عثمان تزغارت
عثمان تزغارت

مقالات مشابهة

إيران

مُرشد الثورة الإيراني الجديد مُجتبى خامنئي.. من ظل الحرس الثوري إلى ولاية الفقيه

عثمان تزغارت
عثمان تزغارت

يُمثل صعود مُجتبى خامنئي إلى موقع المُرشد الأعلى لحظة مفصلية في تاريخ الجمهورية الإسلامية الإيرانية. فهذه هي المرة الأولى منذ ثورة عام 1979 التي تنتقل فيها السلطة العليا من الأب إلى الابن.

أهمية الحدث لا تكمن فقط في طبيعته غير المسبوقة، بل في كونه يكشف بوضوح عن طبيعة السلطة الحقيقية داخل النظام الإيراني: سلطة تتشكل عند تقاطع الشرعية الدينية مع القوة الأمنية وشبكات النفوذ الاقتصادي والسياسي للدولة.

بذلك ينتقل مُجتبى خامنئي، الذي ظل لسنوات طويلة أحد أكثر الشخصيات نفوذاً في الظل، إلى موقع الرجل الأقوى في إيران، في لحظة إقليمية شديدة الاضطراب.

مسار تشكّل في قلب السلطة

وُلد مُجتبى خامنئي عام 1969 في مدينة مشهد، وهو الابن الثاني للمرشد السابق علي خامنئي، الذي حكم إيران منذ عام 1989.

مثل كثيرين من أبناء “جيل الثورة”، تأثر مُجتبى بالحرب الإيرانية – العراقية في الثمانينيات، وهي الحرب التي شكلت تجربة تأسيسية للنخب السياسية والعسكرية في الجمهورية الإسلامية. بعد ذلك توجه إلى مدينة قم لدراسة العلوم الدينية في الحوزة، المركز الأساسي للتعليم الشيعي في إيران. غير أن مساره لم يتشكل أساساً داخل السلم الفقهي التقليدي، بل داخل الدائرة السياسية والأمنية للنظام.

هناك، داخل مكتب والده المرشد الأعلى، بدأ اسمه يتردد تدريجياً في أروقة السلطة. ومكتب المرشد في إيران ليس مجرد جهاز إداري، بل هو في الواقع أحد المراكز الحقيقية لصناعة القرار، إذ ينسق بين المؤسسات السياسية والأجهزة الأمنية والمؤسسة الدينية.

خلال السنوات العشرين الماضية اكتسب مُجتبى سمعة داخل هذه الدائرة بوصفه شخصية محورية في شبكة النفوذ المحيطة بوالده المُرشد. وقد وصفته بعض البرقيات الدبلوماسية الغربية بأنه “حارس بوابة المُرشد”، في إشارة إلى دوره في التحكم بالوصول إلى مركز القرار.

شبكة النفوذ داخل النظام

لا يمكن فهم صعود مُجتبى خامنئي دون النظر إلى علاقاته داخل البنية العميقة للنظام الإيراني. أول هذه الدوائر هي الحرس الثوري الإيراني، الذي تحول منذ بداية الألفية الجديدة إلى أحد أعمدة النظام السياسية والعسكرية والاقتصادية.

الحرس الثوري ليس مجرد مؤسسة عسكرية، بل كيان مركب يجمع بين القوة العسكرية والنفوذ السياسي وإمبراطورية اقتصادية واسعة. وقد نجح مُجتبى خلال السنوات الماضية في بناء علاقات وثيقة مع عدد من قيادات هذه المؤسسة، وهو ما عزز موقعه داخل معادلة السلطة.

إلى جانب ذلك، تشير تقارير غربية بأنه لعب دوراً في التنسيق بين عدد من المؤسسات الاقتصادية المرتبطة بمكتب المُرشد، خصوصاً تلك التابعة لشبكة “البُنياد” أو المؤسسات الخيرية – الاقتصادية التي تمثل أحد أعمدة الاقتصاد السياسي للنظام. هذه المؤسسات تشكل في الواقع واحدة من الأدوات الرئيسية لتمويل الشبكات الاجتماعية والدينية التي يعتمد عليها النظام في ترسيخ نفوذه داخل المجتمع.

