بقلم: عزيز عزيز
بقلم: عزيز عزيز

مقالات مشابهة

عصر المُرشد (1-3)

من خليفة الضرورة إلى مهندس دولة المُرشد: كيف صنع علي خامنئي جمهورية فوق الجمهورية

بقلم: عزيز عزيز
بقلم: عزيز عزيز

بعد أن أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب مقتل المُرشد الإيراني علي خامنئي، بدا أن الجمهورية الإسلامية لا تواجه فقط فراغاً في قمة هرمها، بل لحظة مراجعة قاسية لعصر كامل امتد منذ عام 1989. برحيله، لا ينتهي اسم رجل فقط، بل تنكشف بنية حكم كاملة بُنيت حول شخصه ومكتبه وشبكاته العسكرية والمالية.

خامنئي لم يكن مجرد رجل دين اعتلى منصباً أسسه الخميني، بل كان الحاكم الذي أعاد صياغة المنصب نفسه، حتى صار المُرشد مركز القرار النهائي في الحرب والسلم، والنووي، وتعيين كبار القادة، وضبط حدود السياسة المنتخبة من فوقها. 

براغماتية العقيدة لا براغماتية الاعتدال

لفهم خامنئي، لا تكفي صورة “المتشدد” وحدها، لأن الرجل بنى مشروعه على معادلة أكثر تعقيداً: عقيدة صلبة وأدوات مرنة. في خطابه العلني ظل ينظر إلى العالم الإسلامي بوصفه ساحة صراع بين “الاستكبار” الغربي والهوية الإسلامية، وكان يرى أن الاستعمار لا ينهب الثروات فقط، بل ينهب الثقافة والهوية أيضاً. 

وفي خطاب آخر أمام سفراء الدول الإسلامية انتقد المُرشد اصطفاف دول مسلمة ضد دول مسلمة، واعتبر انحياز بعض الحكام إلى إسرائيل علامة على خلل بنيوي في النظام الإقليمي. هذه الرؤية لم تكن زخرفاً أيديولوجياً، بل الإطار الذي صاغ منه خامنئي معنى الدور الإيراني: إيران ليست دولة قومية عادية في نظره، بل رأس مشروع يريد إعادة تشكيل توازنات العالم الإسلامي.

لكن هذه العقيدة لم تكن تعني الجمود. فقد أظهر خامنئي على امتداد حكمه استعداداً “للانحناء” حين يكون بقاء الجمهورية الإسلامية على المحك، وهو ما تجلّى في مفهوم “المرونة البطولية” الذي أتاح له تمرير تسويات تكتيكية من دون أن يتخلى عن الأهداف الكبرى. لذلك فإن براغماتيته لم تكن براغماتية اعتدال، بل براغماتية بقاء:  يهادن حين يخدم ذلك النظام، ويصعّد حين يشعر أن التراجع يهدد مركزه ومركز الجمهورية التي بناها حوله.

خلافة الضرورة لا خلافة الإجماع

جاء خامنئي إلى المنصب من باب الضرورة السياسية أكثر مما جاء من باب الإجماع الديني. فقد كان رئيساً للجمهورية بين 1981 و1989، لكن صعوده إلى منصب المُرشد بعد وفاة الخميني لم يكن تحصيل حاصل، لأن كثيرين داخل المؤسسة الدينية لم يروه صاحب الوزن الفقهي الموازي لسلفه. وحين عُيّن مُرشداً لم يكن قد بلغ أصلاً المرتبة الدينية التي تجعل سلطته الفقهية بديهية، ولذلك بدا في البداية “ضعيفاً” و”خليفة غير مرجح” للمؤسس. إلا أن النظام، في لحظة انتقال حساسة، فضّل الاستمرارية على المثالية الفقهية، وفتح الطريق أمامه عبر إعادة ترتيب شروط الشرعية نفسها.

الدستور الإيراني بعد تعديل 1989 يوضح كيف جرى تثبيت هذه التسوية. فالمادة 107 تنص على أن مجلس الخبراء هو الذي يختار القائد، فيما تنص المادة 5 على أن الولاية والقيادة تعودان إلى الفقيه العادل البصير بشؤون عصره والقادر على الإدارة. 

هذا البناء منح خامنئي، بعد انتخابه من مجلس الخبراء، كل “سلطات الولاية” ومسؤولياتها، حتى لو كانت بدايته السياسية أقوى من بدايته الفقهية. المعنى الأعمق هنا أن الجمهورية الإسلامية قدّمت منذ تلك اللحظة بقاء النظام على صرامة المعيار، وجعلت من القدرة على الإدارة والسيطرة جزءاً من تعريف الأهلية للقيادة، لا مجرد المكانة العلمية داخل الحوزة.

من المُرشد إلى مركز النظام

إذا كانت لحظة الصعود قد حُسمت بالتسوية، فإن لحظة التمكين حُسمت بالدستور والمؤسسات. المادة 57 تضع السلطات الثلاث تحت إشراف “الولاية المطلقة”، فيما تعطي المادة 110 المرشد سلطة رسم السياسات العامة، والإشراف على تنفيذها، والقيادة العليا للقوات المسلحة، وإعلان الحرب والسلم، وتعيين كبار المسؤولين في القضاء والإعلام والحرس الثوري والجيش، بل وتثبيت انتخاب الرئيس أو عزله في ظروف محددة. 

حتى المادة 113، التي تجعل الرئيس أعلى مسؤول في الدولة بعد القيادة، تستثني صراحة كل ما يتعلق بمقام الُمرشد. بهذا المعنى، لم يكن خامنئي بحاجة إلى إدارة تفاصيل الحكومة يومياً كي يحكم فعلياً كل شيء؛ فقد كان النص نفسه كفيلاً بجعل الرئاسة والبرلمان يعملان داخل سقف يحدده هو.

