عدالة دولية

نوبل للسلام لنافي بيلاي.. من مواجهة الفصل العنصري إلى محاسبة مرتكبي الإبادة

بقلم آدمز وايت
بقلم آدمز وايت

أعلنت لجنة نوبل النرويجية، منحَ جائزة نوبل للسلام للقاضية الجنوب إفريقية نافي بيلاي، تقديراً لجهودها في تعزيز السلام والقانون الدولي. ويكرّم القرار مسيرة امتدت من الدفاع عن مناهضي الفصل العنصري إلى المشاركة في إصدار أحكام دولية لمحاسبة المسؤولين عن الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية.

ربطت اللجنة اختيارها بالضغوط التي يتعرض لها النظام القانوني الدولي ومؤسساته، مؤكدة أن تغليب القوة على القانون يقوّض الاستقرار والثقة والتعايش السلمي. واستعادت الصلة بين عمل بيلاي المبكر في الدفاع عن حقوق نيلسون مانديلا وغيره من مناهضي الفصل العنصري، ودورها اللّاحق في القضاء الدولي.

وكانت تبيلاي، البالغة من العمر 85 عاماً، قد تلقت خبر فوزها أثناء مشاركتها في منتدى قانوني بمدينة نورمبرغ الألمانية، التي شهدت محاكمات قادة النظام النازي بعد الحرب العالمية الثانية. وأهدت الجائزة إلى الناجين من الجرائم الدولية والعاملين والمدافعين عن العدالة الدولية.

من مناهضة الفصل العنصري إلى ريادة القضاء الدولي

نشأت بيلاي في جنوب إفريقيا تحت نظام الفصل العنصري، وافتتحت مكتب محاماة في إقليم ناتال عام 1967. وعملت في الدفاع عن ناشطين مناهضين للنظام، وكشف التعذيب، والمساهمة في تثبيت حقوق سجناء جزيرة روبن، حيث كان مانديلا معتقلاً.

وبعد انتهاء الفصل العنصري، عُيّنت عام 1995 قاضية بالإنابة في المحكمة العليا بجنوب إفريقيا، وانتُخبت في العام نفسه لعضوية المحكمة الجنائية الدولية لرواندا. وعملت فيها ثماني سنوات، تولت خلال الأربع الأخيرة منها رئاسة المحكمة، بين 1999 و2003.

وانتقلت بعدها إلى المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي، حيث عملت في دائرة الاستئناف حتى أغسطس/آب 2008، قبل تولّي منصب مفوضة الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان بين 2008 و2014. كما شاركت في تأسيس منظمة “المساواة الآن”، وأسهمت في جهود إدراج ضمانات المساواة ومناهضة التمييز في دستور جنوب إفريقيا.

ويبرز ضمن سجلها حكم جان بول أكاييسو، المسؤول المحلي الرواندي الذي أدانته المحكمة في 2 سبتمبر/أيلول 1998 بالإبادة الجماعية وجرائم ضد الإنسانية. وكانت بيلاي واحدة من ثلاثة قضاة أصدروا الحكم، الذي أقرّ للمرة الأولى أمام محكمة دولية بأن الاغتصاب وغيره من أشكال العنف الجنسي يمكن أن يشكّلوا أعمال إبادة جماعية.

وربط الحكم هذا التوصيف بقصد تدمير جماعة محمية، كلياً أو جزئياً، فوسّع نطاق المحاسبة على العنف الجنسي عندما يُستخدم ضمن أعمال تستهدف تدمير الجماعات.

غزة والعدالة الدولية

برز اسم بيلاي في السنوات الأخيرة من خلال رئاستها السابقة للجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن الأرض الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية، وإسرائيل. وفي تقرير صدر في 16 سبتمبر/أيلول 2025، خلال رئاستها، خلصت اللجنة إلى أن إسرائيل ارتكبت إبادة جماعية بحق الفلسطينيين في قطاع غزة، استناداً إلى تحليل الأفعال والقصد وفق اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها.

