بقلم محرر الشؤون الإفريقية: على مهاجر
بقلم محرر الشؤون الإفريقية: على مهاجر

مقالات مشابهة

ثقافة ومجتمع

من نعومي كامبل إلى جورجي بادييل.. حين يتحوّل الجمال إلى أداة نفوذ إنساني تخفف آلام إفريقيا

بقلم محرر الشؤون الإفريقية: على مهاجر
بقلم محرر الشؤون الإفريقية: على مهاجر

في وقتٍ تعود فيه أزمات إفريقيا الإنسانية إلى صدارة الاهتمام الدولي، من تفاقم نقص المياه في الساحل، إلى تجدد قضايا اللجوء في القرن الإفريقي، مروراً بتراجع تمويل برامج الإغاثة الأممية خلال عامي 2024–2025، برز مجدداً دور فاعلين غير تقليديين في سدّ بعض الفجوات: عارضات أزياء استخدمن الشهرة والجمال كأداة نفوذ إنساني، لا مجرد رأس مال رمزي.

خلال العقدين الماضيين، لم تعد منصّات الأزياء نهاية المسار، بل تحوّلت، في بعض الحالات، إلى نقطة انطلاق نحو العمل الاجتماعي، مثل حملات جمع تبرعات دولية، ومشاريع ميدانية في القرى الإفريقية. وبين أسماء عالمية وأخرى محلية، تشكّل نموذج متباين التأثير، لكنه يطرح سؤالاً واحداً: كيف يمكن للجمال أن يخفف، ولو جزئياً، من آلام قارة مثقلة بالأزمات؟

الجمال العالمي وحدود العمل الخيري

منذ عام 2005، بدأت نعومي كامبل في توظيف نفوذها العالمي في العمل الإنساني عبر إطلاق مبادرة “أزياء من أجل الإغاثة” Fashion for Relief، التي نظّمت عروضاً خيرية في نيويورك ولندن وميلانو. وبلغ هذا الدور ذروته خلال أزمة إيبولا في غرب إفريقيا (2014–2015)، حين ساهمت المبادرة في جمع ملايين الدولارات لدعم جهود الاستجابة الصحية في ليبيريا وسيراليون وغينيا.

لكن تجربة كامبل عكست أيضاً إشكالية العمل الخيري المرتبط بالنجومية، وهي القدرة على التحشيد السريع مقابل تحديات الاستدامة والحوكمة. فمع مرور الوقت، واجهت المبادرة انتقادات تتعلق بالإدارة والشفافية، أعادت فتح النقاش حول حدود “العمل الإنساني القائم على الشهرة” مقارنة بالمنظمات المؤسسية طويلة الأمد.

مع ذلك، لا يمكن فصل هذا الدور عن سياقه: فالجمال هنا لم يكن بديلاً عن السياسات العامة، لكنه لعب دور كاسر الصمت، واضعاً أزمات إفريقية محددة على أجندة الإعلام الدولي في لحظات حرجة.

حين يأتي الجمال من الهامش

على مسار مختلف تماماً، تبرز تجربة جورجي باديل بوصفها أحد أكثر النماذج التصاقاً بالواقع المحلي. وُلدت بادييل في بوركينا فاسو، وعاشت طفولة مثقلة بندرة المياه، قبل أن تدخل عالم الأزياء في أوروبا. في عام 2015، أسست مؤسسة “جورجي باديل”، واضعة قضية المياه النظيفة والصرف الصحي في قلب عملها.

بين عامي 2016 و2024، ساهمت المؤسسة في حفر عشرات الآبار، وبناء مرافق صحية في قرى ريفية ببوركينا فاسو، مستفيدة من شبكة علاقات بادييل الدولية، ومن قدرتها على تحويل قصتها الشخصية إلى خطاب إنساني مؤثّر في المحافل الدولية.

وبعكس النموذج العالمي، لا تقوم تجربة بادييل على الحملات الموسمية، بل على مشاريع قابلة للقياس والتتبع. الجمال هنا لا يُقدَّم كواجهة، بل كوسيلة للوصول إلى التمويل والمنصّات، بينما يبقى مركز الثقل في الأرض التي انطلقت منها القصة.

الجمال كمنصّة.. لا كبديل

بين هذين النموذجين، ظهرت تجارب أخرى رسّخت فكرة الجمال بوصفه منصّة خطاب لا أكثر. ففي عام 2013، عُيّنت أليك ويك سفيرة نوايا حسنة لدى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، مستفيدة من تجربتها الشخصية كلاجئة من جنوب السودان، للمرافعة عن قضايا النزوح في إفريقيا والشرق الأوسط.

وفي عام 2010، أطلقت ليا كيبيدي مؤسستها المعنية بصحة الأمهات وحديثي الولادة في إثيوبيا، مركّزة على تقليل وفيات الولادة عبر دعم الخدمات الصحية الأساسية. أما إيمان، فقد ارتبط اسمها منذ التسعينيات بالعمل مع منظمات إنسانية كبرى، خاصة في ملفات اللاجئين والنساء المتضررات من النزاعات.

هذه المبادرات، على اختلافها، لا تدّعي تقديم حلول شاملة لأزمات القارة، لكنها تكسر احتكار السرد، وتنقل إفريقيا من خانة “الموضوع” إلى خانة “الفاعل”، ولو عبر أفراد.

نقدية التجربة

يحذّر خبراء التنمية من تضخيم أثر “العمل الخيري المرتبط بالنجومية”، معتبرين أن تأثيره غالباً ما يكون جزئياً ومحدود الأمد. غير أن تجاهل هذه النماذج يغفل دورها في إعادة توجيه الضوء، وإضفاء بعد إنساني على أزمات باتت تُختزل في الأرقام.

في المسافة بين منصّات الأزياء وقرى العطش، لا يصنع الجمال المعجزات، لكنه يفرض سؤالاً أخلاقياً على العالم: كيف يمكن تحويل الامتياز الفردي إلى أثر عام؟ وأين تنتهي القوة الناعمة، وتبدأ مسؤولية الدولة والمجتمع الدولي؟