بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

مقالات مشابهة

إسلام سياسي

عبد السيد و”الإخوان المسلمين” في الانتخابات الأمريكية ومعركة استغلال النفوذ وحسابات التصويت

بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

يعيد السباق على مقعد في مجلس الشيوخ الأمريكي عن ولاية ميشيغان إلى الواجهة مسألة استغلال “الإخوان المسلمين” للمساحات السياسية المتاحة لتوسيع نفوذهم، في وقت صعّد فيه الرئيس دونالد ترامب هجماته على المرشح الديمقراطي عبد الرحمن محمد السيد، المعروف باسم عبد السيد، متهماً إياه بالانتماء إلى الجماعة.

يتزامن هذا التصعيد مع إعادة تداول رسائل قديمة منسوبة إلى إيمان عبد الهادي، الأخت غير الشقيقة للمرشح، تتضمن ادعاءات بشأن نشاط والدتهما داخل الحركة خلال السبعينيات، ما أعاد ملف “الإخوان” إلى واجهة المنافسة الانتخابية.

ويطرح توقيت إعادة تداول هذه الرسائل تساؤلات تتجاوز مضمونها العائلي، إذ قد يؤدي تحويل الاتهامات إلى مواجهة علنية إلى نتيجة معاكسة للهدف المعلن منها. فقد يدفع استهداف المرشح على خلفية اتهامات تتعلق بـ”الإخوان المسلمين” مؤيدين أو متعاطفين مع الجماعة إلى الاصطفاف خلفه، وتقديم دعمه بوصفه دفاعاً عن الهوية الدينية في مواجهة خصومه.

لا تتوافر أدلة تثبت أن إعادة تداول الرسائل جاءت ضمن خطة لتعبئة الأصوات لصالح عبد السيد، لكن احتمال استثمار هذا المناخ انتخابياً يسلط الضوء على مفارقة مهمة: قد يفضي التصعيد الرامي إلى محاصرة مرشح إلى توسيع دائرة الدعم المحيطة به، فيما تتحول قضية نفوذ “الإخوان” من موضوع يستدعي الفحص والتدقيق إلى أداة جديدة للاستقطاب الانتخابي.

استثمار الهوية السياسية

تستفيد الحركات الأيديولوجية المنظمة من البيئات الديمقراطية حين تتمكن من تحويل الهوية الدينية إلى عنصر تعبئة انتخابية، أو حين يصبح نقدها محاطاً باتهامات التمييز الديني. وتكمن المشكلة في أن هذا المسار قد ينقل النقاش من فحص الأفكار والروابط التنظيمية ومصادر النفوذ إلى سجال حول خلفية المرشح ومعتقده، بما يتيح للمتضررين من النقد تقديم أنفسهم بوصفهم ضحايا استهداف جماعي.

قد تستغل دوائر مؤيدة لـ”الإخوان المسلمين” الاتهامات الموجهة إلى مرشح بعينه لتصوير انتقاد الجماعة باعتباره استهدافاً للمسلمين عموماً، بما يعزز خطابها ويحول دون مناقشة نفوذها السياسي والفكري. وفي الحملات الانتخابية، تمنح الاتهامات غير المدعومة بأدلة واضحة الجماعة فرصة لتحويل المواجهة إلى مادة دعائية، بدلاً من إخضاع مواقف المرشحين وشبكاتهم السياسية للتدقيق.

أعادت رسائل قديمة منسوبة إلى إيمان عبد الهادي، الأخت غير الشقيقة لعبد السيد، إثارة ادعاءات بشأن نشاط والدتهما في “الإخوان المسلمين” خلال دراستها الجامعية في مصر في أوائل السبعينيات. وجاءت إعادة تداول الرسائل بالتزامن مع تصعيد دونالد ترامب وخصوم المرشح الجمهوريين ضده، ما يثير تساؤلات بشأن توظيف الملف في المنافسة الانتخابية. 

قد يؤدي هذا التصعيد، بدلاً من إضعاف عبد السيد، إلى حشد متعاطفين مع “الإخوان المسلمين” خلفه، عبر تصوير الهجوم عليه باعتباره استهدافاً دينياً. ومع غياب أدلة تثبت وجود خطة منظمة لهذا الغرض، تبقى إمكانية استثمار “الجماعة” للاستقطاب الناجم عن القضية نقطة تستحق المتابعة.

