في تحول دراماتيكي رسمت حدوده الدماء، تصدّرت منطقة الساحل الإفريقي قائمة أخطر بؤر الإرهاب في العالم. لم يعد العنف في النيجر ومالي وبوركينا فاسو مجرد امتداد لتمردات محلية، بل تحوّل إلى موجة عاتية من “الإرهاب الأيديولوجي” الإقصائي الذي يتجاوز الانقسامات الدينية التقليدية.
في هذا الإقليم المنكوب، لا تستهدف الجماعات المتشددة طائفة بعينها، بل تستخدم خطاب “التكفير” ضد المجتمع بأسره، معتبرةً كل من لا يعتنق أيديولوجيتها المتطرفة، من مسلمين ومسيحيين على السواء، هدفاً مشروعاً للقتل.
تؤكد الأرقام الصادمة حجم الكارثة الإنسانية والأمنية؛ فوفقاً لبيانات مشروع النزاعات المسلحة ومواقع الأحداث (ACLED)، حصد الإرهاب في دول الساحل الثلاث خلال عام 2025 أرواح نحو نصف ضحايا الإرهاب عالمياً، من أصل قرابة 25 ألف قتيل سقطوا حول العالم.
هذا الرقم يعكس تحوّلاً هيكلياً في طبيعة الصراع، الذي انتقل من تمردات متفرقة إلى تهديد عابر للحدود، يتغذى على هشاشة الدولة واتساع الفراغ الأمني.
من الأطراف إلى المراكز السيادية
خلال العامين الأخيرين، غيّرت التنظيمات المتشددة، وفي مقدمتها تنظيم الدولة في الصحراء الكبرى، وجماعة نصرة الإسلام والمسلمين المرتبطة بالقاعدة، تكتيكاتها بصورة لافتة ومرعبة. لم تعد الهجمات تقتصر على ضربات خاطفة في مناطق نائية، بل امتدت إلى مدن رئيسة وقواعد عسكرية ومطارات وبنى تحتية سيادية.
في مالي، استُهدفت قوافل مدنية في إقليم غاو، وسقط عشرات الضحايا. وفي النيجر، شكّل الهجوم الوحشي على مسجد في تيلابيري نقطة مفصلية في مسار العنف، بعدما قُتل عشرات المصلين غدراً أثناء صلاة الجماعة. كما شهدت بانبانغو وقرى شمال النيجر هجمات دامية استمرت أياماً، وقع خلالها عشرات الجنود والمدنيين بين قتيل وجريح.
أما في بوركينا فاسو، فقد تصاعدت الضربات ضد القواعد العسكرية في ظل هشاشة أمنية متفاقمة. وبلغ التصعيد ذروته مطلع عام 2026، مع هجوم منسق ونوعي استهدف مطار ديوري حماني في العاصمة النيجرية نيامي، في مؤشر خطير على انتقال العمليات إلى أهداف سيادية عالية الحساسية.
وسجّل إقليم تيلابيري في النيجر أكثر من 1200 قتيل خلال عام واحد، فيما أدت الهجمات المتكررة إلى نزوح جماعي وإغلاق آلاف المدارس والمرافق الصحية، ما فاقم الأزمة الإنسانية.
إرهاب أيديولوجي بلا هوية طائفية
رغم توصيف بعض المنظمات المسيحية الدولية لهذه الهجمات بأنها تمارس “الاضطهاد الديني وتهدد المجتمعات المسيحية”، فإن المعطيات الميدانية الدقيقة تشير إلى أن العنف يتجاوز البعد الديني الضيق. فالغالبية الساحقة من الضحايا في الدول الثلاث هم من المسلمين، ما يعكس طبيعة أيديولوجية إقصائية تعتبر المجتمع بأسره ساحة مفتوحة لفرض الطاعة العمياء، وبالقوة المفرطة.
يقول الباحث في شؤون الجماعات المتطرفة، عبد المنعم همت، إن ما يجري في الساحل الإفريقي هو “إرهاب بلا وجهة”، موضحاً أن التنظيمات تسعى لفرض قراءتها المتشددة للدين على الجميع من دون استثناء، مستفيدة من ضعف الحوكمة والفساد وانعدام الثقة بين الدولة والمجتمعات المحلية.
تستمد الجماعات المسلحة جانباً من تمويلها من اقتصاد موازٍ قائم على تهريب الذهب والأسلحة والمخدرات، إضافة إلى استغلال النزاعات القبلية والمحلية. كما يسهم تداخل الحدود الشاسعة بين الدول الثلاث في تسهيل حركة المقاتلين وتدفق السلاح، ما يجعل المواجهة الأمنية التقليدية محدودة الفاعلية.
في المقابل، تعاني المناطق الريفية من تهميش مزمن وغياب الخدمات الأساسية وضعف حضور الدولة، ما يخلق بيئة قابلة لتجنيد الشباب تحت شعارات دينية أو إغراءات مادية.
تنافس دولي مُحتدم
لم يعد التدهور الأمني في الساحل شأناً محلياً. فالولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي ينظران إلى تصاعد الإرهاب من زاوية الاستقرار الإقليمي وحماية المصالح الاستراتيجية. وقد فرضت واشنطن قيود سفر على مواطني الدول الثلاث، وأعادت تفعيل عمليات مكافحة الإرهاب عبر الطائرات المسيّرة.
في المقابل، عزّزت روسيا حضورها عبر شراكات أمنية وعسكرية مع السلطات هناك، وسط تقارير دولية عن انتهاكات ارتكبتها وحدات روسية في شمال مالي خلال عمليات مشتركة مع الجيش المحلي. كما أعلنت موسكو توسيع انخراطها الدبلوماسي في إفريقيا.
أما الاتحاد الأوروبي، فسعى أواخر عام 2025 إلى إعادة صياغة علاقته مع الأنظمة العسكرية في الساحل، فيما أعلنت فرنسا توقيع اتفاق أمني مع الجزائر يسمح بمتابعة التطورات من دون انتشار مباشر لقواتها، وذلك بعد انسحاب القوات الفرنسية من دول الساحل الثلاث.
أزمة إقليمية مركبة
لا يمكن اختزال المشهد في الساحل في إطار «اضطهاد ديني» فقط. فالعنف هناك نتاج تداخل بين أيديولوجيات متطرفة، وفساد سياسي، وانقلابات عسكرية متكررة، وتنافس دولي على النفوذ والثروات.
وفي ظل هذا التشابك، تبدو المنطقة أمام مفترق حاسم: إما بناء مؤسسات وطنية قادرة على استعادة الثقة وفرض سيادة القانون، أو الانزلاق نحو مزيد من التفكك، بما يحوّل الساحل إلى بؤرة دائمة لعدم الاستقرار في إفريقيا.















