلى جانبي ودفعوا بموهبتي إلى البروز سواء في الإعلام أو الإبداع.
في الجزء الثالث، الذي لم أضع له سوى الملامح العامة، سأفتح باب الذكرى للتداعي بأكثر حريّة للخروج بخلاصة التجربة التي نحتت “أسبيرانسا” وجعلتها الشخصية الأساسية في بنائي النفسي، لتكتب وتقول كل شيء بجرأة ودون خوف، ولعلني عندئذ وإذا ما منحني الله العمر سأكون في الثمانين من العمر.
– تجارب الكاتبات التونسيات في السيرة الذاتية لا تزال محدودة. هل خشيتِ ردود الفعل؟ وكيف كان استقبال “أنقذتني الكتابة”؟
نعم أكاد أكون أول كاتبة تونسية تخوض في مجال السيرة بهذه الطريقة، إذ سبقتني إلى ذلك صديقتي رفيقة البحوري وكتبت سيرة بعنوان: “في المياه المالحة”، لكنها كانت مختلفة عن سيرتي في الأسلوب خاصة.
طبعا، كنت أعلم كيف سيكون التلقي فالكتابة عن الذات عراء، لكنّي تسلحت بجرأتي وانطلقت أكتب واضعة في اعتباري كل ما قد ينشأ من مشاكل لو ذكرت الأسماء، ورغم تحفظي فقد ذكرت اسم الشاعر الذي كان له الدور الأهم في حياتي، إذ أعتبره هو الذي أخذ بيدي إلى عالم الصحافة، ورغم ذلك حذف الناشر (دار محمد علي للنشر) اسمه تفادياً لتبعات ما حدث.
لم أفكر في ردود فعل القارئ لأني كنت صادقة ومعتزة بتجربتي الإنسانية رغم كل الآلام التي عشتها بسبب اقتحامي لعالم الكتابة، وهو عالم ذكوري بامتياز.
ومن هنا تأكدت أنّ ما حدث هو في حقيقة الأمر قدري الذي وُعد لي لأكون صاحبة هذه التجربة التي تفضح هذا العالم الذكوري من الداخل، وبالتحديد من الكواليس التي تجمّل عموماً أو يقع رميها في كيس الصمت أو النسيان. وأنا بدأت الكتابة في الجزء الأول وسأواصل بوضوح أوسع في الجزء الثاني.
أمّا موضوع التلقي فهو شأن يخص القارئ والناقد لأنّ مهمتي ككاتبة تنتهي عند خروج السيرة للناس، وقد خرج الجزء الأول وفاجأني حقيقة تلقي الناس له وما كتب حوله حتى الآن، أي منذ سنة، دليل على أنّ ما عريّته في السيرة بشأن علاقتي بوالدي بالخصوص مسّ الكثير من الناس، وقد وصلتني رسائل عديدة عبر تطبيق “ماسنجر” تعبر عن تماهيها معي في تلك العلاقة من نساء ورجال.
– قضيت أكثر من ثلاثين عاماً في الصحافة الثقافية. كيف ترين هذه التجربة هل كانت على حساب آمال مختار الكاتبة أم أضافت لك؟
– بالرغم من أنّي أعتبر نفسي قد غادرت الصحافة المكتوبة بالخصوص باكراً، خاصة مع ظهور منصة التواصل الاجتماعي “فيسبوك” منذ بدايتها، وقد كتبت في هذا الشأن كثيراً.. إلا أنّي لم أغادر المجال فعلياً بحكم مكوثي فيه ككاتبة أراسل بعض المواقع وأكتب على هذا الفضاء الأزرق آرائي وبعض مواقفي، فالصحافة مهما كان لا تزال جيناتها تُقيم فيّ.
لقد كتبت في سيرتي أنّ ذهابي إلى عالم الصحافة كان بمثابة طرق على الباب الخاطئ، لأنّ الحقيقة كانت في أعماقي تريد أن تأخذني إلى عالم الكتابة الإبداعية، ولكن القدر اختار لي المرور عبر الصحافة وتحديداً الصحافة الثقافية لأتعلّم، وأتعرّف إلى أهل الثقافة والإبداع عن قرب قبل أن أصبح واحدة منهم، لم يكن ذلك هيّناً لكنّه كان بالنسبة لي مفيداً ومهماً. لقد كان عملي في الصحافة الثقافية هو المحك الحقيقي لشخصيتي لأدرك على ماذا أنا قادمة. تعلّمت الكثير من الصحافة الثقافية لكنني لم أستفد منها كروائية للأسف. لقد وُضعت في برزخ عجيب: ذلك أنّ زملائي من الصحافة المكتوبة لا يتناولون إصداراتي بالنقد والإعلان لأنّي زميلتهم ولا يحق لي أن أتميز عنهم بكتابة من نوع آخر، والروائيون في المقابل لم يستقبلوني الاستقبال الحسن ووضعوني في نفس البرزخ العجيب ذاك، صحفية متطفلة على الرواية.
ربما في السنوات الأخيرة بدأت أغادر هذا البرزخ في اتجاه عالم كتّاب الرواية بعد تقاعدي الرسمي من العمل الصحفي رغم أنّي ما زلت أمارسه أحياناً.
– بماذا تفسرين ندرة السير الذاتية في الثقافة العربية وخاصة بين الكاتبات؟
هناك أسماء نسائية عربية كتبت في السيرة الذاتية مثل فدوى طوقان ورضوى عاشور وسحر خليفة، ونوال السعداوي وفاطمة المرنيسي وغيرهن..
