بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

مقالات مشابهة

تقرير إخباري

“مُقامرة إسلام آباد”.. هل تنجح الوساطة الباكستانية في نزع فتيل الحرب الكبرى بين الولايات المتحدة وإيران؟

بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

تتجه الأنظار إلى باكستان بوصفها المرشح الأبرز لاستضافة مفاوضات أمريكية–إيرانية حساسة، في خضم التصعيد العسكري المتسارع، في محاولة لاحتواء أزمة تتجاوز حدود الإقليم، وتهدد الاستقرار العالمي. وبينما تتضارب التصريحات الرسمية، وتتواصل الضربات المتبادلة بين تل أبيب وطهران، يبرز اسم إسلام آباد خياراً منطقياً يجمع بين القدرة على الوساطة والقبول السياسي من الأطراف المتصارعة، في “مُقامرة دبلوماسية” قد تحدد مستقبل المنطقة.

لم يُضعف تصاعد العمليات العسكرية على الأرض من الزخم الدبلوماسي، بل أصبح أداة ضغط متبادلة بين الأطراف؛ إذ يسعى كل طرف إلى تعزيز شروطه التفاوضية عبر الميدان، فيما تحاول القنوات السياسية تجنب الانزلاق إلى حرب مفتوحة. وقد جعلت هذه “المقامرة بين الضغط العسكري والتحرك الدبلوماسي المهلة الأمريكية المحددة بخمسة أيام لحل الأزمة عاملاً محورياً، وسط حراك إقليمي مكثف لتقريب وجهات النظر قبل انفجار أكبر.

دبلوماسية الظل: من يقود المفاوضات؟

على الرغم من تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن وجود “محادثات جدية”، تواصل طهران إنكار أي لقاء مباشر، في أسلوب تكتيكي معروف لإدارة التوازن بين الداخل والخارج. ويعتمد الجانب الأمريكي على فريق مرن خارج القنوات التقليدية، يقوده ستيف ويتكوف كمبعوث متخصص في الشؤون الإيرانية والملف النووي، وجاريد كوشنر الذي يشرف على الجوانب الاستراتيجية والسياسية للعلاقات الإقليمية، مع احتمال مشاركة جيه دي فانس، المسؤول عن التنسيق بين الإدارة والكونغرس لضمان توافق القرارات السياسية مع الدعم التشريعي. 

يسعى هذا الفريق لضمان سرعة اتخاذ القرار ومرونته بعيداً عن البيروقراطية التقليدية، بما يتيح التفاعل الفوري مع متغيرات الميدان وتحقيق تقدم ملموس على طاولة المفاوضات.

في المقابل، يظهر وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي كواجهة تفاوضية، لكن القرار النهائي يتجاوز الأطر الرسمية ليشمل مستويات أعمق من السلطة، حيث يتداخل البرلمان والمؤسسة العسكرية مع مراكز النفوذ غير المعلنة، في ما يشبه شبكة حماية داخلية لمصالح النظام.

جولة الـ5 أيام: بين قاليباف وخامنئي

يمثل رئيس البرلمان الإيراني، محمد باقر قاليباف، التيار المحافظ الذي يوازن بين الانفتاح التكتيكي والتمسك بثوابت النظام. وعلى الرغم من أنه ليس مفاوضاً مباشراً، إلا أن له دوراً محورياً في نجاح أي اتفاق محتمل، إذ يشرف على تمرير أو عرقلة أي تفاهم داخلياً، ويضبط الخطاب السياسي تجاه المفاوضات، ويضمن تنسيقاً سلساً مع المؤسسات الأمنية لتجنب أي تعارض مع السياسات العامة. غياب موافقته قد يحول أي اتفاق إلى مجرد ورقة على الطاولة، وهو ما يجعل دوره أحد أعمدة “المقامرة السياسية” في طهران.

إلى جانب البرلمان الإيراني، يبرز مُجتبى خامنئي كأهم شخصية في صنع القرار داخل إيران، على الرغم من أنه لم يظهر علناً منذ توليه منصب المُرشد الأعلى. هذا الغياب الكامل عن الأنظار يُثير جدلاً واسعاً حول مدى تفاعله المباشر مع الأحداث، لكنه يمارس تأثيره الفعلي عبر شبكة من المستشارين والممثلين داخل المؤسسات السياسية والحرس الثوري، ويضع الخطوط الحمراء لأي اتفاق محتمل.

