بذكريات كابوس اغتصاب وحشي تعرّضت له ابنتها البالغة من العمر 14 عاماً أمام عينيها أثناء الفرار من “الفاشر”، عاصمة إقليم “دارفور”، في أغسطس 2025، تمضي حليمة إسحق ساعات النهار في محاولة إصلاح خيمتها المُهترئة، اتقاءً لحرّ الصحراء القاتل، وجمع حطب الوقود لطهي حبوب الذرة، لتأمين وجبة واحدة بالكاد تُبقي أطفالها الخمسة على قيد الحياة.
حليمة واحدة من أكثر من 1.3 مليون لاجئ سوداني — 70% منهم نساء وأطفال — فرّوا إلى داخل الأراضي التشادية هرباً من الحرب المُستمرة منذ منتصف أبريل 2023. لكن مأساة اللاجئين لا تتوقف عند حدود معاناتهم، بل تمتد إلى الداخل التشادي، حيث تتزايد المخاوف من أن يؤدي الضغط الهائل على الغذاء والخدمات الصحية والتعليمية إلى تفاقم الأزمة الاقتصادية، في ظل تداعيات إقليمية أوسع تشمل اضطرابات الشرق الأوسط وإغلاق مضيق “هُرمز”.
تواجه تشاد، التي تعتمد بشكل كبير على الاستيراد، ارتفاعاً في فاتورة الغذاء إلى أكثر من 720 مليون دولار سنوياً، مع تراجع الإنتاج الزراعي بنسب تصل إلى 40% في بعض المناطق، ما يزيد هشاشة الوضع الداخلي ويُثير مخاوف من احتجاجات محلية.
مخيمات بلا حياة
يعيش اللاجئون السودانيون أوضاعاً مأساوية تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة، في ظل عجز متزايد لدى المنظمات الدولية عن تلبية الاحتياجات. وبحسب الأمم المتحدة، لا تزال فجوة التمويل تُقدّر بنحو 249 مليون دولار، فيما يظل أكثر من 243 ألف لاجئ عالقين في المناطق الحدودية الشرقية بانتظار نقلهم إلى مواقع أكثر أماناً.
وتؤكد المنظمة الدولية أن الموارد المُتاحة لا تغطي سوى احتياجات أربعة من كل عشرة لاجئين، ما يترك نحو 60% دون خدمات أساسية كافية. وتُحذر سارة غوردون، مسؤولة برنامج الأغذية العالمي، من أن استمرار تشاد في فتح حدودها “يجب أن يقابله التزام دولي حقيقي بتقاسم المسؤولية، قبل أن تتفاقم الأزمة بشكل أكبر”.
شهادات من الجحيم
تعكس شهادات اللاجئين حجم المأساة. فقد وصلت حليمة إسحق إلى تشاد مطلع سبتمبر بعد رحلة استمرت 14 يوماً، سارت خلالها لمسافات طويلة قبل أن تستقل شاحنة مكتظة بالفارّين.
وتروي قائلة: “عندما احتدَم القتال في الفاشر في الأسبوع الأول من أغسطس 2025، قُتل زوجي أثناء مُحاولته شراء الطعام. وبعد فرارنا، اعترضنا مُسلحون… أخذوا ابنتي وتناوبوا على اغتصابها على متن سيارة مكشوفة… كنا نسمع صراخها ولم نستطع فعل شيء”. وتضيف: “واصلنا السير لأيام، وكانت ابنتي تعاني آلاماً شديدة ونوبات رعب… وعندما وصلنا، وجدنا أنفسنا أمام موت بطيء من نوع آخر”.
عند وصولهم، يتلقى اللاجئون مساعدات غذائية محدودة بالكاد تكفي ليوم أو يومين. ويقول حسن آدم، أحد العاملين في منظمة “الندوة العالمية للشباب”، إن الوجبات غالباً ما تتوقف بسبب نقص التمويل، موضحاً أنهم يوزعون محلولاً نشوياً ساخناً “يكفي فقط لسدّ الرمق لساعات”.