ورغم هذا العدد من الكاتبات اللاّتي تجرأن على كتابة السيرة فإن كتاباتهن في هذا المجال لم يعتبرها النّقاد جريئة بالدرجة التي كشفت فيها تماماً عن كل ما يتلصّص عليه القارئ العربي ويود معرفته من أسرار الكاتبة الشخصية. ويعتبر النقّاد عموماً أنّه رغم نقاط التفاوت في الجرأة بين هذه وتلك فإنّ ما كتبته نوال السعداوي يُعدّ الأجرأ حتى الآن.
وهناك من يعتبر عملية الإقدام على كتابة السيرة من قبل كاتبة امرأة فعلاً جريئاً في حد ذاته، بالنظر إلى تجربة الرجل التي تظل في العموم شبه منعدمة مقارنة بالعدد الكبير للكتّاب الرجال وغزارة إنتاجهم الأدبي، لأن الإقدام على تعرية الذات مهما كانت أنثوية أم رجالية يظل أمراً صعباً.
– جدل متواصل حول مصطلح الأدب النسوي. أين تقف آمال مختار؟ هل هناك “أدب نسوي أم أنك من الذين يرفضون وجود هذا “الأدب”؟
أنا لا أؤمن بكتابة نسائيّة وأخرى رجالية بغض النظر عمّن كتب. إذ يمكن لأنثى أن تكتب بروح ذكورية كما يتسنى للرجل أن يكتب كتابة بروح أنثوية، وهذا تحدده الخبرة والتمرس عند الكاتب أو الكاتبة. فالقارئ عندما ينتهي من قراءة رواية “مايسترو” التي كتبتها سنة 2006 وحازت جائزة لجنة تحكيم “كومار” لن يصدّق أنّ كاتبتها امرأة وهو ينصت للأصوات الرجالية الثلاثة التي تسرد الحكاية. الكتابة دفق من الروح وفي روح الإنسان هناك خلطة بين الأنثى والذكر بنسب متفاوتة وتسريبها في الكتابة يتوقف على وعي الكاتب والكاتبة لحظة الكتابة. ولنا في التجربة الشعرية لنزار قباني خير دليل فهو الرجل الشاعر الذي رفع لواء الأنوثة عالياً في قصائده.
وأختم بأن الكتابة وجع وجرح نازف يخرج عبر اللغة ليعبر عن الوجع سواء كان بقلم امرأة أو قلم رجل، الأهمّ أن يصل كل ذلك إلى القارئ بكل وهجه وصدقه.
– لو يعود الزمن إلى الوراء، هل تعيدين نفس المسار؟
– بالتأكيد سأعود إلى نفس الطريق الذي سلكته بكل أخطائه وأوجاعه، أرى أنّه من الجبن أولاً ومن غير المتاح أن تنمق وتختار مسار حياتك، لأننا بقدر ما نعتقد أننا اخترنا بقدر ما نكون في حقيقة الأمر نستجيب لطاقة خفية تسحبنا إلى ذلك المسار الذي اعتقدنا أنّنا اخترناه.
نحن لا نختار، البتة، نحن يتهيأ لنا أنّنا قاومنا واخترنا، غير أنّنا في الحقيقة اخترنا قدرنا.
– ماذا يعني لك سهيل إدريس أول من نشر لك في أعرق دار عربية وأنت في البداية؟
سهيل إدريس الكاتب والناشر اللبناني، رحمه الله، صاحب أعرق دار نشر لبنانية وعربية، هو مكتشفي ومن وضعني على الطريق الوعرة للكتابة الروائية مؤكداً موهبتي بعد رفضه نشر قصة قصيرة لي في مجلته الثقافية “الآداب”، ثم ألحّ على نشر “نخب الحياة” معترفاً لي بأنها كبذرة روائية كانت أكثر قوة مقارنة مع كل البذرات الروائية النسائية التي زرعها في المشهد الروائي العربي من خلال دار نشره.
ما حدث معي في علاقتي بسهيل إدريس هو ما أسميه القدر الذي اختارني للكتابة رغم كل العراقيل.
نبذة موجزة
تعتبر الروائية آمال مختار من أبرز الأقلام النسوية في تونس من الجيل الثالث للكتابة النسوية، برزت أواخر الثمانينات من القرن الماضي كصحفية متخصصة في الثقافة والفنون وخاضت تجربة الإنتاج الإذاعي والتلفزيوني بالتوازي مع الصحافة المكتوبة.
روايتها الأولى “نخب الحياة” الصادرة عن دار الآداب – بيروت (1993) لفتت إليها الانتباه كصوت سردي مختلف وتوالت أعمالها رواية وقصة مثل “الكرسي الهزاز”، التي منعتها الرقابة طيلة ست سنوات، و”مايسترو” (جائزة الكومار الذهبي 2006) و”دخان القصر”، وفي القصة صدر لها “لا تعشقي هذا الرجل”، و”حفل الأشباح”، و”للمارد وجه جميل”، كما خاضت تجربة الكتابة المشتركة في رواية “أنوات” مع الدكتور محمد القاضي، وفي كتابة جماعية لرواية “عاشرهن”، و”أيا امرأة”.
نالت آمال مختار عدداً من التكريمات في مهرجانات وملتقيات عربية، كما ترجمت بعض أعمالها إلى الفرنسية وأدارت لفترة قصيرة “بيت الرواية” (وزارة الثقافة).