GWA

هذا ما تشرحه “رويترز” حين تقول إن الإيرانيين ينتخبون رئيساً وبرلماناً، لكن الحكومة تتعامل مع السياسات اليومية “ضمن الحدود التي يسمح بها المُرشد الأعلى”. ومع الوقت، قوّضت هيمنة الأجزاء غير المنتخبة من الدولة، إلى جانب القيود التي فرضها مجلس صيانة الدستور على المرشحين، ثقة الإيرانيين في السياسة الانتخابية نفسها. لم يكن خامنئي، إذاً، مجرد رأس للنظام؛ كان السقف الذي تُسمح تحته السياسة وتُمنع، والنقطة التي تبدأ عندها سلطة المؤسسات وتنتهي عندها أيضاً.

هندسة الولاء: الحرس والانتخابات المقننة

ما افتقده خامنئي في الكاريزما الدينية عوّضه بتجميع الولاء حوله داخل البنية الأمنية والسياسية. فقد ترسخ صعوده “بالمراوغة والحرس الثوري”، وشهد حكمه تهميش الخصوم وسحق المعارضة الشعبية. فالحرس الثوري والباسيج لم يكونا مجرد ذراعين أمنيتين؛ كانا العمود الفقري لدولة المُرشد، والأداة التي جعلت ولاء القوة المسلحة ولاءً مُباشراً لمركز القيادة لا للحكومة المنتخبة. وعبرهما أمكن قمع احتجاجات متعاقبة، من الحركة الخضراء عام 2009 إلى احتجاجات مهسا أميني وما بعدها، بما أعاد في كل مرة تأكيد الأولوية المطلقة لبقاء النظام.

بموازاة الأمن، أعاد خامنئي هندسة الحقل السياسي نفسه. ففي انتخابات 2020 و2021، تحدثت التقارير عن حقل انتخابي “مصفّى بعناية” لصالح الموالين له، وعن تشدد إضافي منح المحافظين المتشددين قبضة أوسع على البرلمان والرئاسة. هذا لم يكن تفصيلاً إجرائياً، بل خطوة في مسار طويل لتقليص هامش التعدد حتى داخل المعسكر المحافظ نفسه، بحيث لم تعد الانتخابات وسيلة لتداول النفوذ بين أجنحة النظام بقدر ما صارت أداة لإعادة إنتاج نخبة أقرب إلى خط المُرشد وأكثر استعداداً للامتثال له. وهكذا لم يعد خامنئي يحكم فقط من فوق المؤسسات، بل صار يطبع هذه المؤسسات بتركيبته هو.

المال والسلاح: كيف حصّن مركزه

العنصر الأكثر أهمية في فهم عصر خامنئي هو أنه لم يبنِ سلطته بالسلاح والدستور فقط، بل بالمال أيضاً. تحقيقات أظهرت أن الشبكة الاقتصادية الخاضعة لسيطرته راكمت أصولاً ضخمة، وأنه لا دليل على أنه استخدمها لإثراء شخصي مباشر، لكن المؤكد أنها مكّنته سياسياً ومنحته موارد مالية هائلة خارج الدورة الحكومية التقليدية. 

حسب تقارير جمعتها “رويترز” فقد نمت هذه الإمبراطورية المالية كثيراً في عهده، وكانت تساوي عشرات المليارات من الدولارات، كما استثمرت مليارات في الحرس الثوري. هنا تتضح معادلة الحكم الخامنئي في صورتها الصافية: دستور يمنحه الشرعية، وأجهزة تمنحه الردع، واقتصاد موازٍ يمنحه الاستقلال عن هشاشة الدولة وموازناتها وأزماتها.

مركز الدولة الحقيقي

من هذه النقطة تحديداً يمكن فهم لماذا تحوّل خامنئي من خليفة بدا عند البداية أضعف من سلفه، إلى رجل صنع جمهورية فوق الجمهورية. لقد ورث منصباًَ كان يمكن أن يبقى مرجعية عليا داخل الدولة، لكنه أعاد تشكيله ليصبح مركز الدولة الحقيقي. كما أنه لم يرث فقط ميراث الخميني الثوري، بل أعاد ترجمته إلى نظام أشد مؤسسية وأقل قابلية للاختراق من الداخل: نظام يقوم على الولي الفقيه، لكنّه يعمل فعلياً عبر مكتب المُرشد، والحرس، والباسيج، ومجلس صيانة الدستور، والاقتصاد الموازي. 

لهذا فإن قراءة عصر خامنئي لا تبدأ من نهايته العسكرية أو السياسية، بل من هذه الحقيقة الأعمق: أنه لم يحكم الجمهورية الإسلامية من داخل مؤسساتها فقط، بل من فوقها ومن خلفها وفي قلبها معاً.

في النهاية، إذا كان خامنئي قد نجح أولاً في بناء دولة المُرشد داخل إيران، فإن سؤاله التالي كان كيف يُخرج هذه الدولة إلى الإقليم، لا بالجيوش النظامية وحدها، بل بعقيدة نووية وشبكات نفوذ ووكلاء وتمويل سياسي-أمني واسع. ومن دون هذا المدخل، يصعب فهم كيف انتقل من تثبيت الحكم في الداخل إلى محاولة فرض توازن ردع وهيمنة في الخارج، وكيف بدأت كلفة هذا المشروع لاحقاً ترتد على إيران نفسها.