ويصف باتريس أهوانسو، ممثل مفوضية اللاجئين في تشاد، الوضع بأنه “مأساوي”، مُحذراً من أن نقص التمويل يُهدد بتفاقم المعاناة في الأشهر المقبلة.
ضغط على الصحة والتعليم والغذاء
قبل تدفق اللاجئين، كانت تشاد تعاني أصلأً من ضعف حاد في البنية التحتية. فهي تحتل مرتبة متقدمة عالمياً في وفيات الأطفال، ويُقدّر عدد الأطفال خارج المدارس بأكثر من 3 ملايين.
اليوم، بات اللاجئون يُشكّلون أكثر من 5% من سكان البلاد، ما أدى إلى اكتظاظ شديد في المدارس والمراكز الصحية، حيث تضم بعض الفصول أكثر من 100 طفل لكل معلم. ويُؤكد أطباء يعملون مع المفوضية أن نقص التمويل أدى إلى تقليص الخدمات الطبية، بل وإيقاف تحويل الحالات الحرجة إلى مستشفيات كبرى، ما ترك العديد من المرضى دون رعاية متخصصة.
تتداخل أزمة اللاجئين مع تدهور الأمن الغذائي في تشاد، التي تُعد من أكثر الدول تأثراً بالتغير المناخي. ومع اضطراب سلاسل الإمداد العالمية، ارتفعت أسعار السلع الأساسية بنسبة تراوحت بين 12 و25%، فيما تصنف الأمم المتحدة 8 مناطق ضمن مرحلة الطوارئ الغذائية و29 منطقة في مرحلة الأزمة.
وتحذر التقديرات من تدهور إضافي قد يدفع 15 منطقة إلى مرحلة أسوأ بحلول منتصف العام، في وقت يحتاج فيه أكثر من 600 ألف طفل سوداني في تشاد إلى دعم غذائي عاجل، إلى جانب نحو مليوني طفل تشادي يعانون أصلأً من سوء التغذية الحاد.
تداعيات أمنية معقدة
لا تقتصر التحديات على الجانب الإنساني، إذ تُلقي تدفقات اللاجئين بثقلها على الوضع الأمني الهش أصلأً في تشاد، التي ترتبط بحدود طويلة ومُعقدة مع السودان تمتد لنحو 1400 كيلومتر.
ويحذر خبراء من أن الطبيعة القبلية المُتداخلة تجعل من الصعب التمييز بين المدنيين والعناصر المسلحة، ما يزيد الضغط على الأجهزة الأمنية. ويقول الباحث في الشؤون الأمنية أحمد محمد صالح إن “الحدود بين البلدين كانت دائماً مَمرَّاً للحركات المسلحة، ومع استمرار الحرب، هناك خطر حقيقي من إعادة تنشيط هذه المسارات”.
تاريخياً، شكّلت الأراضي السودانية مُنطلقاً لحركات تمرد تشادية، إذ وصل حسين حبري إلى السلطة عام 1982 عبر تمرُّد انطلق من السودان، وسلك إدريس ديبي المَسار ذاته عام 1990. كما تتزايد المخاوف من تلاقي هذه التحديات مع تهديدات جماعات مُتطرفة تنشط في منطقة بحيرة تشاد، مثل “بوكو حرام” وتنظيم “داعش”، ما يُضاعف تعقيد المشهد الأمني.
لم تعد أزمة اللاجئين السودانيين في تشاد مُجرّد تداعٍ إنساني عابر، بل تحوّلت إلى اختبار قاسٍ لقدرة الدولة والمجتمع الدولي على احتواء كارثة متعددة الأبعاد. وبين مخيمات تتآكل تحت ضغط الجوع والحرّ، وحدود مفتوحة على احتمالات الانفلات، يتقدّم سؤال واحد بإلحاح: هل يتحرّك العالم قبل أن تتحوّل هذه المأساة إلى بُؤرة عدم استقرار إقليمي يصعب احتواؤها، أم يتركها تتفاقم حتى نقطة اللاعودة؟
