بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

مقالات مشابهة

تقرير سياسي

من انهيار الدولة إلى هيمنة السلاح: كيف أعادت الجماعات الإسلامية المسلحة تشكيل السلطة وفرضت معادلة القوة في المشرق العربي

بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

تحوّل المشرق العربي، على مدار العقدين الماضيين، إلى مسرح لتجربة تكشف فشل الدولة والنظام الدولي في فرض الأمن والاستقرار. ولم تعد الجماعات الإسلامية المسلحة مجرد تنظيمات هامشية أو أدوات لأجندات خارجية، بل تحوّلت إلى فواعل تفرض إرادتها على حساب سيادة الدول ومصالح شعوبها. وأي خطاب يروّج لها بوصفها “لاعباً تفاوضياً” ليس سوى تبرير للانهيار السياسي والأمني الذي أسهمت هذه الجماعات في صناعته.

تُعد تجربة حركة حماس في قطاع غزة النموذج الأكثر وضوحاً لهذا الانزلاق الخطير. فمنذ استيلائها على القطاع، حولت الحركة السكان المدنيين إلى أدوات ضغط دائمة. وأصبحت قضايا وقف إطلاق النار، وفتح المعابر، ووصول المساعدات، وإدارة الكوارث الإنسانية، مرتبطة بقدرتها على التهديد والتصعيد، لا بالقيم الإنسانية أو أحكام القانون الدولي. وتحول المدنيون إلى رهائن بين العنف العسكري واستخدامهم غطاءً سياسياً، ما يجعل أي حديث عن حل سياسي أو استقرار حديثًا منفصلًا عن الواقع.

الجانب الأكثر خطورة أن القوى الدولية، بما فيها إسرائيل، اضطرت عملياً إلى التفاوض مع حركة حماس، ليس اعترافاً بشرعيتها، بل بسبب استحالة تجاوزها. ويعكس ذلك واقعاً مقلقاً مفاده أن التنظيمات المسلحة نجحت في فرض نفسها على المشهد السياسي عبر الخطر والابتزاز، لا من خلال مشروع سياسي واضح. 

لبنان: حزب الله وسلطة السلاح على الدولة

في لبنان، أصبح حزب الله نموذجاً صارخاً لسيطرة التنظيم المسلح على الدولة من دون أن يكون جزءاً من مؤسساتها الشرعية. فقد تجاوز نفوذ السلاح والتمثيل السياسي قدرة الدولة نفسها، ما أفقد المؤسسات الدستورية إمكانية اتخاذ قرارات سيادية مستقلة. وفي النزاعات مع إسرائيل، وفي ترسيم الحدود، وحتى في إدارة الموارد، بات الحزب اللاعب الحاسم، بينما تحوّلت الدولة إلى إطار شكلي. وأي تفاوض، مهما كانت صيغته، يخضع  عملياً لمصالح هذا التنظيم لا لمصلحة الدولة.

أدّى هذا الواقع إلى تحويل أي مسار سياسي في لبنان إلى إدارة ابتزاز مستمرة، تُدار فيها الدولة من خارج مؤسساتها القانونية، ويُستبدل منطق الدستور بمنطق القوة المسلحة.

سوريا واليمن: من انهيار الدولة إلى سلطة القوة

في سوريا، لم يعد الحديث عن “سلطة بديلة” توصيفاً نظرياً، بل واقعاً ميدانياً. هيئة تحرير الشام، المنبثقة من جذور جهادية، والتي كانت تُعرف سابقاً باسم “جبهة النصرة” المرتبطة بتنظيم القاعدة، لم تعد مجرد فصيل مسلح يسيطر على إدلب، بل تحوّلت إلى قوة مهيمنة. وقد فرضت نفسها، في سياق انهيار الدولة، بوصفها سلطة أمر واقع في مناطق واسعة، بعد أن ملأت الفراغ الأمني ووسّعت سيطرتها إلى دمشق ومناطق أخرى، مع الاعتراف بوجود قياداتها ضمن ما يُعرف بـ”الحكومة الانتقالية”، وهو ما أحدث تحولات عميقة في المشهد السياسي السوري.

