بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

مقالات مشابهة

منافسة عسكرية

مشروع “ميريديان”.. معركة واشنطن وبكين على الذكاء الاصطناعي الفائق تعيد رسم حروب المستقبل

بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

تدخل واشنطن سباقاً جديداً على مستقبل القوة العسكرية مع إطلاق البنتاغون “مشروع ميريديان”، الهادف إلى إعادة تصور شكل الحروب والقدرات اللازمة لخوضها خلال العقود المقبلة، في خطوة تتزامن مع توجه الإدارة الأميركية إلى التعامل مع الذكاء الاصطناعي الفائق (ASI) باعتباره عاملاً محتملاً في إعادة تشكيل ميزان القوة.

لا تقتصر المبادرة على الروبوتات والأنظمة الذاتية والفضاء والبيئات القتالية الجديدة، بل تتصل برهان أوسع على بناء منظومة عسكرية تستطيع تحويل البيانات إلى معرفة، والمعرفة إلى قرار، والقرار إلى فعل بسرعة تتجاوز قدرة الخصم. فقد أعلن وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث “مشروع ميريديان”، مانحاً فريق العمل 120 يوماً لدراسة “ميادين القتال المستقبلية” وتحديد الأسلحة والتقنيات التي ينبغي تطويرها واختبارها وإدخالها إلى الخدمة. ويقود المبادرة إيلون ماسك، مؤسس “سبيس إكس”، وبالمر لاكي، مؤسس “أندوريل”، ونيوت غينغريتش، تحت إشراف كبير مسؤولي التكنولوجيا في البنتاغون إميل مايكل، على أن تنتهي بتقرير علني وملحق سري.

يمتد المشروع إلى ما هو أبعد من دراسة مستقلة، إذ يأتي ضمن مسار أمريكي أوسع لتسريع دمج الذكاء الاصطناعي في منظومة الأمن القومي. ففي يونيو/حزيران الماضي، وجهت مذكرة رئاسية المؤسسة الأمنية إلى تسريع تبني النماذج المتقدمة، وتطوير منشآت حوسبة عالية الأمان، وتعميق الشراكة مع شركات التكنولوجيا، بما يعكس انتقال الذكاء الاصطناعي من ملف تقني إلى عنصر مباشر في التخطيط الاستراتيجي.

حرب تمتد إلى 2100

تنبع أهمية “ميريديان” من الأفق الزمني الذي يتحرك ضمنه. البنتاغون لا يبحث فقط عن أسلحة يمكن نشرها خلال سنوات قليلة، بل يحاول تقدير القدرات التي قد تحدد طبيعة الحرب خلال العقود المقبلة، وصولاً إلى تصورات تمتد حتى عام 2100. ولهذا تتقاطع في المشروع مجالات تبدو منفصلة في ظاهرها: الفضاء، البيئات تحت الأرض، الروبوتات، الأنظمة الذاتية، الاتصالات، الذكاء الاصطناعي، ومنظومات القيادة والسيطرة.

ويبرز “الذكاء الاصطناعي الفائق” في هذا التصور باعتباره نقطة تحول محتملة، لا قدرة عسكرية قائمة بالفعل. فالذكاء الاصطناعي الحالي يحقق تقدماً سريعاً في التحليل والاستدلال والبرمجة، بينما يشير “الفائق” إلى مستوى افتراضي تتجاوز فيه الأنظمة القدرات البشرية في نطاق واسع من المهام الفكرية. ولا يوجد اتفاق علمي على موعد ظهوره أو حتى على المسار الذي قد يقود إليه.

لكن القيمة العسكرية المحتملة لهذا المستوى تكمن في قدرته المفترضة على معالجة كميات ضخمة من البيانات، وتحليل سيناريوهات متزامنة، وربط أجهزة الاستشعار ومراكز القيادة والمنصات القتالية ضمن دورة قرار شديدة السرعة. وعند هذه النقطة يتغير تعريف التفوق العسكري نفسه.

المعركة المستقبلية قد لا يحسمها عدد الطائرات أو الصواريخ وحده، بل النظام الذي يستطيع قراءة ساحة القتال وفهم تغيراتها وتقدير خيارات الخصم ثم توجيه الاستجابة قبل أن يتمكن الطرف الآخر من استكمال دورة قراره.

الصين هي نقطة القياس

تأخذ المنافسة مع الصين هذا التحول إلى مستوى أكثر حساسية. واشنطن لا تنظر إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره أداة لتحسين أداء قواتها فقط، بل باعتباره ميداناً يمكن أن يحدد موقع الولايات المتحدة والصين في النظام الدولي خلال القرن المقبل.

لا يدور التنافس حول النموذج الأكثر تقدماً فحسب، وإنما حول البنية التي تجعل النماذج المتقدمة ممكنة وقابلة للتوسع: الرقائق المتطورة، الحوسبة، مراكز البيانات، الطاقة، البيانات، المواهب العلمية، والخوارزميات، إلى جانب القدرة على نقل هذه التقنيات من المختبرات والشركات إلى المؤسسات العسكرية.

تمتلك الولايات المتحدة مزايا كبيرة في شركات الذكاء الاصطناعي المتقدمة ورأس المال والبنية الحاسوبية، فيما تعمل الصين على تقليص الفجوة وتعزيز استقلالها عن التكنولوجيا الأميركية. وتحوّلت القيود الأميركية على الرقائق المتقدمة ومعدات تصنيعها إلى جزء من إدارة المنافسة الاستراتيجية، لأن حرمان بكين من بعض عناصر الحوسبة المتقدمة يعني التأثير في قدرتها على بناء نماذج أكثر قوةً وتوسيع استخدامها.