الاتهامات وسلاح التعبئة

وصف ترامب عبد السيد بأنه ينتمي بنسبة 100% إلى “الإخوان المسلمين”، فيما نفى المرشح وجود صلات له بها. وأشار عبد السيد إلى أنه لم يخض نقاشات مع والدته بشأن نشاطها السابق المزعوم، وأنه لم ينشأ في رعايتها، معتبراً الاستناد إلى ما وصفه بأدلة شفوية مستمدة من منشور على منصة اجتماعية أمراً غير جاد.

استثمرت حملة الجمهوري مايك روجرز منشورات الأخت غير الشقيقة لعبد السيد في إعلان انتخابي ربط بين الروابط العائلية والإرهاب، بالتزامن مع تداول تقارير عن عمل والدته سابقاً لدى مؤسسة إغاثية أمريكية صنّفتها وزارة الخزانة الأمريكية عام 2004 على خلفية اتهامات تتعلق بدعم الإرهاب.

ويعيد هذا الجدل التركيز على ضرورة التحقق من الروابط المحتملة لـ”الإخوان المسلمين” وشبكات نفوذهم في الغرب، بعيداً عن الاكتفاء بالاتهامات العائلية أو تحويل القضية إلى سجال انتخابي حول الهوية الدينية.

ما وراء الروابط العائلية

يتطلب فحص نفوذ “الإخوان المسلمين” في الغرب تتبع الصلات التنظيمية والمبادرات السياسية والمؤسسات التي قد تسهم في توسيع حضور الجماعة، بدلاً من الاكتفاء بالاتهامات المرتبطة بالخلفيات العائلية. فالمسألة تتجاوز إثبات علاقة شخص بعينه بالتنظيم، لتشمل فهم آليات استثمار المؤسسات المدنية والخطاب الديني والمشاركة السياسية في ترسيخ النفوذ الأيديولوجي. 

وتبرز أهمية هذا الفحص في التمييز بين النشاط السياسي المشروع والتحركات التي تخدم أجندة تنظيمية، استناداً إلى مواقف موثقة وعلاقات قابلة للتحقق. ومن دون هذا النهج، يبقى النقاش أسير السجال الانتخابي، فيما تتراجع الأسئلة الجوهرية المتعلقة بحضور الجماعة وشبكات تأثيرها وأهدافها السياسية.

تتجاوز تداعيات القضية مستقبل عبد السيد في السباق الانتخابي إلى اختبار قدرة الحملات الأمريكية على مناقشة قضايا التطرف والنفوذ الأيديولوجي من دون الوقوع في التعميم أو توفير فرص دعائية مجانية للجهات المستهدفة. وقد يؤدي التصعيد غير المدعوم بأدلة كافية إلى إضعاف مصداقية منتقدي “الإخوان المسلمين”، ويمنح المتعاطفين معهم مادة لتصوير المواجهة على أنها استهداف للمسلمين، لا مساءلة لتنظيم سياسي.

اتهامات “الإخوان” بين التدقيق والاستقطاب الانتخابي

في المقابل، لا ينبغي أن تتحول مخاطر الاستقطاب إلى ذريعة لإغلاق النقاش حول الجماعة أو التساهل مع شبكات نفوذها. فالمعيار هو الأدلة على الروابط والممارسات، وليس هوية المرشح أو خلفية أسرته، كما أن رفض الاتهامات غير المثبتة لا يعني تبرئة “الإخوان المسلمين” من سجلهم أو إعفاء أنشطتهم من التدقيق.

قد يكون توقيت إعادة تداول الرسائل جزءاً من المنافسة الانتخابية، وقد ينتهي إلى نتيجة تخدم عبد السيد بدلاً من إضعافه. لكن الجزم بوجود خطة منظمة لحشد مؤيدي “الإخوان” خلفه يحتاج إلى أدلة غير متاحة حالياً. المؤكد أن الاستقطاب يمنح “الجماعة” فرصة لاستثمار المشهد، وأن المعركة الأكثر جدوى لا تُحسم بالاتهامات العائلية أو التصريحات الصاخبة، بل بفحص الروابط التنظيمية والمواقف السياسية ومصادر النفوذ، مع الحفاظ على الفصل بين الإسلام والمسلمين من جهة، ومشروع “الإخوان المسلمين” السياسي من جهة أخرى.