في صباح أحد الشعانين، الموافق لـ 29 مارس 2026، كان من المنتظر أن يقود الكاردينال بييرباتيستا بيتسابالا قداساً دينياً في كنيسة القيامة في القدس، أحد أقدس المواقع المسيحية في العالم. غير أن المشهد عند أبواب البلدة القديمة اتخذ منحى غير متوقع، حين مُنع من الدخول، قبل أن يُسمح له لاحقاً بعد تدخلات.
الحادثة، التي وصفتها البطريركية اللاتينية بأنها “غير معقولة وغير متناسبة بصورة فادحة”، لم تُقرأ بوصفها واقعة معزولة، بل كجزء من سياق أوسع يتشكل منذ أكثر من عقدين، ويعكس تحولاً تدريجياً في آليات تنظيم الوصول إلى الأماكن المقدسة في القدس.
تشير مراجعة لوثائق أممية وبيانات كنسية وتقارير حقوقية إلى أن حرية العبادة في المدينة لم تعد تُمارس باعتبارها حقاً ثابتاً، بل باتت خاضعة لمنظومة إدارية معقدة، تقوم على التصاريح والقيود المتغيرة، وتعيد صياغة الوصول إلى المقدسات ضمن اعتبارات أمنية وتنظيمية متبدلة.
من “الحق” إلى “الإذن”: كيف تغيّرت المعادلة؟
على المستوى القانوني، تبدو المعادلة واضحة: ينص قانون حماية الأماكن المقدسة الإسرائيلي لعام 1967 على ضمان حرية الوصول إلى المواقع الدينية لجميع الأديان، كما تؤكد معاهدة السلام الأردنية–الإسرائيلية لعام 1994 المبدأ ذاته، بوصفه حقاً مكفولاً لا يقبل التقييد.
غير أن الواقع الميداني يعكس صورة مختلفة تماماً.
الوصول إلى المسجد الأقصى أو كنيسة القيامة لم يعد ممارسة مفتوحة، بل بات خاضعاً لمنظومة متشابكة من الإجراءات الإدارية والأمنية، تشمل إصدار تصاريح دخول فردية، وفرض قيود عمرية، ونشر حواجز عسكرية ونقاط تفتيش، إلى جانب تحديد أعداد المصلين، وإصدار أوامر إبعاد شخصية.
بالنسبة للفلسطينيين القادمين من الضفة الغربية وقطاع غزة، يتحول الوصول إلى القدس الشرقية إلى مسار إجرائي معقد يبدأ بطلب تصريح مسبق، غالباً ما يكون محدود الصلاحية أو مشروطاً، وقد يُرفض دون إبداء أسباب واضحة.
في هذا السياق، تشير تقارير أممية إلى أن الوصول إلى أماكن العبادة لم يعد يُعامل بوصفه حقاً مضموناً، بل كامتياز يُدار عبر نظام تصاريح مرن، قابل للتشديد أو التخفيف وفق اعتبارات متغيرة.
فجوة بين الخطاب الرسمي والواقع
في الوقت الذي تؤكد فيه الحكومة الإسرائيلية، في خطابها الموجّه إلى الخارج، التزامها بحماية حرية العبادة وضمانها لجميع الأديان، تعكس الوقائع الميدانية صورة مغايرة تزداد وضوحاً مع تكرار الحوادث.
فقد كرر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في أكثر من مناسبة أن إسرائيل “تحمي المسيحيين وتضمن ازدهارهم”، وبأنها الدولة الوحيدة في المنطقة التي تقوم بذلك. إلا أن سلسلة الوقائع على الأرض، مثل منع المصلين من دور العبادة وفرض قيود على طقوسهم الدينية، تثير تساؤلات متزايدة حول اتساع الفجوة بين النصوص المعلنة والتطبيق الفعلي.
هذا التباين لا يُختزل في حوادث متفرقة، بل يعكس نمطاً بنيوياً قائماً، تُحافظ فيه الأطر القانونية على خطابها المعلن، فيما تُدار تفاصيل الوصول والممارسة اليومية عبر قرارات أمنية وإدارية مرنة، قابلة للتغيير وفقاً للظروف والتقديرات.