إن غياب مُجتبى عن المشهد العلني لا يقلل من تأثيره، بل يجعل أي خطوة على طاولة المفاوضات مسألة دقيقة للغاية. ونجاح أي اتفاق محتمل يعتمد على توافق داخلي كامل بين البرلمان والمؤسسة العسكرية، وهو ما يُحوّل المفاوضات إلى “مقامرة دقيقة”، حيث يمكن لأي قرار تجاوز إرادته أو تجاهل خطه الأحمر أن يؤدي إما إلى انهيار الوساطة أو تصعيد عسكري مفاجئ.

لماذا باكستان؟ الجغرافيا والسياسة تلتقيان

يعكس اختيار إسلام آباد توازناً دقيقاً؛ فهي تمتلك حدوداً مباشرة مع إيران وشراكة استراتيجية مع الولايات المتحدة، وعلاقات وثيقة مع دول مجلس التعاون الخليجي، وحياداً نسبياً في الصراع. إضافة إلى العلاقات الشخصية بين دونالد ترامب ورئيس أركان الجيش الباكستاني عاصم منير، ودور رئيس وزراء باكستان شهباز شريف، ما يجعلها منصة مثالية لتنسيق الوساطة.

بالتوازي، يتحرك محور إقليمي يضم مصر وتركيا، بالإضافة إلى باكستان، لتقريب وجهات النظر وصياغة مسودة اتفاق أولية، مع التركيز على تفكيك أبرز الألغام التي تعيق التوصل إلى تسوية شاملة.

الألغام الخمسة: جوهر الصراع

المفاوضات تواجه خمس عقد رئيسية تشكل قلب التوتر:

  • مصير اليورانيوم المُخصب. تُصر واشنطن على نقله خارج إيران، فيما تريد طهران الاحتفاظ بمخزون محدود، ويقترح الوسطاء السماح بتخصيب محدود للأغراض السلمية وشحن الفائض إلى دولة ثالثة.
  • البرنامج الصاروخي. يُمثل خط الدفاع الأخير لإيران، ويرفض الحرس الثوري إدراجه ضمن المفاوضات، بينما تدعم واشنطن هذا البند، ويدعم البرلمان الإيراني حصر النقاش في الملف النووي فقط.
  • مضيق “هُرمز”. تضع واشنطن شروطاً لفتح الملاحة فوراً، بينما تستخدم إيران المضيق كورقة ضغط، وتسعى باكستان لتقديم صيغة ضمانات إقليمية كحل وسط.
  • التفتيش والسيادة. تُصر الولايات المتحدة على نظام تفتيش شامل، بينما تريد إيران الاكتفاء بمفتشي الوكالة الدولية، معتبرة أي تدخل خارجي انتهاكاً للسيادة.
  • النفوذ الإقليمي والأذرع. تسعى واشنطن لتقليص دعم طهران لحلفائها، فيما تحاول الأخيرة الحفاظ على نفوذ محدود تحت عنوان ثقافي وإنساني، في ما يعد أحد أخطر عناصر المقامرة التفاوضية.

بين التهدئة والانفجار

المشهد الحالي يعكس لحظة مفصلية، تتقاطع خلالها الضغوط العسكرية مع الحسابات السياسية. يقف مُجتبى خامنئي وقاليباف كحارسين لموافقة النظام، بينما يعتمد نجاح الوساطة على قدرة الوسطاء الإقليميين في تفكيك الألغام الخمسة خلال الساعات الحرجة المقبلة، قبل انتهاء المهلة الأمريكية. في هذه اللحظة، تتحول كل خطوة إلى “مقامرة دقيقة” بين التهدئة والانفجار، حيث أي خطأ قد يدفع المنطقة نحو حرب شاملة لم يعد بالإمكان احتواؤها.

إن “مقامرة إسلام آباد” اليوم ليست مُجرد محاولة وساطة عابرة، بل إعادة رسم قواعد الاشتباك السياسي في المنطقة، حيث تتداخل المصالح العسكرية والاقتصادية والدبلوماسية في لوحة معقدة، تجعل كل طرف يتصرف بحذر شديد، بينما يراقب العالم النتائج المحتملة لهذه الوساطة المصيرية.