مع دخول المواجهة العسكرية في بحر الخليج العربي أسبوعها الثاني، يتجه مسار التصعيد تدريجياً من تبادل الضربات الصاروخية المباشرة إلى استهداف البنية الحيوية للتجارة والطاقة العالمية. في هذا السياق، عاد مضيق “هُرمز” إلى صدارة المشهد الأمني الدولي بعد إعلان وزارة الدفاع الأمريكية تدمير عدد من السفن الإيرانية التي قالت إنها كانت مرتبطة بعمليات زرع ألغام بحرية في المنطقة.
يُمثل المضيق أحد أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم؛ إذ يمر عبره نحو 20% من تجارة النفط العالمية المنقولة بحراً، وفق تقديرات الوكالات الدولية للطاقة. ولذلك فإن أي تهديد مستمر للملاحة فيه لا يُقرأ فقط كتصعيد عسكري، بل كأداة ضغط جيوسياسي واقتصادي قد تتجاوز تداعياتها أطراف النزاع المباشر.
في موازاة ذلك، تشير التصريحات السياسية والتطورات العملياتية إلى ارتفاع مستوى التنسيق العسكري بين الولايات المتحدة وإسرائيل، في إطار المواجهة مع إيران. غير أن هذا التقارب العملياتي لا يلغي وجود اختلافات محتملة في الأهداف الاستراتيجية النهائية لكل طرف.
مضيق “هُرمز”: جغرافيا الاختناق البحري
يشكل مضيق “هُرمز” نقطة اختناق بحرية كلاسيكية في النظام التجاري العالمي. الممر الذي يفصل بين السواحل الإيرانية وشبه جزيرة مسندم العُمانية لا يتجاوز عرضه في بعض مناطقه بضع عشرات من الكيلومترات، بينما تتركز ممرات العبور الآمنة للسفن في مساحات أضيق بكثير.
هذه الجغرافيا تجعل المضيق عرضة لما تسميه الدراسات العسكرية “استراتيجيات التعطيل منخفض الكلفة”. فالألغام البحرية، على سبيل المثال، لا تتطلب انتشاراً واسعاً حتى تفرض قيوداً كبيرة على حركة الملاحة، حيث يكفي وجود بعضها في الممرات البحرية ليشكل سبباً رئيسياً لرفع تكاليف التأمين والشحن بشكل كبير، وهو ما يؤثر مباشرة في أسواق الطاقة العالمية.
لا يقتصر التحدي هنا على وجود الألغام بحد ذاته، بل على حالة عدم اليقين التي تخلقها. فعمليات كشف الألغام وتحييدها غالباً ما تكون بطيئة ومعقدة، خصوصاً في الممرات الضيقة التي تشهد حركة كثيفة لناقلات النفط والسفن التجارية. كما أن نشر كاسحات الألغام والسفن المتخصصة في إزالة المتفجرات البحرية يتطلب بيئة أمنية مستقرة نسبياً، وهو أمر يصعب تحقيقه في ظل استمرار العمليات العسكرية أو احتمال تجددها.
مخاطر الامتداد إلى خليج عُمان
إلى الشرق من المضيق، عند مدخل خليج عُمان، يظهر نمط مختلف من المخاطر البحرية. الألغام التي تنجرف مع التيارات أو تنفصل عن مواقعها قد تتحول إلى تهديد غير متوقع للسفن التجارية العابرة للمحيط الهندي.
تكمن خطورة هذا السيناريو في أن الألغام العائمة لا تميز بين السفن العسكرية والتجارية. لذلك فإن أي حادث يستهدف ناقلة نفط أو سفينة تجارية لدولة غير منخرطة في النزاع قد يؤدي إلى تعقيد المشهد الدبلوماسي وربما توسيع دائرة التوتر.
تعتمد اقتصادات آسيوية كبرى – مثل الصين والهند وكوريا الجنوبية – بدرجة كبيرة على الطاقة القادمة عبر هذا المسار البحري. ولهذا فإن أي اضطراب طويل الأمد في حركة الملاحة قد ينعكس سريعاً على أسعار الطاقة العالمية وسلاسل الإمداد الصناعية.
إلى جانب الألغام البحرية، تعتمد إيران منذ سنوات على تطوير ما يُوصف في الأدبيات العسكرية بالقدرات البحرية غير المتكافئة. وتشمل هذه القدرات استخدام منصات بحرية صغيرة وغواصات محدودة الحجم مصممة للعمل في المياه الضحلة للخليج.