تاريخياً، تُدار الأماكن المقدسة في القدس ضمن ما يُعرف بـ”الوضع القائم”، وهو نظام راسخ يحدد بدقة حقوق الطوائف الدينية في إدارة المواقع وتنظيم الطقوس، ويهدف في جوهره إلى منع أي تغيير في الترتيبات القائمة. غير أن هذا الإطار، رغم ثباته النظري، يواجه في السنوات الأخيرة تحديات متزايدة.
فعلى الأرض، تسمح الإجراءات الميدانية، كالحواجز ونظام التصاريح، بإعادة تشكيل واقع الوصول إلى هذه المواقع من دون الحاجة إلى تعديل رسمي في القواعد الناظمة. وبذلك، لا يجري المساس بـ”الوضع القائم” بشكل مباشر، بل يُعاد تعريفه عملياً عبر التحكم في من يمكنه الوصول، متى، وكيف.
عقدان من القيود المتصاعدة
منذ مطلع الألفية، لم تتخذ القيود المفروضة على الوصول إلى الأماكن المقدسة في القدس شكلاً ثابتاً، بل تطورت عبر مراحل متعاقبة، ارتبطت بالسياقات الأمنية والسياسية، لكنها اتسمت جميعاً باتجاه تصاعدي واضح.
في الفترة ما بين عامي 2000 و2005، ومع اندلاع الانتفاضة الثانية، بدأت ملامح هذا التحول بالظهور من خلال فرض قيود واسعة على الحركة، شملت إقامة الحواجز وبناء الجدار، ما جعل الوصول إلى القدس، للمرة الأولى بهذا الشكل، مشروطاً بإجراءات أمنية صارمة.
ومع حلول عامي 2010 و2011، امتدت هذه القيود إلى المواسم الدينية، حيث فُرضت قيود عمرية خلال شهر رمضان وأسبوع الآلام، وتراجعت نسب الموافقة على تصاريح المسيحيين بشكل ملحوظ، لتصل في بعض الحالات إلى نحو 10% فقط، ما حدّ من المشاركة في الطقوس الدينية.
وفي عام 2017، برزت قدرة القرار الأمني على التأثير الفوري في الوصول، عندما مُنع رجال دون سن 50 عاماً من دخول المسجد الأقصى في ذروة التوترات، في خطوة عكست مرونة الإجراءات وسرعة تطبيقها.
لاحقاً، بين عامي 2022 و2023، انتقلت القيود إلى داخل المواقع الدينية نفسها، حيث فُرضت سقوف عددية على المشاركين في طقوس “سبت النور” داخل كنيسة القيامة، ما أثار احتجاجات كنسية وصفت الإجراءات بأنها “ثقيلة وغير مبررة”.
أما بعد أحداث 7 أكتوبر 2023، فقد شهدت الإجراءات تشديداً غير مسبوق، تمثل في سحب تصاريح، وتوسيع نطاق القيود على الحركة، وتقليص الوصول إلى القدس حتى للأغراض الأساسية، بما في ذلك العبادة.
وفي عام 2026، بدا أن هذه السياسات بلغت مرحلة أكثر تنظيماً، مع اعتماد مقاربات رقمية لتحديد الوصول، كما في خطة رمضان التي سمحت بدخول 10,000 مصلٍ فقط أسبوعياً من الضفة الغربية، ضمن قيود عمرية صارمة، في مؤشر على انتقال إدارة العبادة إلى نموذج قائم على التحكم الكمي المسبق.
التأثير على المسلمين والمسيحيين
لا تقتصر آثار القيود المفروضة على الوصول إلى الأماكن المقدسة على جانب الحركة فحسب، بل تمتد لتطال طبيعة الممارسة الدينية نفسها لدى المسلمين والمسيحيين على حد سواء.
