أثار قانون جديد اعتمدته سلطات “طالبان” في أفغانستان موجة إدانات حقوقية وقانونية واسعة، بعد تسريب مواد منه تتعلق بالعنف الأسري وحقوق الزوجة داخل المنزل، وسط اتهامات بأنه يمنح الأزواج غطاءً قانونياً لممارسة “التأديب” الجسدي ضمن حدود معينة، ويزيد في الوقت نفسه من صعوبة لجوء النساء إلى القضاء أو الاحتماء بأسرهن.
يأتي الجدل حول القانون في سياق بالغ الحساسية، مع استمرار القيود المفروضة على النساء والفتيات منذ عودة “طالبان” إلى السلطة في أغسطس 2021، بما يشمل التعليم والعمل وحرية الحركة، ما يجعل أي تعديل قانوني يمس الأسرة والعدالة محل تدقيق داخلي ودولي كبير.
قانون جديد بتعميم غير معلن
بحسب ما تداولته منظمات حقوقية أفغانية وتقارير قانونية دولية، وقّع زعيم “طالبان” الأعلى هبة الله أخوندزاده في 7 يناير/كانون الثاني 2026 على وثيقة تحمل اسم “أصول الإجراءات الجزائية للمحاكم” (المعروفة بالبشتوية باسم “د محاکمو جزایي اصولنامه”).
تتكون الوثيقة من 119 مادة موزعة على ثلاثة أقسام وعشرة فصول، وتقول تقارير حقوقية إنها وُزعت على المحاكم في مختلف أنحاء البلاد للتنفيذ، من دون إعلان عام واسع أو نقاش علني بشأن مضمونها، وهو ما أثار مخاوف إضافية بشأن طبيعة المواد الواردة فيها وآليات تطبيقها.
وبرزت تفاصيل النص إلى العلن بعد أن أعلنت منظمات حقوقية أفغانية، من بينها “رواداري”، حصولها على نسخة من النص الأصلي وتحليل مواده، خصوصاً تلك المتعلقة بالأحوال الأسرية والعقوبات التقديرية.
“التعزير” بدل الرَّدع الواضح
الجانب الأكثر إثارة للجدل في القانون يتعلق بتصنيف كثير من أشكال العنف المنزلي ضمن “التعزير” (العقوبة التقديرية)، بدل وضعها في إطار تجريم صارم وواضح يوفر حماية مباشرة للضحية. وترى منظمات حقوقية أن هذا التصنيف يفتح الباب أمام تفاوت كبير في التفسير والتنفيذ، ويمنح مساحة واسعة لاجتهاد القاضي والسلطات المحلية، بدل ترسيخ معايير حماية ثابتة.
بحسب القراءة الحقوقية المتداولة، فإن النص يترك مجالاً للقول إن الزوج لا يُعد مجرماً إلا إذا بلغ الضرب حداً “مفرطاً” وأدى إلى إصابات ظاهرة، مثل الكسور أو الجروح المفتوحة أو الكدمات الواضحة. وفي هذه الحالة، لا تتجاوز العقوبة السجنية في بعض الصياغات المتداولة 15 يوماً، وهو ما اعتبرته منظمات حقوقية تقليلاً خطيراً من جسامة العنف الأسري.
ترى تلك الجهات أن المشكلة لا تقف عند حدود العقوبة المخففة، بل تمتد إلى الفلسفة القانونية نفسها، إذ إن النص -وفقاً لمنتقديه- لا يضع حظراً صريحاً على أنماط واسعة من العنف النفسي أو الإكراه أو الإيذاء غير المرئي، ما يجعل نطاق الحماية القانونية محدوداً للغاية.
عبء الإثبات على الضحية
من أكثر النقاط التي أثارت الاستياء أن عبء الإثبات، وفقاً للتحليلات الحقوقية، يبقى على الزوجة نفسها. أي أن المرأة مطالبة بإثبات الضرر أمام القاضي، في بيئة قانونية واجتماعية شديدة التقييد، ومع وجود قيود مفروضة أصلاً على حركة النساء وحضورهن في الفضاء العام.
وتقول تقارير حقوقية إن هذا الشرط يجعل الوصول إلى العدالة شبه مستحيل في كثير من الحالات، لا سيما عندما تكون الضحية تحت ضغط أسري أو اقتصادي أو اجتماعي، أو حين يكون الشخص المطلوب حضوره معها إلى المحكمة من دائرتها القريبة هو نفسه طرفاً في النزاع.
