بقلم محرّر الشؤون السياسية: حموش أبوبكر
بقلم محرّر الشؤون السياسية: حموش أبوبكر

مقالات مشابهة

تحليل سياسي

واشنطن تبحث عن “نقطة التراجع” وطهران تتمضي في الاستنزاف.. الخليج بين كلفة الدفاع ومعركة فرض الشروط

بقلم محرّر الشؤون السياسية: حموش أبوبكر
بقلم محرّر الشؤون السياسية: حموش أبوبكر

تدخل المواجهة الجارية مع إيران مرحلة مفصلية تتسم بتراجع احتمالات الحسم العسكري السريع، مقابل تصاعد التنافس على صياغة نهاية الحرب وشروطها، في ظل تداخل الضغوط السياسية الأمريكية، والحسابات الإسرائيلية، والمخاوف الخليجية من بقاء التهديد قائماً، إضافة إلى انعكاسات مباشرة على أمن الطاقة العالمي.

المعطيات الصادرة عن مراكز بحث غربية، بينها معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى ومعهد “بروكينغز”، تشير إلى أن الضربات العسكرية الأولية أضعفت قدرات نوعية، لكنها لم تُحدث انهياراً استراتيجياً حاسماً. هذا التحول ينقل الصراع من منطق “الضربة والنتيجة” إلى معادلة أكثر تعقيداً: كيف تُترجم القوة العسكرية إلى مكاسب سياسية مستدامة؟

تميل التقديرات الأمريكية إلى استبعاد سيناريو الانهيار القريب للنظام الإيراني، ما يعزز فرضية استمرار المواجهة ضمن سقف مضبوط، أقرب إلى إدارة نزاع ممتد منه إلى حسم شامل.

الخليج: من عمق جغرافي إلى مسرح ضغط مركزي

لم يعد الخليج فضاءً محيطاً بالحرب، بل أصبح أحد محدداتها الأساسية، حيث تتركز البنية التحتية للطاقة والممرات البحرية الحيوية، ما يجعله نقطة تماس مباشرة مع ديناميات التصعيد.

تشير معطيات ميدانية إلى أن الهجمات الصاروخية والمسيّرة استهدفت منشآت نفطية وغازية وموانئ في عدة دول خليجية، ما أدى إلى تعطيلات جزئية ورفع مستوى الاستنفار الدفاعي، رغم النجاحات اللافتة في عمليات الاعتراض. لكن التحدي الأكبر لا يكمن فقط في عدد الهجمات، بل في طبيعتها: أسلحة منخفضة الكلفة، عالية الكثافة، قادرة على إنهاك منظومات دفاعية باهظة الثمن.

وفق تقديرات مراكز بحثية، تصل كلفة صاروخ الاعتراض إلى ملايين الدولارات، في مقابل مسيّرات إيرانية لا تتجاوز عشرات آلاف الدولارات، ما يخلق معادلة استنزاف غير متكافئة. هذه المعادلة تعني أن الدفاع ممكن تقنياً، لكنه مكلف ومرهق اقتصادياً على المدى المتوسط والبعيد. وهنا، يتحول الأمن من مسألة عسكرية إلى معضلة استراتيجية-اقتصادية، تمس استدامة الردع لا فعاليته اللحظية.

تصعيد مُعلن: ضغط لإعادة تشكيل شروط النهاية

يُشير تصريح يسرائيل كاتس وزير الدفاع الإسرائيلي الأخير حول “تصعيد ملحوظ” بالتنسيق مع الولايات المتحدة إلى محاولة مدروسة لرفع مستوى الضغط العسكري بعد مرحلة استنزاف أولية لم تُفضِ إلى حسم. إن الإشارة إلى استهداف “البنية التحتية” الإيرانية تعكس توجّهاً نحو توسيع نطاق التأثير من القدرات العسكرية المباشرة إلى عناصر الدعم الاستراتيجي، بما ينسجم مع المقاربة الإسرائيلية الداعية إلى تغيير طويل الأمد في ميزان الردع، لا الاكتفاء باحتواء مؤقت.

لكن هذا المسار يحمل مخاطر موازية، إذ إن توسيع بنك الأهداف قد يدفع إيران إلى تصعيد غير متكافئ، خصوصاً في الخليج والممرات الحيوية، ما يهدد بتحويل الضغط العسكري إلى عامل إطالة للصراع بدل حسمه. وهنا يصبح التصعيد جزءاً من معركة فرض شروط النهاية، لكنه في الوقت ذاته يعمّق معضلة الحرب الحالية المتمثلة برفع الكلفة دون ضمان تسريع نهايتها. 

تحول الدفاع: من الصواريخ إلى المسيّرات الاعتراضية

في مواجهة هذا التحدي، بدأت ملامح تحول نوعي في بنية الدفاع الجوي الخليجي، مع دخول خبرات وتقنيات جديدة، أبرزها من أوكرانيا. فقد أفادت تقارير هذا الأسبوع بأن فرقاً أوكرانية متخصصة انتشرت في عدد من دول المنطقة لتقديم الدعم الفني في اعتراض الأهداف الجوية، مع تركيز خاص على مواجهة أسراب المسيّرات.