وفي المقابل، تدفع الصين باتجاه تطوير بدائل محلية للرقائق والبنية الحاسوبية وتقليل اعتمادها على الشركات الأميركية. وبهذا تصبح الحوسبة نفسها ساحة من ساحات الصراع، تماماً كما كانت الطاقة والمواد الخام وممرات التجارة عناصر حاسمة في صراعات القوة السابقة.

واشنطن تحشد قطاع التكنولوجيا

يعكس اختيار ماسك ولاكي تحولاً آخر في طبيعة القوة العسكرية الأميركية. القطاع الخاص لم يعد مجرد مورد للتكنولوجيا، بل أصبح شريكاً في التفكير في شكل الحرب المقبلة.

تمتلك “سبيس إكس” خبرة واسعة في الأقمار الصناعية والاتصالات والفضاء، بينما تطور “أندوريل” الأنظمة الذاتية والمسيّرات وتقنيات الاستشعار والقيادة والسيطرة. وارتباط الشركتين بعقود دفاعية أمريكية يمنح مشاركتهما في “ميريديان” بعداً يتجاوز الاستشارة التقنية إلى التأثير المحتمل في تحديد أولويات الاستثمار العسكري.

وتنسجم هذه الخطوة مع توجه أوسع لدى واشنطن لدمج القدرات التجارية المتقدمة داخل منظومة الأمن القومي. وتدعو المذكرة الرئاسية الصادرة في يونيو/حزيران إلى تعميق الشراكة مع القطاع الخاص، وتوسيع الوصول إلى النماذج المتقدمة، وتطوير بنية تحتية حاسوبية قادرة على دعم الاستخدامات الأمنية والعسكرية.

لكن هذا التحول يفرض معادلة أكثر تعقيداً: كلما أصبحت الشركات صاحبة التكنولوجيا الأساسية جزءاً من صياغة العقيدة العسكرية، تداخلت اعتبارات الأمن القومي مع المصالح التجارية، وأصبح السؤال متعلقاً بمن يحدد أولويات الحرب المقبلة، ومن يملك التأثير في تعريف التكنولوجيا التي ستصبح جزءاً من تلك الحرب.

روسيا تختبر الحرب المقبلة

تدخل روسيا المنافسة من زاوية مختلفة عن واشنطن وبكين، فالحرب في أوكرانيا تحولت إلى بيئة اختبار واسعة للمسيّرات والأنظمة غير المأهولة والحرب الإلكترونية والذكاء الاصطناعي، وأنتجت خبرة عملياتية في استخدام التكنولوجيا تحت ضغط القتال الفعلي.

أسهم هذا التطور في دفع البنتاغون إلى توسيع بنيته المخصصة للحرب الذاتية والمسيّرات والقدرات المدعومة بالذكاء الاصطناعي، في محاولة لتحويل الدروس المستخلصة من ساحات القتال إلى منظومات عسكرية قابلة للتوسع.

لكن روسيا لا تنافس الولايات المتحدة والصين بالضرورة في جميع عناصر الذكاء الاصطناعي الفائق، وإنما تمثل عاملاً مهماً في اختبار الاستخدام العسكري للتقنيات المتقدمة، خصوصاً في الاستطلاع والاستهداف والتشويش والقيادة والسيطرة.

تراقب قوى أخرى، بينها بريطانيا وفرنسا واليابان وكوريا الجنوبية والهند وإسرائيل، هذا التحول وتسعى إلى حماية مواقعها في منظومة تتداخل فيها القدرات العسكرية مع امتلاك الرقائق والحوسبة والنماذج المتقدمة.

عندما تسبق الآلة الإنسان

يبقى التحول الأخطر مرتبطاً بسرعة القرار. فإذا وصلت الأنظمة المتقدمة إلى مرحلة تستطيع فيها تحليل ملايين المتغيرات خلال لحظات، فإن الفارق بين سرعة الآلة وسرعة الإنسان قد يتحول إلى مشكلة عسكرية بحد ذاته.

قد يجد القائد نفسه أمام منظومة تقترح القرار أو تنفذه قبل أن يتمكن من مراجعة جميع المعطيات التي استندت إليها. وعندها لا تعود المسألة مرتبطة بدقة الخوارزمية فقط، بل بحدود السيطرة البشرية على منظومة تعمل بوتيرة يصعب على البشر مجاراتها. وتزداد المخاطر عندما تمتد هذه القدرات إلى القيادة والسيطرة الاستراتيجية، أو إلى أنظمة ذات صلة بالأسلحة النووية، فخطأ في تفسير سلوك الخصم أو تقييم نواياه قد ينتقل بسرعة من خلل تقني إلى أزمة عسكرية يصعب احتواؤها.

يمثل “ميريديان” أكثر من دراسة لمستقبل الأسلحة. إنه جزء من محاولة أمريكية لإعادة تعريف مصادر القوة في مواجهة الصين، قبل أن يصبح الذكاء الاصطناعي الفائق واقعاً قادراً على تغيير قواعد المنافسة.

المعادلة التي تتشكل تدريجاً لا تختزل في امتلاك سلاح أكثر تطوراً، وإنما في امتلاك الرقائق والحوسبة والبيانات والنماذج والمنصات والقدرة على دمجها ضمن منظومة واحدة. وإذا أصبح الذكاء الاصطناعي الفائق قادراً على التأثير في القرار العسكري، فإن التفوق لن يرتبط فقط بمن يملك القوة النارية الأكبر، بل بمن يستطيع فهم الحرب واتخاذ القرار فيها قبل خصمه.