شخصية مُثيرة للجدل

برز اسم مُجتبى خامنئي على نحو أكثر وضوحاُ خلال الأزمة السياسية التي أعقبت الانتخابات الرئاسية الإيرانية عام 2009، والتي أعادت محمود أحمدي نجاد إلى السلطة وسط احتجاجات واسعة. في تلك اللحظة المفصلية، ذاع صيته السيء، حيث لعب دوراً محورياً في تزوير الانتخابات لمنح ولاية ثانية للرئيس أحمدي نجاد، ثم كان مهندس آلية القمع الدموية التي أجهضت في الحراك الاحتجاجي الذي عُرف انذاك بـ”الثورة الخضراء”.

ذلك الدور القمعي الدموي الذي اضطلع به، من دون الظهور في الواجهة، ساهم في تكريس صورته كشخصية نافذة لكنها تعمل في الظل، بعيداً عن الأضواء السياسية. وفي عام 2019 فرضت الولايات المتحدة عقوبات عليه، متهمة إياه بالعمل كممثل غير منتخب للمرشد الأعلى داخل مؤسسات الدولة الإيرانية.

معضلة الشرعية الدينية وشبح التوريث السياسي

رغم النفوذ السياسي الذي يحظى به، فإن إحدى النقاط الأكثر حساسية في مسيرة مُجتبى خامنئي تتعلق بمكانته الدينية. ففي النظام الإيراني، يستند منصب المُرشد الأعلى نظرياً إلى مفهوم “ولاية الفقيه”، الذي يفترض أن يتولاه رجل دين يتمتع بمكانة فقهية معتبرة. 

غير أن مُجتبى خامنئي لا يمتلك المكانة الدينية التي يتمتع بها كبار المراجع في الحوزة. ومع ذلك، أظهرت تجربة الجمهورية الإسلامية أن التوازنات السياسية داخل النظام قد تتغلب أحياناً على الاعتبارات الفقهية الصارمة. ويثير وصول مُجتبى خامنئي إلى موقع المُرشد الأعلى أيضاً سؤالاً بالغ الحساسية داخل إيران: هل بدأت الجمهورية الإسلامية تدخل مرحلة التوريث السياسي؟

الثورة الإيرانية عام 1979 قامت أساساً ضد نظام ملكي قائم على الوراثة. لذلك فإن انتقال السلطة من الأب إلى الابن سيثير الجدل حتما حول طبيعة النظام نفسه، وحول ما إذا كانت الجمهورية الإسلامية بدأت تتحول تدريجياً إلى نظام أكثر شبهاً بالأنظمة الوراثية التي قامت الثورة ضدها.

مُرشد جديد في لحظة إقليمية مضطربة

يصل مُجتبى خامنئي إلى قمة السلطة في لحظة معقدة للغاية بالنسبة لإيران. فالبلاد تواجه حرباً شرسة وضغوطًا اقتصادية كبيرة، وعقوبات دولية مستمرة، وتوترات إقليمية متصاعدة. 

في النظام السياسي الإيراني يتمتع المُرشد الأعلى بصلاحيات واسعة للغاية، فهو القائد الأعلى للقوات المسلحة، والمشرف على التوجهات الكبرى للسياسة الخارجية، وصاحب الكلمة الفصل في تعيين كبار المسؤولين في المؤسسات الأمنية والقضائية.

بالتالي فإن التحدي الأساسي أمام المرشد الجديد سيكون الحفاظ على توازن دقيق بين مراكز القوة المختلفة داخل النظام، في وقت تتزايد فيه الضغوط الخارجية والتحديات الداخلية.

من رجل الظل إلى رجل الدولة

على مدى أكثر من عقدين ظل مُجتبى خامنئي أحد أبرز اللاعبين غير المرئيين في السياسة الإيرانية. اليوم، ومع انتقاله من الظل إلى قمة هرم السلطة، يدخل النظام الإيراني مرحلة جديدة قد تعيد طرح أسئلة قديمة حول طبيعة السلطة في الجمهورية الإسلامية.

هل سيستطيع المُرشد الجديد تثبيت موقعه داخل منظومة الحكم؟ أم أن انتقاله من نفوذ الظل إلى سلطة الضوء سيكشف هشاشة التوازنات التي يقوم عليها النظام؟

ذلك ما سيحدد مدى قدرة النظام الإيراني على الاستمرار في ظل حرب مدمرة تهدد باقتلاعه من جذوره لطي صفحة تعد الأطول أمداً والأشد تعصباً والأكثر دموية في تاريخ الأنظمة القائمة على الدوغمائية الدينية.