كما يتزايد الاهتمام باستخدام مسيّرات اعتراضية منخفضة الكلفة، طورتها شركات أوكرانية، كبديل أو مكمل للصواريخ التقليدية، في محاولة لإعادة التوازن إلى معادلة الكلفة.

هذا التحول لا يعكس فقط تطوراً تقنياً، بل إدراكاً استراتيجياً بأن الحرب الحالية تفرض نمطاً جديداً من الدفاع يقوم على المرونة والكلفة المنخفضة والانتشار الواسع.

واشنطن وتل أبيب: خلاف على تعريف “النهاية”

في واشنطن، تتزايد الضغوط السياسية الداخلية على دونالد ترامب لإنهاء الحرب أو تقليصها، في ظل مخاوف اقتصادية تدفع الإدارة الأمريكية إلى البحث عن صيغة خروج تسمح بإعلان إنجاز عسكري دون الانزلاق إلى مواجهة طويلة.

لكن هذا التوجه يصطدم بمخاوف إقليمية، خصوصاً في الخليج، من أن إنهاء الحرب دون معالجة جذرية للتهديد الإيراني قد يعيد إنتاج الأزمة خلال فترة قصيرة.

في المقابل، تميل إسرائيل إلى مقاربة أكثر تشدداً، تقوم على أن أي نهاية للحرب يجب أن تُفضي إلى تقليص دائم لقدرات إيران ووكلائها، خصوصاً ما يتعلق بالقدرات الصاروخية والشبكات الإقليمية. هذا التباين بين الحليفين يعكس خلافاً جوهرياً: هل الهدف إنهاء الحرب… أم إنهاء التهديد؟

الطاقة والممرات: العامل الحاسم في مسار الحرب

بالتوازي مع التطورات العسكرية، برزت الممرات البحرية، وعلى رأسها مضيق “هُرمز”، بوصفها العامل الأكثر تأثيرًا في تحديد اتجاه الحرب. وفقاً لمعهد “بروكينغز”، يمر عبر المضيق نحو 20% من النفط العالمي، ما يجعل أي اضطراب فيه ذا انعكاسات فورية على الأسواق العالمية.

أدى تصاعد التهديدات إلى ارتفاع كبير في تكاليف الشحن والتأمين، وتعطيل جزئي في تدفقات الطاقة، ما وضع الحرب في إطار أزمة طاقة عالمية محتملة، وليس مجرد نزاع إقليمي.

السيناريوهات: بين إنهاء سريع وصراع ممتد

في ضوء هذه المعطيات، تتقاطع تقديرات خبراء في مجلس العلاقات الخارجية ومركز الدراسات الاستراتيجية والدولية حول ثلاثة مسارات رئيسية للحرب في المدى القريب:

المسار الأول: احتواء سياسي سريع تسعى من خلاله واشنطن إلى خفض التصعيد والتوصل إلى صيغة غير معلنة لوقف العمليات. لكن مخاطرة تتركز في بقاء التهديد الإيراني قائماً، خاصة تجاه الخليج.

المسار الثاني: تصعيد محسوب ومستمر يتمثل في استمرار الضربات المتبادلة مع تركيز على منشآت الطاقة والممرات البحرية. تتلخص مؤشراته بارتفاع الكلفة الاقتصادية وتكرار الهجمات منخفضة الكلفة.

المسار الثالث: إعادة تشكيل الردع الإقليمي من خلال مواصلة الضغط العسكري والاقتصادي حتى تقليص قدرات إيران بشكل كبير، لكن كلفته مرتفعة جداً قد تتطلب انخراطاً دولياً أوسع.

حرب تُرسم خارج الميادين التقليدية

تكشف المرحلة الراهنة أن الحرب مع إيران لن تُحسم فقط داخل أراضيها، بل في الخليج، وفي الممرات البحرية، وفي كلفة الدفاع، وفي قدرة الدول على التكيف مع نمط جديد من التهديدات.

وبين ضغوط أمريكية لإنهاء الحرب، ورغبة إسرائيلية في تعميق نتائجها، وقلق خليجي من “نهاية ناقصة”، تتجه المواجهة نحو مرحلة مساومة تحت الضغط العسكري والاقتصادي. وهنا لم يعد السؤال: متى تنتهي الحرب، بل: من يفرض شكل النهاية؟… ومن يتحمل كلفة ذلك؟

ترامب للناتو: أنتم “نمر من ورق”

بعد أن وصل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى مفترق طرق بما بتعلق بالحرب الإيرانية، تحول إلى اتجاه آخر مع شن هجوم لاذع على حلف الشمال الأطلسي “الناتو”، واصفا إياه بأنه “نمر من ورق” و”جبان”، بسبب تقاعس الحلف عن تقديم المساعدة في تأمين مضيق “هُرمز”.

قال ترامب: “بدون الولايات المتحدة، الناتو هو نمر من ورق! لم يرغبوا في الانضمام إلى المعركة لوقف إيران المسلحة نووياً. الآن تم ربح تلك المعركة عسكرياً، مع خطر ضئيل جداً عليهم”. لكنه، في نفس الوقت، رفع التصعيد مهدداً بالانسحاب من الحلف.