ورفضت إسرائيل التقرير ووصفت اتهاماته بأنها فضائحية. وتُعدّ نتائجه استنتاجات صادرة عن هيئة تحقيق أممية، وليست حكماً قضائياً؛ فاللجنة تحقق في الانتهاكات وتقيّم الأدلة، ولا تفصل في القضايا بصفتها محكمة.

وفي اليوم نفسه الذي أُعلنت فيه الجائزة، أعلنت واشنطن فرض عقوبات على المحكمة الجنائية الدولية ذاتها، في تصعيد للضغط الأمريكي على المؤسسة. ولم يسمِّ بيان لجنة نوبل ترامب أو إسرائيل، لكنه شدّد على أهمية حماية النظام القانوني الدولي ومؤسساته.

وتواصل بيلاي عملها القضائي بصفتها قاضية خاصة في محكمة العدل الدولية، بعد اختارتها غامبيا في الدعوى المقامة ضد ميانمار بموجب اتفاقية الإبادة الجماعية بشأن الروهينغا. وتتعلق هذه الصفة بالقضية المحددة، ولا تعني شغل مقعد دائم ضمن قضاة المحكمة. ومن المقرر تسليمها جائزة نوبل للسلام في أوسلو يوم 10 ديسمبر المقبل.

إبنة سائق الحافلة 

وُلدت بيلاي في 23 سبتمبر/أيلول 1941 بحي كليروود في مدينة ديربان، لأسرة من أصول هندية تاميلية، وكان والدها سائق حافلة. وساعدت تبرعات من مجتمعها المحلي في تمويل دراستها بجامعة ناتال، حيث حصلت على البكالوريوس عام 1963، ثم شهادة القانون عام 1965. ولم تكن صعوبة دخول المهنة مالية وحدها؛ فقد واجهت قيود الفصل العنصري التي طالت المحامين غير البيض، وتروي كلية الحقوق بجامعة هارفارد أنها أمضت 28 عاماً في المحاماة من دون أن يُسمح لها بدخول غرف القضاة. 

ووصل القمع إلى أسرتها أيضاً، إذ تولت الدفاع عن زوجها المحامي غابي بيلاي بعدما اعتقلته شرطة الأمن بموجب قانون مكافحة الإرهاب عام 1971. وبعد سنوات من الممارسة، عادت إلى الدراسة، فنالت الماجستير في القانون من هارفارد عام 1982، ثم الدكتوراه في العلوم القانونية عام 1988، لتصبح أول شخص من جنوب إفريقيا يحصل على هذه الدرجة من كلية الحقوق بالجامعة.

نورمبرغ وبدايات الإيمان بالعدالة الدولية

وكان اهتمامها بالعدالة الدولية قد بدأ قبل انتقالها إلى محاكمها بوقت طويل. ففي مكتبة جامعة ناتال، قرأت بيلاي، وهي طالبة، محاضر محاكمات نورمبرغ، وتوقفت عند إمكان محاسبة الأفراد على الجرائم الأشد خطورة أمام قضاء دولي. واستعادت كلية الحقوق بهارفارد هذه المحطة في ملف عن حياتها نشرته عام 2006، تناول أيضاً مشاركتها في محاكمة رئيس الوزراء الرواندي السابق جان كامباندا، الذي أقرّ بالذنب في الإبادة الجماعية.

شملت محطات بيلاي القضائية قضية أخرى بشأن استخدام وسائل الإعلام للتحريض على الإبادة في رواندا، شاركت في إصدار حكمها الابتدائي عام 2003. وفي حديثها عن العمل بالمحكمة، شدّدت على ضرورة منح المتهمين محاكمات عادلة والالتزام بإجراءات دقيقة تكسب المؤسسة صدقيتها؛ وهو جانب يوضح أن مسيرتها شملت، إلى جانب إنصاف الضحايا، حماية ضمانات التقاضي حتى في القضايا المتعلقة بأفظع الجرائم.