بقلم آدمز وايت
بقلم آدمز وايت

مقالات مشابهة

تكنولوجيا

واشنطن وبكين تفتحان قناة لحوادث الذكاء الاصطناعي وسط استمرار سباق التفوق التقني

بقلم آدمز وايت
بقلم آدمز وايت

اتفقت الولايات المتحدة والصين على إنشاء قناة اتصال للتعامل مع حوادث الذكاء الاصطناعي، عقب زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى واشنطن التي جرت من 23 إلى 25 سبتمبر/أيلول 2026. وورد التفاهم في بيان للبيت الأبيض، وإعلان لوزارة الخارجية الصينية في اليوم التالي، ليضيف مساراً للتواصل بشأن المخاطر إلى منافسة تتداخل فيها التكنولوجيا والتجارة والأمن القومي.

بحسب البيانين، سيواصل الطرفان تبادل الآراء بشأن مخاطر التقنية وفوائدها، مع جولة مقبلة في نوفمبر/تشرين الثاني. لكن النصين المعلنين لا يتضمنان سقفاً لقدرات النماذج أو التزاماً بإبطاء تطويرها، ولا يعرضان نظاماً مشتركاً للتحقق من سلامتها. وما أُعلن هو اتفاق على إنشاء قناة اتصال، من دون تحديد موعد بدء تشغيلها.

هذا التداخل بين المنافسة والتنسيق يفسر جانباً مما يُوصف بـ”حرب الذكاء الاصطناعي”. فالصراع يمتد من الرقائق والحوسبة إلى اجتذاب المؤسسات والمستخدمين، ويصاحبه خلاف على الضوابط التي ينبغي أن تحكم الصناعة. وفي سبتمبر/أيلول، أصبحت سرعة التطوير نفسها موضع اعتراض من داخل الشركات التي تقود السباق، مع دعوات إلى منح أبحاث السلامة وقتاً للحاق بالقدرات الجديدة.

سباق يتجاوز النماذج إلى البنية التحتية

وتكشف بيانات جامعة “ستانفورد” حجم الرهان الاقتصادي. فبحسب تقرير “مؤشر الذكاء الاصطناعي 2026″، بلغت استثمارات الشركات عالمياً في القطاع نحو 582 مليار دولار خلال 2025، بزيادة 130% على العام السابق. ووصل الاستثمار الخاص في الولايات المتحدة إلى 286 مليار دولار، مقابل 12.4 مليار دولار في الصين. وينبه التقرير إلى أن الاقتصار على الاستثمار الخاص قد يقلل من تقدير حجم الموارد الصينية، بسبب التمويل الذي توجهه الدولة عبر قنوات أخرى.

في الجانب الصناعي، كشفت “علي بابا” خلال مؤتمرها في الـ 22 من الشهر الجاري عن شريحة (Zhenwu V900)، ضمن خطة تشمل المعالجات والخوادم والنماذج والبنية السحابية. وقالت الشركة إن الشريحة تقدم ثلاثة أمثال أداء سابقتها، وهو تقييم صادر عنها. وتمتد الخطة إلى بناء منظومة تربط إنتاج القدرة الحاسوبية بتطوير النماذج وإتاحتها للعملاء.

وشرح الرئيس التنفيذي للشركة إيدي وو هذا الترابط بتشبيه الحوسبة السحابية بشبكة توصل قدرات الذكاء الاصطناعي إلى مستخدميها. وقال إن تشغيل الوكلاء البرمجيين في مهام طويلة وتكاثر البرمجيات التي ينتجها الذكاء الاصطناعي يرفعان الحاجة إلى الحوسبة المستمرة. ووفق هذه الرؤية، تشمل المنافسة البنية التي ستعتمد عليها التطبيقات، إلى جانب النماذج نفسها.

فرامل داخل المختبر

على الجانب الأمريكي، طرح داريو أمودي، الرئيس التنفيذي لـ”أنثروبيك”، خطة لإبطاء تقدم قدرات النماذج الأكثر تطوراً. وتشمل منح مقيّمين مستقلين وصولاً مستمراً إلى أنظمة الشركات، وتنسيق معايير السلامة، والسعي إلى تفاهمات دولية قابلة للتحقق، لمنح الباحثين وقتاً إضافياً لفهم الأنظمة والتحكم فيها.

لكن دعوته تبقى مرتبطة بحسابات التفوق الأمريكي. ففي المقال نفسه، يدعو أمودي إلى منع بيع الرقائق المتقدمة ومعدات تصنيعها للصين، ويحذر من إبطاء التطوير بما يسمح لها بتجاوز الولايات المتحدة. ويشترط لأي اتفاق دولي ضمانات قوية للتحقق، أو نطاقاً محدوداً يقلل مخاطر إخلال أحد الأطراف به. 

وتستند المخاوف إلى حوادث محددة. ففي تقييم نشرته “أنثروبيك”، تناولت أربع حوادث وصلت خلالها نماذج “كلود” دون تصريح إلى أنظمة حاسوبية حقيقية تابعة لأطراف أخرى. ووقعت الحوادث أثناء اختبارات للأمن السيبراني، شُغّلت فيها النماذج دون الضمانات السيبرانية المصاحبة لنسخها المطروحة للاستخدام، فيما أتاح خلل في إعداد بيئات الاختبار الوصول إلى الإنترنت.