بالنسبة للمسلمين، تتكرر القيود على دخول المسجد الأقصى، لا سيما خلال شهر رمضان، حيث تُفرض في كثير من الأحيان اشتراطات عمرية تستبعد فئات كاملة من المصلين، ما يحد من المشاركة الواسعة في الصلوات الجماعية.
أما المسيحيون، فيواجهون صعوبات مماثلة في الوصول إلى كنيسة القيامة، خصوصاً القادمين من الضفة الغربية، إضافة إلى قيود تطال طقوساً مركزية مثل احتفالات عيد الفصح، التي تشهد بدورها تحديداً في أعداد المشاركين وإجراءات تنظيمية مشددة.
في كلا الحالتين، لا يقتصر التأثير على إمكانية الوصول فحسب، بل يطال أيضاً الطابع الجماعي للعبادة، الذي يتقلص تدريجياً تحت وطأة القيود، ليصبح أكثر تقييداً وأقل شمولاً.
إلى جانب القيود العامة المفروضة على الوصول، برزت أوامر الإبعاد كأداة إضافية تُستخدم على المستوى الفردي، حيث يُمنع أشخاص بعينهم من دخول الأماكن المقدسة لفترات قد تمتد لأسابيع أو حتى أشهر.
غالباً ما تصدر هذه الأوامر عقب استدعاءات أو تحقيقات أمنية، ما يعكس نمطاً من السيطرة يتجاوز التنظيم الجماعي، ليطال الأفراد بشكل مباشر، ويقيّد حضورهم الديني بصورة انتقائية.
تداعيات سياسية ودينية
لا تنحصر آثار هذه السياسات في البعد الديني، بل تمتد إلى مستويات سياسية ودبلوماسية أوسع. فأي تغيير في آليات الوصول إلى المقدسات يُنظر إليه بوصفه مساساً بـ”الوضع القائم” التاريخي، في حين تثير القيود المفروضة على المسجد الأقصى تساؤلات تتعلق بالدور الأردني في رعاية المقدسات الإسلامية.
على الصعيد الدولي، تتكرر ردود الفعل بين بيانات إدانة صادرة عن الفاتيكان، ومواقف أوروبية، وأخرى عربية وإسلامية، ما يعكس حساسية الملف وتداخله مع التوازنات الإقليمية والدولية.
بذلك، يتجاوز تنظيم العبادة كونه إجراءً إدارياً، ليصبح جزءاً من معادلة سياسية أوسع تتشابك فيها السيادة والدين والدبلوماسية.
في المقابل، تؤكد السلطات الإسرائيلية أن هذه الإجراءات تأتي في إطار اعتبارات أمنية وتنظيمية، خاصة في ظل التوترات المتكررة التي تشهدها المدينة. لكن منتقدين يرون أن هذه المبررات تُستخدم على نحو متسع، بحيث تتحول الإجراءات الاستثنائية تدريجياً إلى واقع دائم، يُعاد إنتاجه في كل موسم ديني أو تصعيد أمني.
هنا يبرز سؤال جوهري، أين ينتهي مقتضى الأمن، وأين يبدأ الحق في العبادة؟
عبادة تحت الإدارة
بعد أكثر من عقدين من القيود المتراكمة، تبدو حرية العبادة في القدس وكأنها لم تعد تُمارس وفق ما تنص عليه القوانين، بل وفق ما تسمح به الإجراءات على الأرض.
هذا التحول لم يكن فجائياً، بل حدث تدريجياً، عبر مسار بدأ بإجراءات أمنية مؤقتة، ثم تطور إلى نظام تصاريح، وصولاً إلى نمط متكامل من إدارة الحضور الديني، يحدد من يمكنه الوصول، ومتى، وتحت أي شروط.
وفي مدينة طالما عُدّت رمزاً للتعدد الديني، لم يعد الوصول إلى المقدسات مرتبطاً بالإيمان وحده، بل أصبح، على نحو متزايد، مرهوناً بسلسلة من الموافقات والإجراءات التي تعيد تعريف معنى الحرية الدينية في الواقع اليومي.