يمثل الحوثيون في اليمن نموذجاً آخر لتحويل التنظيم الديني إلى قوة إقليمية تهدد الأمن الدولي. فالسعي للسيطرة على الموانئ والممرات البحرية لا يرتبط بمشروع دولة، بل باستخدام هذه المواقع وسيلة ضغط على الجوار والدول الكبرى. وأي محاولة لتسوية النزاع اليمني باتت مشروطة بالتعامل مع قدرتهم على تعطيل الأمن الدولي، لا عبر مسار سياسي متكافئ، بل عبر القبول بواقع القوة المسلحة.

العراق: ميليشيات خارجة عن الدولة وسيادة مشتتة

في العراق، يتكرر نموذج تفكك الدولة. فبعد سقوط نظام صدام حسين، ظهرت ميليشيات مسلحة مرتبطة بأجندات داخلية وخارجية استغلت ضعف الدولة لتوسيع نفوذها، وإعادة تشكيل السلطة على أساس القوة لا القانون. ولم تدخل هذه الجماعات المجال السياسي عبر مشروع مجتمعي، بل عبر استثمار الفوضى للسيطرة على مفاصل الدولة، من السياسة إلى الاقتصاد، وصولًا إلى المؤسسات الأمنية.

فشلت القوى الدولية، التي أسهمت في تشكيل النظام السياسي بعد عام 2003، في تفكيك هذه البنى المسلحة أو الحد من تأثيرها. وأصبح أي اتفاق سياسي أو تحالف حكومي مرهوناً بقدرة هذه الميليشيات على التهديد بالعنف أو تعطيل مؤسسات الدولة. وتحول المدنيون في مناطق عدة إلى رهائن لتوازنات السلاح، حيث تُدار الحياة اليومية بمنطق الخوف لا بمنطق الدولة.

ولعبت الميليشيات الموالية لإيران دوراً حاسماً في تحويل العراق إلى ساحة لتوازنات قسرية. وقدرتها على حشد العنف داخل المدن وتعطيل عمل المؤسسات الحكومية جعلت أي مفاوضات داخلية أو دولية خاضعة لمواقفها. وبات الحديث عن السيادة أو استقلال القرار السياسي أقرب إلى الشعار، في ظل واقع تحسمه القوة الميدانية لا الشرعية أو القانون.

الخطر المشترك: القوة بدل السياسة

ما يجمع هذه النماذج هو تحوّل القوة المسلحة إلى نفوذ سياسي، لا عبر رؤية أو مشروع مجتمعي، بل عبر القدرة على التخريب وإرهاب المجتمع والدولة. ولم تنتج الجماعات الإسلامية المسلحة أي مشروع سياسي مستدام، بل كرّست دائرة عنف مستمرة تهدد الاستقرار الإقليمي وتعمّق هشاشة الدولة. وأي توصيف لها بوصفها “فاعلاً سياسياً” يشكّل تلميعاً لواقع يقوم على فرض الأمر الواقع بالقوة.

أُجبر النظام الدولي، رغم خطاب مكافحة الإرهاب، على التعامل مع هذه الجماعات كأطراف سياسية، ما أسّس سابقة خطيرة تجعل العنف معياراً للفاعلية السياسية. وفي المقابل، وجدت الدول التي فقدت السيطرة على أراضيها نفسها أمام انهيار فعلي للسيادة، واكتفت بإدارة الأزمات بدل معالجتها، في ظل تمدد الجماعات المسلحة بلا مساءلة.

لم يعد المشرق العربي ساحة للتفاوض العادل أو بناء الدولة، بل مختبراً لإعادة تعريف السلطة عبر القوة والتهديد. ونجحت الجماعات الإسلامية المسلحة في فرض قواعدها، وجعلت أي مسار تفاوضي رهيناً لقدرتها على التخريب. وأصبح المدنيون والدولة والمجتمع الدولي أطرافاً محتجزة داخل هذا الواقع، حيث تُقاس الفاعلية السياسية بالقوة المسلحة لا بالشرعية أو القانون.