وحددت الشركة مشكلتين في السلوك: تفسير الأدلة بطريقة تبرر مواصلة المهمة، والاستعداد لاتخاذ إجراءات ضارة سعياً إلى إنجازها. وهذه الوقائع لا تثبت أن التطبيقات المتاحة للجمهور خرجت عن السيطرة، لكنها تكشف إخفاقات في عزل بيئات الاختبار وفي سلوك النماذج داخلها. وقالت الشركة إنها عززت المراقبة والعزل، ووقّعت اتفاقاً مع مؤسسة “METR” لإجراء تحقيق مستقل في الحوادث.

وفي واشنطن، برز موقف مختلف تجاه الحاجة إلى قيود إضافية. فقد قال الرئيس دونالد ترامب إن الولايات المتحدة تمتلك بالفعل صلاحيات واسعة لتنظيم شركات الذكاء الاصطناعي وملاحقتها جنائياً، مقللاً من المخاوف التي عبّر عنها قادة في الصناعة. ويظهر الخلاف بين من يعد السلطات القائمة كافية، ومن يطالب بآليات تحقق تواكب تطور النماذج.

ومع استمرار النقاش، تتوالى الإصدارات التجارية. ففي 28 سبتمبر/أيلول أطلقت “أنثروبيك” نموذج “كلود سونيت 5.5″، وقالت إنه يولد المخرجات بسرعة أعلى بأكثر من 30%، ويخفض تكلفة إنجاز المهمة بما يصل إلى 30% مقارنة بـ”سونيت 5″، وفق اختباراتها. وأوضحت أن أسعار الرموز النصية لم تتغير، وأن التوفير يأتي من استخدام عدد أقل منها لإنجاز العمل؛ أي من تحسن كفاءة التشغيل، لا من خفض سعر الوحدة.

ولا تعني دعوة أمودي وقف التدريب أو التحسينات التقنية. فهو يقترح ربط تقدم قدرات النماذج بمتطلبات للسلامة يمكن التحقق منها، بما يتيح مواصلة التطوير مع تخصيص وقت كافٍ للاختبار والمعالجة.

من يراقب السباق

تظهر هنا معضلة أساسية في الرقابة على الذكاء الاصطناعي: فالشركات التي تطوّر النماذج وتسعى إلى تسويقها هي نفسها التي تملك معظم المعلومات عن قدراتها وحدودها ومخاطرها. وفي ظل هذا الاحتكار النسبي للمعلومات، يصبح من الصعب على الجمهور والحكومات تكوين صورة مستقلة عن حقيقة ما يجري داخل مختبرات الذكاء الاصطناعي، الأمر الذي يبرز الحاجة إلى آليات تقييم ورقابة مستقلة وقادرة على التحقق من ادعاءات الشركات ومراجعة مخاطر تقنياتها. 

وتدعم بيانات “ستانفورد” القلق بشأن الشفافية: فقد أشار تقريرها لعام 2026 إلى تراجع متوسط درجات مؤشر شفافية النماذج الأساسية من 58 إلى 40 نقطة، وإلى أن بعض النماذج الأكثر قدرة تفصح عن معلومات أقل.

ويقترح أمودي منح المراجعين الخارجيين حق نشر النتائج الأساسية من دون خضوعهم لسيطرة تحريرية من الشركة، مع استثناءات محددة لحماية المعلومات الحساسة أمنياً أو تجارياً أو قانونياً والبيانات السرية لأطراف أخرى. وترتبط فعالية هذا الترتيب بما يتاح للمراجعين فعلياً، وما يستطيعون إعلانه عند اكتشاف أي إخفاقات.

وعلى المستوى الدولي، حذر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش في 16 سبتمبر/أيلول من أن فترات التوقف الطوعية لن تعالج المشكلة إذا كانت منفردة أو غير قابلة للتحقق أو متفاوتة التطبيق. ودعا الدول الأكثر تقدماً في الذكاء الاصطناعي إلى إنشاء آليات للتواصل وتبادل المعلومات ووضع ضمانات مشتركة، مستحضراً تجربة الاتصالات واتفاقات خفض الترسانات النووية خلال الحرب الباردة.

آثار اقتصادية وأمنية

ويشمل المسار الأممي أيضاً حقوق الإنسان وتفاوت الاستفادة من التكنولوجيا. فالتقرير الأولي الذي أصدرته الهيئة العلمية الدولية المستقلة المعنية بالذكاء الاصطناعي في يوليو/تموز تناول الآثار الاقتصادية والأمنية، وحقوق الإنسان والمعلومات والديمقراطية، إلى جانب إدارة الأنظمة وموثوقيتها. وحذرت الهيئة من أن نمو القدرات يتجاوز قدرة الضمانات الحالية على مواكبته، فيما قد تتسع الفجوة بين المجتمعات في الوصول إلى فوائد التقنية.

أما الاختبار الأقرب للتفاهم الأمريكي الصيني فسيكون في تفاصيل تنفيذه. فالبيانان لا يحددان الحوادث التي تستدعي الاتصال، أو طبيعة المعلومات التي سيتبادلها الطرفان. وحتى تتضح هذه القواعد، يبقى نطاق القناة مفتوحاً: إخطار دبلوماسي بعد وقوع الحوادث، أم تحذير مبكر يتيح الحد من آثارها.