تشير الانتقادات هنا إلى أن القوانين لا تُقاس فقط بنصوصها المجردة، بل أيضاً بإمكان تطبيقها عملياً. وفي حالة النساء في أفغانستان، فإن أي نص يُحمّل الضحية وحدها كلفة الإثبات واللجوء والمتابعة القضائية، من دون ضمانات حماية فعالة، يُنظر إليه باعتباره عامل ردع ضد الشكوى أكثر من كونه أداة إنصاف.
مواد أخرى تزيد الجدل
الانتقادات لم تتوقف عند مادة الضرب، بل امتدت إلى مواد أخرى تتعلق بطبيعة السلطة داخل المنزل. فقد أثار نص منسوب إلى المادة 4 (البند 5) اعتراضات واسعة، بعد أن أُشير إلى أنه يسمح بتنفيذ بعض عقوبات “التعزير” بواسطة “الزوج أو السيد”، وهو تعبير اعتبرته جهات حقوقية شديد الخطورة من حيث الدلالة القانونية والرمزية، لأنه يوسع سلطة العقاب الخاص داخل نطاق الأسرة.
كما أثارت المادة 34، وفق ما نقلته التقارير الحقوقية، جدلاً كبيراً لأنها تتناول مسألة مغادرة الزوجة منزل الزوجية دون إذن الزوج أو دون “مبرر شرعي”. وتشير القراءة المتداولة إلى أن المادة تفرض عقوبات قد تصل إلى السجن على الزوجة إذا رفضت العودة بعد طلب الزوج وقرار قضائي، كما تُجيز معاقبة الأقارب الذين يؤوونها أو يساعدونها على البقاء بعيداً عن منزل الزوجية.
تعد هذه النقطة من أخطر ما في القانون، بحسب منتقديه، لأنها تمس “شبكة الأمان” العائلية التي تلجأ إليها النساء عادة عند التعرض للعنف، وتحول الأقارب من جهة حماية محتملة إلى أطراف مهددة بالعقوبة.
خلفية حقوقية متدهورة منذ 2021
يأتي هذا القانون في سياق أوسع من التراجع الحاد في أوضاع النساء تحت حكم “طالبان”. فمنذ 2021، فرضت السلطات قيوداً متتالية شملت حظر التعليم الثانوي والجامعي للفتيات، وتقييد فرص العمل، واشتراطات على السفر والتنقل، وقيوداً على الظهور العام واللباس.
في ظل هذا المناخ، ترى منظمات حقوقية أن القانون الجديد لا يمثل إجراءً منفصلاً، بل حلقة إضافية في مسار تشريعي وإداري يرسخ تبعية النساء داخل الأسرة والمجتمع، ويضعف آليات الحماية القانونية التي كانت موجودة -ولو بصورة ناقصة- في مراحل سابقة، بما في ذلك القوانين المرتبطة بمنع العنف ضد المرأة.
كما يخشى حقوقيون من أن يؤدي الخوف من مناقشة هذه المواد علناً، في ظل حساسية الملف، إلى ترسيخ واقع قانوني جديد من دون رقابة مجتمعية أو مهنية كافية، وهو ما يضاعف أثره على النساء الأكثر هشاشة في المناطق الريفية والفقيرة.
صمت رسمي وانتقادات متصاعدة
حتى الآن، لم يصدر تعليق رسمي واضح من سلطات “طالبان” يرد مباشرة على الانتقادات المتداولة بشأن هذه المواد. لكن الصمت الرسمي، في نظر منتقدي القانون، لم يخفف من حدة الغضب، بل زاد المخاوف من أن يكون النص جزءاً من توجه متعمد لإعادة صياغة علاقة الدولة بالمرأة عبر بوابة القضاء والأسرة.
في المحصلة، لا يبدو الجدل حول القانون محصوراً في مادة واحدة أو عقوبة مُحددة، بل يتصل بسؤال أعمق: هل تتحول القوانين في أفغانستان إلى أدوات لتنظيم العدالة، أم إلى أدوات لترسيخ سلطة الأسرة الذكورية وتقييد خيارات النساء في النجاة والشكوى والحماية؟