أما في البيئات البحرية الضيقة، يمكن لهذه الوسائل أن تشكل تحدياً عملياتياً حتى للقوات البحرية المتقدمة، لأنها تستفيد من تعقيد الجغرافيا البحرية وكثافة حركة السفن. غير أن الهدف الاستراتيجي لهذه الأدوات لا يتمثل في السيطرة البحرية التقليدية، بل في رفع مستوى المخاطر حول الممرات الحيوية للطاقة والتجارة. أي أن المقاربة تقوم أساساً على تعطيل الملاحة أو زيادة تكلفتها بدلاً من فرض سيطرة عسكرية كاملة على البحر.
التنسيق العسكري الأمريكي-الإسرائيلي
في موازاة التطورات البحرية، تشير المعطيات السياسية والعسكرية إلى مستوى متقدم من التنسيق بين الولايات المتحدة وإسرائيل في إدارة العمليات المرتبطة بالمواجهة مع إيران. يتم هذا التنسيق أساساً عبر القيادة المركزية الأمريكية، التي تشرف على العمليات العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط، وبالتعاون مع دوائر التخطيط العملياتي في وزارة الدفاع الإسرائيلية.
تاريخياً، شهدت العلاقات العسكرية بين الطرفين مستويات مرتفعة من التعاون في مجالات الدفاع الجوي والاستخبارات والتكنولوجيا العسكرية. إلا أن السياق الحالي يشير إلى تكامل عملياتي أوسع، خصوصاً في ما يتعلق بتبادل المعلومات الاستخباراتية وتنسيق الضربات العسكرية.
في مثل هذه العمليات المشتركة، تميل الجيوش عادة إلى توزيع الأدوار وفق القدرات المتاحة. وتبدو الولايات المتحدة معنية أساساً بمهام واسعة النطاق تشمل:
- تأمين المجال البحري في الخليج.
- إدارة العمليات الجوية الكبيرة.
- القدرات الإلكترونية والاستخباراتية.
في المقابل، تمتلك إسرائيل خبرة كبيرة في الضربات عالية الدقة ضد أهداف محددة، وهي قدرات طورتها خلال عقود من العمليات العسكرية الإقليمية.
تباين محتمل في الأهداف الاستراتيجية
رغم مستوى التنسيق المرتفع، قد تظهر اختلافات في الأهداف النهائية للحرب بين واشنطن وتل أبيب. الاعتبارات الأمريكية غالباً ما ترتبط بإدارة التوازنات الدولية الأوسع، بما في ذلك:
- استقرار أسواق الطاقة العالمية.
- تجنب توسع النزاع إقليمياً.
- الحسابات الاقتصادية والسياسية الداخلية.
أما إسرائيل فتنظر إلى البرنامج النووي الإيراني والبنية العسكرية الإيرانية بوصفهما تهديداً أمنياً طويل الأمد. من هذا المنطلق، قد تميل القيادة الإسرائيلية إلى استغلال أي مواجهة عسكرية لتقليص هذه القدرات بشكل واسع.
هذا التباين لا يعني وجود خلاف مباشر بين الطرفين، لكنه قد يؤثر على وتيرة العمليات العسكرية ومدتها، خصوصاً إذا تحولت الحرب إلى صراع أطول من المتوقع.
التداعيات الاقتصادية العالمية
يبقى العامل الأكثر حساسية في هذا الصراع هو التأثير المحتمل على الاقتصاد العالمي، لأن استمرار التوتر في مضيق “هُرمز” لفترة طويلة قد يؤدي إلى:
- ارتفاع مستمر في أسعار النفط والغاز.
- زيادة تكاليف النقل والتأمين البحري.
- اضطراب سلاسل الإمداد الصناعية العالمية.
كما أن عمليات إزالة الألغام البحرية – حتى في الظروف المستقرة – قد تستغرق وقتاً طويلاً نسبياً، وهو ما يعني أن تأثيرات الأزمة قد تستمر حتى بعد توقف العمليات العسكرية المباشرة.
منافسة السيطرة أو التأثير
تشير التطورات الأخيرة في الخليج إلى أن الصراع لم يعد محصوراً في الضربات العسكرية المباشرة، بل بات يشمل منافسة على السيطرة أو التأثير في البنية التحتية للتجارة والطاقة العالمية. في هذا السياق، يتحول مضيق “هُرمز” إلى نقطة اختبار رئيسية لقدرة الأطراف المختلفة على إدارة التصعيد دون الانزلاق إلى أزمة اقتصادية عالمية واسعة.
حتى الآن، توحي المؤشرات بأن المواجهة قد تتحول إلى استنزاف جيوسياسي بطيء، تصبح خلاله التجارة والطاقة أدوات مركزية في ميزان القوة الإقليمي والدولي.















